الفعل السياسي في تيار الحكمة - بين مفهومي الثورة والأصالة

 من منطلق القاعدة التي تقول بأن السياسة هي في تعريفها العملي أو

الواقعي عبارة عن علاقة سلوكية بين الحاكم والمحكوم, تنطلق التنظيمات

السياسية والأحزاب والتجمعات المعنية بالشأن السياسي, في تصديها لتكوين

وبلورة صورة نمطية يمثل الحق في الإدارة السياسية لأي بلد من البلدان,

بما يساهم ويساعد في عملية صنع القرارات داخل المجتمع, بالإعتماد على نمط

القيم المعنوية والمادية, والتي تمثل البنية التحتية التي تتحكم بسلوك

أبناء المجتمع, وتمثل أيضا ردود الفعل التي تتحكم بالقيادات الحاكمة من

جهة, والجمهور المنفعل بالعملية السياسية من جهة أخرى.

 إن أهم ما يميز الأحزاب والتشكيلات السياسية, هو محاولة تبنيها لأطر

نظرية وعملية, تنتج عنها مخرجات نسقية أو منظومية, تحاول من خلالها تحقيق

أهداف ضمن خطط أفراد وجماعات ومؤسسات ونخب, حسب ايدولوجيا معينة على

مستوى محلي أو إقليمي أو دولي؛ وغالبا ما يكون نشاط التيار السياسي منصبا

بجهد, على عملية صياغة الفعل السياسي لمنتظميه, وفي محاولة أبعد يكون

الفعل السياسي للتيار السياسي, كمحاولة لتحويل الفكرة إلى عمل, والعمل

إلى أثر ملموس, لذا نجد أن الأحزاب والتيارات السياسية التي يقتصر نتاجها

السياسي على رؤى ونظريات فكرية عالية, لا يمكن تطبيقها على الأرض, من

أكثر الأحزاب فشلا وتراجعا.

 تيار الحكمة الوطني, أحد التيارات السياسية الجديدة في تكوينها,

القديمة في تراكم خبراتها, تأسس إنطلاقا من مبدأ ديناميكية الفعل السياسي

ولا سكونيته؛ فالظرف السياسي الذي مر به العراق خلال العقد الأخير, قد

أطاح بالكثير من النظريات السياسية الثابتة في منهجيات الفعل والسلوك

فيها, والتي كانت تنطلق من أيديولوجيا سكونية, لا تؤمن بمتغيرات الفعل

السياسي الديمقراطي, وديناميكيته الحركية, وقد قادت حالات الفشل المتكررة

في العمل الحزبي السياسي الجديد في العراق, إلى ضرورة إعادة قراءة الأسس

والمتبنيات الفكرية والأيديولوجية للأحزاب والتيارات السياسية في الساحة

العراقية.

 تمخض عن إعادة القراءة هذه, ضرورة إعادة بناء الفعل السياسي (للقادة

والمنتظمين) بما يتلائم مع منهجيات المعرفة السياسية الحديثة, والتي

تعتمد في أغلب أو كل حيثياتها على علوم تخصصية, ومناهج معاصرة تحاول أن

تتبنى الفكر الديمقراطي الحركي, الذي يؤمن بتعددية الفكر الديني والمذهبي

والقومي, وهذا الإيمان بهذه التعددية, يمتلك أدوات مهمة من أجل إنسياق

وتقبل روح الفعل الديمقراطي في العملية السياسية, في بلد تَطَبَّعَ

اللاوعي المجتمعي فيه, بنسقية القبول بالحكم الدكتاتوري الإستبدادي

المركزي, والذي يعمد إلى إلغاء دور الفعل السياسي للمنتظم السياسي

بالدرجة الأولى, وللمواطن بالدرجة الثانية.

 يحاول تيار الحكمة الخروج من هذه الجدلية, من خلال تبني مبدأ السلوك

السياسي الحر, أي السلوك الذي يحاول ان يُشرك فيه أكبر قدر من المنتظمين,

ليكون منهجا لتحطيم نظرية (الحاكمين- المحكومين : انقياد المحكومين

للحاكمين) ولو في إطار إنتظامه الداخلي, ولكنه كفكرة تحولت إلى أساس

أيديولوجي يحاول تيار الحكمة تبنيه كمنهج يمثل روح السياسة المعاصرة.

