كوردستان.. عنوان النجاح والأمان

في وقت كانت الأوضاع السياسية في العراق تتجه بسرعة نحو الإنحراف عن إطارها الصحيح، عبر سياسة التهميش والإقصاء والمماطلة والمراوغة والتهرب من المسؤوليات الدستورية والقانونية تجاه الحقوق القومية المشروعة للكورد، وإدارة الحكم بأساليب بدائية، وتجاهل الحقوق المثبتة في الدستور العراقي، تأرجح العراق على شفا حرب أهلية، ومالت المستويات المنذرة بالخطر من العنف والانقسامات نحو الإرتفاع وفي كل الإتجاهات، وإستمرت العذابات والصراعات العنيفة وتداعيات الأزمات. أما الهجمات فقد إستهدفت الجميع، دون استثناء، وأصبح العنف والعوز والفقر أشد فتكاً وأكثر قساوةً من أي وقت سابق، وأصبحت خيوط التعايش الهش التي كانت في الأساس ضعيفة، مهترئة كخيوط شبكة العنكبوت. وأصبح من الصعب العثور على منطقة أو مدينة آمنة ومشرقة في وسط العراق وجنوبه وغربه. وعجت الكثير من دول الجوار والمنافي باللاجئين، وتراجعت مديات الإخلاص للعراق كوطن بشكلٍ كبير، إن لم نقل إنعدمت، والميليشيات المسلحة عاثت في الأرض فساداً دون وجل أو خوف، وشوهت سياسة البلاد التي كانت تئن من الأزمات السياسية والتشريعية والأمنية.

في تلك الأيام، ورغم سلسلة معقدة وطويلة من المشكلات، وبقرار منطقي نابع من قوة العقل والحكمة، قررت حكومة إقليم كوردستان برئاسة نيجيرفان بارزاني، الإنطلاق من الرؤية الوطنية والقومية، ومن منطلق الدفاع عن الحقوق الطبيعية للكوردستانيين في العراق الجديد القديم. أن يكون الإقليم نموذجاً لقصة نجاح وإنتصار، ومنطقة للأمان والتعايش والتسامح والإستقرار، ونقطة لإزدهار إمكانات النمو والتنمية وإرساء دعائم بنية أساسية عالية الجودة، في مجالات الصحة والتربية والتعليم والزراعة وصناعة النفط والغاز وتنفيذ المئات من المشاريع الحقيقية التي تخدم الحياة الإقتصادية والنمو الاقتصادي السريع. كما إتجهت نحو الإستثمار في القطاع النفطي، بهدف تحويله الى ثروة وطنية حقيقية، وركيزة أساسية لإقتصاد يخدم المواطن ويوفر له فرص العمل والحياة السعيدة، وبناء شبكة للضمان الإجتماعي لإعالة العوائل الفقيرة، والمحرومين وأصحاب الإحياجات الخاصة والأرامل وأصحاب الدخل المحدود من أجل ضمان مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. ثروة تسهم في تطوير الإقليم وبناء بنيته التحتية وقاعدته الصناعية المتينة، وإعادة اعمار الإقليم الذي تم تدميره في ظل السياسات العنصرية للنظام البعثي البائد.

جرى هذا في كوردستان، رغم كل الصعاب، ووفق خطط ملهمة تم التخطيط لها بتصور ورؤية متحضرة متكاملة تتألف من إدراك الإمكانات وتكاليف التفاعلات الدبلوماسية في منطقة تكاد أن تكون جزيرة من العنف والاضطرابات، ونشرت الصحف والبريطانية ك(الكارديان والأندبيندنت وأيكونوميك وأوبزيرفر) بعض توجهات السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان وطموحاته بشأن مستقبل الإقليم وبرامجه في مختلف مناحي الحياة، كإعادة بناء الديمقراطية وصولاً الى تحقيق الطموحات، وتحقيق النجاحات في قطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي والطاقة والإقتصاد وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والرفاه والتفاهم والتعايش والتسامح وتحقيق العدالة الإجتماعية والحماية الحقيقية للحقوق المدنية، وتحديد وحجب التطرف أو العنف الداخلي، والإثبات أن الإقليم أصبح الوسيلة الفضلى للسلام الإقليمي، وعاملاً فاعلاً في تشجيع الجيران على معالجة مشكلاتهم عن طريق الحوار، وبذل المساعي لبناء العلاقات مع الشعوب المجاورة على أساس الإحترام المتبادل.

حكومة الإقليم كانت دوماً عوناً لكل الذين وقعت عليهم المظالم، وإحتضنهم وساعدتهم وساندتهم، رغم قطع موازنتها السنوية من قبل الحكومة الاتحادية وبروز بعض المشكلات الداخلية، ورغم قسوة البعض وتحاملهم غير المبرر، ومازالت تضرب مثلا رائعا بالتطور في كل المجالات، مستندةً إلى أرفع القيم الإنسانية، لذلك نجحت في جعل الاقليم مثالاً طيباً يُحتذى به في منطقة ساخنة مليئة بالمشكلات. وأصبحت كوردستان، لامعة راقية متقدمة، ومؤهلة للديمقراطية الواعدة، تخطو بالتدريج ومن خلال دورات برلمانية، وانتخابات محلية، وتوافقات وطنية، وتوسيع المشاركة الشعبية في دائرة السلم الاجتماعي، نحو العمران والنماء والاستقرار والأمن وتعزيز النظام السياسي بمزيد من التسامح والتعايش.

بعد عقدين ونصف على أول تجربة رائدة ورائعة في تاريخ شعبنا الذي اختار أول ممثليه في برلمان كوردستان، تعيد حكومة إقليم كوردستان برئاسة نيجيرفان بارزاني، ذات المشهد بعد أشهر، فينتخب الكوردستانيون من يمثلونهم لتحقيق طموحاتهم ولتفعيل العناصر الايجابية في المجتمع وتحجيم العناصر السلبية وتسخير الطاقات، ولردم هوة الاختلافات والتناقضات السياسية والعمل على محوها ولتشكيل حكومة جديدة منسجمة تدير البلاد وهي مؤمنة بالقيم والمثل العليا، وتمتلك معارف وطرق تسيير وتنظيم الامور، وتجنح نحو كل فئات الشعب الكوردستاني لتلبية طلباتها جزاءً لمشاركتها الفعالة في الثورات والإنتفاضات المتتالية والأعراس والكرنفالات الديمقراطية، وما قدمتها من تضحيات غالية في عقود النضال. حكومة كوردستانية، تعمل وفق برنامج ورؤية إستراتيجية حقيقية من أجل إستعادة حقوقنا المهضومة، وتهيئة الأرضية المناسبة والمناخ السياسي المناسب لحل كل القضايا السياسية الخلافية الجوهرية مع بغداد، وفي مقدمتها إسترجاع كافة الأراضي الكوردستانية وفق الدستور، وإزالة آثار التعريب والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي في تلك المناطق، وإنتزاع الإعتراف الرسمي من الحكومة العراقية بالحدود الجغرافية لإقليم كوردستان.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 22-11-2017     عدد القراء :  552       عدد التعليقات : 0