ابن تيمية ومسجد الصوفية والحلاج

لا يظن أحد أن ما يصنعه داعش، من ذبح أو حرق أو سبي للنساء أو بيعهن، أو قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون، أو يسلموا أو يقتلوا، لا يكون إلا بسند أو حكم، ولا يتصور أحد أن مذبحة مسجد الصوفية بالعريش لم يكن لها سند فقهي من هذه الأسانيد، بل كلها تتم بفتاوى المشايخ، بدأت من ابن تيمية، الذي استند في صنعته إلى الأوائل من السلف، وتوارثته الوهابية وزادته نارًا، ثم الأجيال السلفية جيلاً بعد جيل حتى وصلت إلى هذا الخراب الصريح على يد هؤلاء التكفيريين.

والصوفية حركة دينية وليست مذهبًا، وطريقة للعبادة وليست تشريعًا ولا سنّة، بل هي نوع من الوصل المحمود والقُرب الممدوح، وهم أهل التزكية والزهد، ودعوة للوصول إلى الله بالمشاهدة والكشف والإلهام والفراسة والحلول والتلقي، وليس بالطرق الشرعية، هي رؤيا الله من خلف الحجب، وفهم الفهم دون إفهام، هي الوصول بالقلب ومشاهدته دون نظر، ولقد انتشر الفكر الصوفي في القرن الثالث الهجري، ردًا على الانغماس في الملذات ومباهج الحياة، إلا أن نشأة الفكر الصوفي واقترانه تاريخيًا بظهور الشيعة، كان سببًا في الربط بينهما دون قصد، فليسا في واحد، بل بينهما نقاط خلاف جوهرية، ومتفقون في حب وتقديس آل البيت النبوي، وكانت جماعة التوابين والبكائين في الكوفة، وهم أصل فكر المتصوفة، وتلازمها مع نشأة الشيعة ومنهجيتهما المتقاربة، جعل الربط بينهما كالربط بين توأمين في الولادة والرضاعة.

وكانوا جماعة من المسلمين اعتزلوا الناس في الجبال بعد مجزرة كربلاء، رفضًا وأسفًا لما كان من ظلم الحسين بن على، والندم على خذلان أهل الكوفة له، وظهر نوع من العباد غالوا فيه، فاعتزلوا الناس، وزهدوا الطعام، وحرموا أنفسهم من مباهج الحياة، وهجروا النوم، وامتنعوا عن الزواج بالنساء، وهاموا وساحوا في البراري والوديان، وأكثروا من الصلاة في غير مواقيتها، واعتزلوا الناس في حياتهم، ثم تطوّر مفهوم الزهد والتصوف إلى مظاهر، ظن الكثير أنها شرك بالله، وهي ليست كذلك، بل هم منهج في العبادة لذات الله، وكان هذا الاعتزال مصدر خوف للخلفاء، فحاربوهم وهجَّروهم.

ومما ربط التصوف بالشيعة أيضًا، الربط بين إمامهم أبو هاشم الكوفي ورفيقه سفيان الثوري، وتتلمذهما على يد الإمام الجعفر الصادق، كل هذا كان سببًا في ربط الشيعة بالمتصوفة، وهو سبب رئيسي في صدام السلفية بهم، وإذا كان الصدام بهم سببه الشرك بالله كما يدَّعون، فهناك طرق مبتدعة، وفرق إسلامية من أهل السنَّة ليس لها من هذا العداء نصيب.

