مالذي يقصده ماركس بعبارة ( الدين أفيون الشعب ) ؟
بقلم : بقلم: ) رونالد بوير( ترجمة : قحطان المعموري
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

أفيون الشعب ، ربما هي الفكرة الأولى التي تتبادر إلى الذهن عندما يتطرق أحدهم الى موضوعة "الماركسية والدين". على الفور، يقفز الى ذهننا ما نعرفه عن الأفيون:  إنه ببساطة الدواء الذي يبلّد المشاعر والألم، ويعطي شعوراً زائفاً من الرفاهية و يؤدي في نهاية المطاف إلى الموت المبكر. بكلمات أخرى ،هو مسكّن للألم ، لكنه لا يعالج مصدرالألم – إنه يشبه كثيراّ تعليق لينين من أنه ( الخمر الروحي) . لكن هل نحن ً نعرف حقاً مالذي يعنيه الأفيون في نص ماركس؟ . إن مراعاة السياق التأريخي الذي أستخدم فيه ماركس هذه الإستعارة يعطينا صورة مغايرة تماماً. في إنكلترا وخلال القرن الثامن عشر، كان يُنظر الى الأفيون كونه نعمة ونقمة على حدٍ سواء. كان بالنسبة للكثير من الفقراء دواءاً رخيصاً وفعالاً ، كما يجد فيه الشعراء والفنانون مصدراً لإلهامهم. أما اللوردات التجاريين للإمبراطورية البريطانية فقد كان يشكّل لهم الجزء الكبير من مصادر ثروتهم وسلطتهم. لكن مع كل ذلك ، كان يٌنظر إليه كمشكلة كبيرة ، لاسيما مع زيادة الإهتمام في نهاية القرن بالتركيزعلى خصائص الإدمان الموجودة فيه والنزعة للتعامل مع أعراضه وليس مع جوهر امراضه إضافة للآثار المدّمرة لسياسات الأفيون الإستعمارية ( خصوصاً في الصين).وبالتالي فإن الأفيون كان إستعارة متناقضة جداً في الإستخدام.

إن السياق النصي لهذه العبارة المعزولة من شأنه تعزيزهذا المعنى . في مقدمته الموجزة لكتابه "مساهمة في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل " الذي نشرعام 1844، يكتب ماركس : ( المعاناة الدينية هي، واحدة من أشكال التعبيرعن المعاناة الحقيقية والإحتجاج ضد هذه المعاناة. الدين هو تنهيدة الإنسان المضطهد ، هو قلب العالم الذي لاقلب له ، هو روح الظروف التي لا روح لها ، إنه أفيون الشعب).

لقد جاءت العبارة الشهيرة - أفيون الشعب - في نهاية هذا النص، ولكي نفهمها فإننا نحتاج إلى الأخذ بنظرالإعتبارالجمل التي جاءت  قبلها . يوضح ماركس بأن المعاناة الدينية قد تكون  تعبيراً عن معاناة حقيقية ، وأن الدين ربما هو الحسرة والتنهيدة ، إنه القلب والروح  لعالم لا قلب ولا روح له . لكنه أيضاً إحتجاج ضد تلك المعاناة . المعاناة الدينية هي تحدي للمعاناة الحقيقية، إنها توجه أسئلتها الدائمة ، لماذا نحن نعاني؟ . بكلمات أخرى ، لقد سمح ماركس هنا بدور إيجابي صغير للدين بكونه إحتجاجاً . كيف يمكن للدين أن يكون إحتجاجاً ؟ لقد كان ماركس مدركاً من أن الأديان تحاول أن تقدم بديلاً أفضل لحياتنا الراهنة . إن هذا البديل يمكن أن يكون في السماء أو ربما في المستقبل. ولكن تخيُل البديل الأفضل لحياتنا الراهنة يشكل في ذات الوقت نقداً لهذه الحياة.  إن الدين وبطريقته الخاصة ، يقول ، بأن هذه الحياة ليست بالجودة التي يمكن أن تكون عليها ، وبالتالي وفي حقيقة الأمر فإن هذه الحياة هي إحدى هذه المعاناة .

أخيرا، نحن بحاجة إلى الأخذ بنظرالإعتبارممارسات ماركس نفسه، لأنه يستخدم أحيانا الأفيون للأغراض الطبية. لقد تناول ماركس الأفيون في التعامل مع مرض الكبد الذي كان يعاني منه ، ومشاكل الجلد (الدمامل)، اوجاع الاسنان والعين والأذن والسعال، وهلم جرا إضافة الى العديد من الأمراض التي جاءت نتيجة للإرهاق، وقلة النوم ، وبسبب النظام الغذائي السيئ، والإنقياد للتدخين وأكواب القهوة التي لا نهاية لها. دعونا نقدم مثالاً واحداً من أمثلة كثيرة. في عام 1857 ، كتبت جيني زوجة ماركس إلى انجلس بخصوص حالة واحدة من حالات وجع الأسنان التي مر بها ماركس:

(إن الصداع  يلازم جارلي ـ كما يسميه أولاده ـ أينما يكون ، إضافة الى آلام في الأذن والعين و في الحنجرة ، والله يعلم بآلامه الاخرى .لاحبوب الأفيون ولا قطران الفحم فَعَلا شيئاً مفيداً له).

يبدو بأن إستخدام ماركس شخصياً للأفيون قد أثرفي استخدامه للإستعارة بوصفه للدين. إنه يساعد في إيقاف الألم ،وربما يساعد في التعافي حتى من المرض، لكن لا يمكن في نهاية المطاف إستخدامه في التعامل مع مشاكله ومعاناته الأعمق .إن ( الدين افيون الشعب ) لا تعني أبدا أن الدين هوالخداع والتضليل. بل يعني بأن الناس يتحولون إلى الدين للخروج من ألم الوجود، وعليه فأن واجبك ليس لإلقاء الدروس عليهم بل لتغييرمقدارالألم الذي يعانون منه.

  كتب بتأريخ :  الخميس 23-11-2017     عدد القراء :  680       عدد التعليقات : 0