آجال غير مسماة

  يروي أن الشاعر الحطيئة (ابو مليكة)، عزم يوما على الرحيل، هاجرا زوجته وبناته الى حيث لايعلم موعدا لرجوعه، فأمر خادمَيه بإحضار حصانه وتجهيز معدات سفره البعيد، ولما حانت ساعة الرحيل نادى زوجته وقال لها:

عدي السنين لغيبتي وتصبري       ودعي الشهور فإنهن قصار

قاصدا بهذا إعلامها أن سفره طويل لاترجى منه عودة، ورجل مثل الحطيئة من غير المعقول أن يتخذ قرارا إلا بعد تعقل وروية وإدراك تام لأبعاد ما يقرره. غير أن رد زوجته لما هو عازم عليه كان أكثر تعقلا وأشد وقعا وأٌقوى تأثيرا، إذ قالت له:

اذكر صبابتنا إليك وشوقنا      وارحم بناتك إنهن صغار

فما كان من الحطيئة إلا أن التفت الى خادمَيه قائلا:

حطوا الرحال ما عملت لسفر أبدا..!

  إذن، هو سبب غيّر قرارا كان قد اتخذ سابقا، وهو دافع قلب موازين كانت قد حُددت مسبقا، وهو أيضا ذريعة مقنعة هانت أمامها العزائم وتلاشى معها الاعتداد بالرأي، يقابل هذا الرحمة والرأفة والمروءة مجتمعة، فكان الناتج ثمرة نضرة بفعل ناضج، درأ كثيرا من المساوئ، وأبعد جللا من السلبيات، ومنع تداعيات كان ممكنا حصولها، لولا حكمة النسبة والتناسب بين الأضرار والمنافع التي يتمخض عنها قرار صاحبنا الحطيئة في قرار رحيله.

ومن باب المقارنة بين (ابو مليكة) وبين ما عليه أصحاب القرار اليوم في عراقنا الجديد، والذين عادة مايتبنون القرارات المجارية لمصالح شخصية او فئوية او عشائرية او مناطقية او طائفية، وأحيانا إقليمية لمن هم عبدة جهات قابعة خلف حدود العراق، بل أن بعضهم تجتمع في نياته ومخططاته هذه المصالح بمجملها دفعة واحدة، أقول من باب المقارنة بين ما عليه هؤلاء من إصرار على نهجهم الأهوج في إدارة البلاد بمفاصلها جميعا، وبين تراجع الحطيئة عن قراره، أرى أن البون شاسع، وما وصلت اليه البلاد من تدنيات شملت كل أركانها من جراء إصرارهم على أخطائهم خير دليل على ماأرى. إذ لطالما سمعنا ان الاعتراف بالخطأ فضيلة، فيما يتصرف ساسة البلد عكس هذا تماما، فليس فيهم خطاؤون، وإن وجد فليس من بينهم توابون، وقد تمادوا في تعنتهم وعنجهيتهم بسياساتهم الإدارية ولاسيما القيادية منها. وأذكر بديهة كنا قد تعلمناها منذ الصغر، هي أن من يروم تغيير نتيجة وصلها، عليه تغيير السبل التي اتبعها، ومن دون هذا الشرط سيظل مآله الى النتيجة ذاتها، فيكون ديدنه هذا كديدن من ذكره شاعر الأبوذية حين قال:

ثلاثه اريام فوگ جبال يرعن

رعن گلبي وبدن بحشاي يرعن

لاتكرب وره المكروب يا ارعن

ولاتطرد سراب بغير ميه

نعم، إن المناهج المتبعة منذ أربعة عشر عاما في اساليب القيادة على صعيدي التشريع والتنفيذ، لن تأتي أكلها في المستقبل القريب ولاالبعيد، مادامت قد سجلت في ماضيها فشلا ونكوصا شديدين، ومادام الإحباط لازمها منذ بداية الشروع بالعمل بها، وهانحن نلمس بأيدينا ونرى بأم أعيننا، مدى التدهور الذي تداعت له مؤسسات البلاد في القطاعات كافة، والذي أودى بها الى شفا هاوية مازال الانزلاق فيها يسير باندفاع مبرمج من جهات مغرضة ومستفيدة من الخراب. فإذا لم يتدارك المسؤولون إعادة النظر بسياساتهم المخضرمة والتي يطلق عليها بمصطلحنا الدارج؛ (المشلغمة) منذ دزينة السنوات الخوالي، فإن النتائج المترتبة عليها ستأتي بالسوء ذاته إن لم تكن أسوأ بل أسوأ بكثير، وسيطول مخاض الأيام الحبلى وتتعسر ولادة مايفرح العراقيين وتتأجل الى آجال غير مسماة.

aliali6212g@gmail.com

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 28-11-2017     عدد القراء :  520       عدد التعليقات : 0