أما عن ابن تيمية والصوفية أو المبتدعة أو أهل التأويل، وهم الذين يأولون النص، كما يقولون عنهم، وهم (الشيعة والمتصوفة والقرامطة والباطنية) ويطلق عليهم الوهابيون لفظ (القبوريون أو الجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان)، فعقوبتهم عند شيخ الإسلام ابن تيمية القتل، فهو يقول في هذا "الداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبتها تكون بالقتل تارة، وبما دونه، كما قتل السلف الجهم بن صفوان، وقبله الجعد بن درهم وغيلان الدمشقى" وكان دليله الأول: آية قرآنية ليست في محلها "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"، ودليله الثاني والقياس فيه خطأ: أن السلف قد قتلوا المتأولة. والأصل عند ابن تيمية هو عقوبة القتل "إن المبتدع الداعي إلى بدعة يُقتل، ووجوب قتل المخالفين من الطوائف المبتدعة، فإن كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله" أما في حالة عدم القدرة على تنفيذ عقوبة القتل، فيجب الأخذ بما دونه، ومنها: إنكار البدعة، وعزلهم وهجرهم، والتحذير منهم، وحرمانهم من الفيء والصدقات والزكاة، ولا يعادون في مرضاهم، ولا تشيَّع جنائزهم، ولا يصلى على موتاهم، ولا يؤمون الناس في صلاة، ولا يعملون في القضاء، ولا تؤخذ بشهادتهم في المحاكم، لأنهم فسَّاق .

أما عند الوهابية، تلاميذ ابن تيمية، وحشوية الحنابلة، فالحكم أيضًا لمخالفتهم هو القتل، وما قالوه عن الصوفية قالوه عن الشيعة والمعتزلة والأشاعرة، فهذا شيخهم ابن عثيمين يقول "إن الأشاعرة زائغون عن سبيل الرسل واتباعهم"، فتاوى ابن عثيمين المجلد الرابع، و"الأشاعرة سيكون مصيرهم إلى النار"، المصدر نفسه، وفى رسالة ابن باز التحذيرية للمسلمين في دول الغرب، يحذّر من "أهل الزيغ والضلال والبدع، من الذين يسيرون على نهج المعتزلة أو الشيعة أو الصوفية أو الأشاعرة أو الأحناف أو الضاهرية، وغيرهم من المشركين الضالين"، أما ما قاله أئمتهم، فهذه الأقوال الفصل في فتوى قتل الصوفية "أما إذا اعتقد المسلم بزيارة قبر الرسول وقبور الأولياء الصالحين، فإن عمله أسوأ من الزنى والسرقة، بل عبادة الأصنام، من فعله كفر وتبرَّأ منه رسول الله، أما المتصوفة فإنهم زنادقة، وشركهم بالله أشد من شرك عبدة الأصنام في الجاهلية، ويجب المبادرة إلى ذبح مشايخهم قبل انتشار أمرهم".

إن جريمة مسجد الصوفية بالروضة جريمة يندى لها جبين الدنيا كلها، لكننا يا سادة لا نواجه مهابيل أو معاتيه، أو متطرفون ليسوا منا، فهم منا –للأسف-، تربّوا في مدارسنا، وتعلموا في معاهدنا، وكانوا على عهد ابن تيمية وابن عبدالوهاب ملتزمين ومصممين، ولا تظنوا أن هؤلاء قد ضلّوا الطريق، بل هم ملتزمون بطريق هؤلاء. لسنا في حرب مع الإرهابيين فقط، بل نحن في حرب مع فكر منتشر، سيطول في الفترة القادمة كل هؤلاء، مساجد الصوفية والكنائس، ومن يظن أن هذا الحادث هو إفلاس وانهزام، أقول له بالعكس، هي نقلة نوعية في إنهاك الدولة، فهو طريق سهل دون مواجهة، وسريع الأثر، وكثير الخسائر، وأكثر إيلامًا، وأقرب الطرق إلى تغليب الرأي العام على النظام الحاكم، فلابد من الانتباه، وتفويت الفرصة عليهم، والالتفاف حول الدولة، والاحتماء بظلها، فليس لنا في المحن والكوارث سوى مظلتها، مهما اختلف الناس معها، فهي الملاذ والملجأ.

فيما قاله الصوفي الحلاج، لغة غير اللغة، ومراد غير مراد من يسمع (إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق، لأني ما زلت أبدأ بالحق حقًا!) صلبوه وقتلوه، ولم يفهموا معنى الحلول أو التأويل، وكذلك يفعلون بأمثاله.

عادل نعمان

كاتب وإعلامي مصري

adelnoman52@yahoo.com

"مصراوي" القاهرية

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 28-11-2017     عدد القراء :  520       عدد التعليقات : 0