 الفرق بين المنهج القديم والمنهج الجديد الذي تبناه تيار الحكمة, هو

أن مؤثرات الفعل السياسي السلطوية قد جرى توزيعها على مناطق اشتغال

المنتظمين, ولم تعد قاصرة على خطاب أيديولوجي ديني أو مركزي متعالي, يكون

بيد سلطة عليا, تسلب الفعل السياسي إمكاناته في التغيير والتقدم, لذا نجد

أن النظرية السياسية لتيار الحكمة قد انطلقت من هذا المنطلق الذي يؤمن

بشراكة الفعل السياسي, وبتعددية المذهب الإعتقادي, وبإستبدال أدوات العنف

بأدوات العقلانية الواعية, التي يحاول التنظيم التأصيل لها في المجتمع

العراقي؛ وذلك من خلال تبني تيار الحكمة أسس وأصول العمل السياسي المعاصر

الذي لم يعد مرتبطا بأفكار مركزية ذاتية المنشأ, بل يحاول بنمطيات

اشتغاله المبدئية, أن يجعل تأسيسات الفعل السياسي قائمة على كم هائل من

التخصصات العلمية, والتي أصبحت اليوم العصب الحيوي لأي فعل سياسي (ثوري

أو مؤسساتي) محترف متقن.

 إن منهج العقلانية الذي يحاول تيار الحكمة أن يتبناه ويقتصر عليه في

نسقه السياسي الجديد, قد يقوده إلى مشكلة مستقبلية, فلو رجعنا إلى مفهوم

الفعل السياسي الناتج عن أيديولوجيا ثورية (تغيرية) , نجد أن النظرية

السياسية المتعلقة بالسلوكية الثورية تذهب إلى أن كل ثورة تكون في

بدايتها في حالة غليان شعبي لا مستقر يميل للفوضوية, يكتسح بقوته كل

تراكمات الأوضاع السكونية المنحرفة, ولكن بعد هدوء ثورة الحمم هذه, تميل

مخرجات الثورة إلى تحقيق الوضع الهادئ, والذي يقود إلى السياق المؤسساتي

وسيادة القانون.

   إن ميل تيار الحكمة إلى العقلانية الهادئة, والسكونية المؤسساتية, قد

يقوده إلى خسارة الكثير من مناطق اشتغال الفعل السياسي الديناميكي ذو

الأثر التغيري الواضح لديه, وخلافا لمفهوم الثورة الذي نَظَّرَ له مفكري

السياسة, فإن قصر مفهوم الثورة على متلازمة العنف والتغيير, فيه إجحاف

وتعسف مفاهيمي يصعب هضمه, فنحن بالإمكان أن نرى في تيار الحكمة بجانب

رؤيته العقلانية المؤسساتية, أن يكون في حالة تثوير (تغيير) مستمر, ضد كل

حالة انحراف أو سكونية مؤسساتية فاسدة أو مُخلة بأصول الفعل السياسي

الصحيح, أي يجب على تيار الحكمة أن يتبنى مبدأ الثورة (التغيير)

المستمرة, وذلك من خلال ما يملكه من أدوات عقلانية متعددة ومتنوعة  تمكنه

من تحقيق هذا الأمر, دون الحاجة لإلزام مفهوم الثورة بمفهوم العنف أو

التغيير ألعنفي.

 هذا المنهج الذي يمكن لتيار الحكمة إتباعه, سيقود إلى إيجاد وسيلة

لتوحيد الشأن العامّ السياسي حول مشروع مجتمعي مشترك بعدما مزّقته

الصراعات السياسيّة، ثم وبالقدر نفسه, سينجح في التأسيس لقيم متجانسة

تكون المرتكز الأخلاقي للفعل السياسي المبني على مبدأ النقد لا النقض.

*دكتوراه في النظرية السياسية- المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.

2 AttachmentsView allDownload all

  كتب بتأريخ :  الخميس 23-11-2017     عدد القراء :  608       عدد التعليقات : 0