مصر طه حسين وعلى عبدالرازق ستعود «2»

ملخص للمقال السابق: (العميد يرى ألا نقبل شيئا مما قاله القدماء إلا بعد بحث وتثبيت، وأن ما نسميه شعرا جاهليا ليس من الجاهلية فى شىء، فهو منتحل ومختلق، وهو إسلامى يمثل حياة المسلمين، وقد استدل العميد على هذا بما جاءنا به، فلم يكن للشعر نصيب من الشعور الدينى أو العاطفة الدينية فى زمانه، وكان الصراع بين الإسلام والديانات الأخرى قائما، ولم يكن لهذا الصراع نصيب فى أشعارهم، وهو أمر عجيب أن يعجز الشعر الجاهلى كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين) ونستكمل.

سابعا: «أفتظن أن قريشا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم، وتُذيقهم ألوان العذاب، ثم تُخرجهم من ديارهم، ثم تنصب لهم الحرب، لو لم يكن لها من الدين ما يمثله هذا الشعر الذى يُضاف إلى الجاهليين؟»، فلم يكن لهذا الحدث على سعته واتساعه نصيب فى أشعارهم من قريب أو بعيد.

ثامنا: أليس القرآن قد وصف الذين كانوا يجادلون النبى بقوة الجدال، والقدرة على الخصام، والشدة على المحاورة؟، أفتظن قوما يجادلون جدالا يصفه القرآن بالقوة والشدة، ويشهد لأصحابه بالمهارة، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة، ولم يكونوا كذلك، بحيث أن يتغافل الشعر عن نقل هذه المحاورة والمجادلة، وهم كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عاطفة رقيقة، ورغد ونعمة من العيش، فما منعهم من هذا؟.

تاسعا: «القرآن يقسم العرب فريقين، فريق الأغنياء وفريق الفقراء، وقد وقف الإسلام مع الفقراء، على سبيل المثال، حين حرم الربا وسلك لهم مسلك الرفق، وحين أمر الأغنياء بالصدقات للفقراء، وشرع الزكاة لسد حاجة الفقراء، أتظن أن القرآن سلك هذا المسلك لو لم تكن حياة العرب الاقتصادية بها من الفساد ما دعاه إلى ذلك، فأين نجد فى هذا الشعر الجاهلى ما يصور لنا نضالا ما بين الأغنياء والفقراء»، فلم يكن لهذا الصراع الاجتماعى، وهو على سطح الأحداث، ومؤثر فيها وفى غيرها، نصيب من النقل أو صدى لدى الشعراء.

عاشرا: «من العجيب، لا نكاد نجد فى الشعر الجاهلى ذكرا للبحر، وقد جاء فى القرآن أن الله يمن على العرب بأن سخر لهم البحر ولهم فيه منافع كثيرة، الجوارى المنشآت كالأعلام، والصيد الذى يستخرجون منه لحما طريا، واستخراج اللؤلؤ والمرجان، وكانت كلها من مصادر الثروة، وهذا دليل على أن العرب لم يجهلوا هذا، بل كانوا يعرفونه حق المعرفة، وكانت حياتهم تتأثر به تأثرا قويا، وإلا ما عرض القرآن أمرا غريبا عليهم، وأقام به الحجة عليهم، إن كانوا قد جهلوه ولم يكن فى حياتهم وتحت معيشتهم، فأين نجد هذا أو شيئا من هذا فى الشعر الجاهلى؟.

أحد عشر: هذا الشعر الجاهلى لا يمثل اللغة الجاهلية فى أوانها، فهو لا يمثل الحياة الدينية والعقلية السياسية والاقتصادية للعرب الجاهليين، فهو بعيد عن اللغة العربية فى الجاهلية، فماذا كانت اللغة فى هذا العصر الجاهلى؟. اتفق الرواة أن العرب ينقسمون إلى قسمين، الأول: قحطانية، وكانوا يسكنون اليمن جنوبا، فهم «العرب العاربة»، والثانى: وهم العدنانية، وكانوا يسكنون الحجاز شمالا، وكانوا يتكلمون لغات أخرى، منها العبرانية، وتعلموا اللغة العربية، وهم «العرب المستعربة»، ونسبهم يتصل بإسماعيل بن إبراهيم، وهو أول مَن تكلم بالعربية، ونسى لغة أبيه إبراهيم، على أنه كان هناك خلاف جوهرى بين لغة العرب العاربة ولغة العرب المستعربة، وأيضا فى قواعد النحو والتصريف، وهذا ما قاله أبوعمرو بن علاء: (ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا)، فإذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من العاربة، فلماذا هذا التباين الواضح بينها وبين اللغة المستعربة؟.

اثنى عشر: وقد كان القدماء لا يفرقون بين هذه البلاد فى التسمية، فكان أهل الجنوب عربا وأهل الشمال عربا، ولم يكتفوا بعربية اليمنيين والحجازيين والنجديين (العاربة والمستعربة)، لكنهم يريدون أن يكون النبط عربا والبابليون الأُوَل عربا، وهم يمدون لفظ العرب إلى كل هؤلاء، وتتسع اللغة العربية وتضيق بمقدار ما يتسع الجنس العربى، والواقع أننا لا نعرف الصلة بين اللغة العربية التى نفهمها ولغات هذه الأمم، فكل هذه اللغات سامية تتشابه مرة وتضعف أخرى، فاللغات العبرانية والفينيقية والكلدانية والآرامية كلها لغات سامية، وبينها وبين اللغة العربية من التشابه، فهم يضعون لفظ «عربى» موضع لفظ «السامى»، ولا يمنعنا هذا أن نقرر أن هذه اللغات العربية مختلفة ومتباينة فيما بينها، ولكل منها خصائصها ومميزاتها، وأن واحدة منها تعنينا، وهى اللغة العربية الفصحى، التى نجدها فى القرآن.

ثالث عشر: ولما كان العرب متفقين على أنهم منقسمون إلى بائدة وباقية، والبائدة هم عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق، والباقية هم العاربة قحطان والمستعربة عدنان، فنحن لا نعرف عن «عاد وثمود» إلا ما أخبرنا به القرآن، ونحن نجهل لغتهما تماما، ولا نستطيع أن نقرر فى أمرهما شيئا، ونحن لا نعرف طسما ولا جديسا ولا العماليق، ولا نعرف من لغاتهم قليلا أو كثيرا، ولقد سبقنا الأولون من علماء المسلمين إلى رفض ما رُوى عن عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق من شعر ونثر، فلم تكن بلغتهم. كل هذه الأمم والقبائل ولغاتها لا تصلح موضوعا للبحث، لكن الأمر فى قحطان وعدنان، فهما شعبان عرفهما التاريخ.. (الخميس القادم).

adelnoman52@yahoo.com

"المصري اليوم" القاهرية

  كتب بتأريخ :  الخميس 30-11-2017     عدد القراء :  640       عدد التعليقات : 0