صفحة من حياة الناس اثر الانقلاب الدموي 1 من 2

خلق انقلاب شباط عام 1963 و للمرة الاولى في تأريخ الدولة العراقية منذ نشوئها، رعباً اجتماعياً هائلاً شمل كل المكونات العراقية و اسس للإستخدام الواسع للعنف السياسي و للتفنن في قهر البشر الجماعي بالتعذيب و بالإعدامات الجماعية، و فجّر طاقات الإنتقام و الكراهية و بثّ روح الثأر، بدور بارز للجهات السرية الأميركية و حزب البعث العفلقي  .  .

فبعد عمليات القتل العلني و الضرب الجماعي، وحدوث ردود افعال شعبية متنوعة سياسية و عنفية و انسانية، و ردود افعال عالمية اعلامياً و جماهيرياً حاولت ايقاف مايجري، و كشفت  حقائق الرئاسة الاميركية برئاسة كندي و الغرب و تراكضهما خلف مصالحهما فقط، دون النظر الى مصائر الشعوب .  .  

و فيما اختلطت انواع المشاعر .  .  تغيّرت حياة العراقيين في مواجهة همّ جديد لم يألفوه قبلاً،

فبعد اعتقال عشرات الآلاف وفق قوائم مطبوعة باللغتين العربية و الانكليزية (1) اثر انقلاب شباط 1963  و ضياع اخبارهم .  .  بدأ بحث آلاف العوائل عن ذويهم الذين اعتقلوا رجالاً و نساءً في ليالي لا قمر فيها و . . ضاعوا !! كانت عوائل المعتقلين تتصل ببعضها عسى ان تجد خيطاً تبحث من خلاله عن ذويها و عن مصيرهم والكل يعتقد انهم موجودون ولم يموتوا ؟!

بحث وبحث و توسلات و رجاءات ووساطات و رشاوي مستدانه لايُعرف كيف ستُدفع، صدود وتحرّشات لااخلاقية وتهديدات ورمي بالقوة خارج البنايات . . ورسائل شفهية او مكتوبة بين المعارف والجيران بعد ان قطعت الاتصالات التلفونية : فلان مستعد لأطلاق سراح فلان مقابل كذا !! فلان ان وافق اهله على تزويجه من ابنته او اخته، مستعد للمساعدة !! حتى وصل قسم الى توسيط بلطجية و اشقياء و نساء ليل ابدوا استعداداً للمساعدة بارسالهم اخبار بذلك .  .  وكيف و ماهو الخيار ؟!

بحث وبحث وفق ما قيل وتسرّب من عناوين المواقف و مقرات " الحرس القومي " . . امهات يحملن اطعمة كنّ يعدّدنها كل يوم ! كل يوم !! يدرن بها على المواقف . . لإطعام الغالي !! و تتسرّب الأخبار . . و يفضح القتلة بعضهم بعضاً طمعاً بمال او خوف من مستقبل . .

تسربت اخبار من جار طيب القلب عمل كعسكري حقوقي، بان فلان و فلان معتقلون " خلف السدة " ؟! ذهبت النساء الى الخال الأكبر يستفسرن . . ماهو " خلف السدة " . . هل هو " الشطَيْطْ " (2) . . ؟ وبين النحيب : ـ هل رموهم جثثاً هناك ؟؟؟

جاء الخال مهلل الوجه بابتسامته الهازئة باوضاع البلد و بكل ما كان يحدث ، و قال بصوت دافئ حنين :  ـ خواتي . . هوّنّن عليكن ! موجود خلف السدة يعني انه من الأحياء العائشين . . هو سجن من عشرات السجون في بغداد الآن، سأذهب الى صديق ابن اوادم عرفت انه لايزال يعمل في " الشرطة السيارة " الواقعة خلف السدة ولابد ان يعرف شيئاً . . لأن المنطقة تعود ادارياً لهم .

وكانت النتيجة انهن حصلن من صديق الخال على عنوان الموقع وانه يمكن الذهاب اليه بـ

" ربل " (3) حيث لاطريق لباصات مصلحة نقل الركاب اليه، اضافة الى منع مرور السيارات الخاصة و التاكسي اليه . . من تأريخ مثبت هناك هو : 1 و 2 نيسان 1963 . . قرأوه مكتوباً بخط يمكن قرائته ، على قطعة من المقوى منزوعة من علبة كروص سيكاير " غازي " ، مثبتة هناك.

عند فجر الثاني من نيسان ذهبنا . . اكبر الأبناء مع النساء، استقلينا الباص الذاهب الى " القصر الأبيض " كما كان موصوفاً و نزلنا من الباص عند موقفه هناك . . وكان علينا ان نسير في " شارع النضال " باتجاه ساحة الأندلس . . وقد جلب انتباهنا ان الباص المكتظ بالركاب جلوساً و وقوفاً فرغ بكامله عند ذلك الموقف، حيث نزل كل الركاب عند موقف الباص ذلك . . !!

سرنا و سرنا . . وكانت عشرات العوائل تسير معنا ، ممن خرجت من نفس الباص و ممن قدمت من الشوارع الفرعية للبتاوين . . لنلتقي بعشرات بل ومئات عوائل اخرى كانت قادمة بمقابلنا من الجهة الأخرى لشارع النضال ذاته والتي سدّت الشارع و اجبرت السيارات والباصات السائرة عليه ان تتحرك ببطء كبير كي تتمكن من اختراق تلك الحشود بدون حوادث .  .

وسط الضجيج العالي الذي صمّ الإذان، لمكبرات منصوبة على بنايات احتلها الحرس القومي كانت تبث اناشيد ( امجاد ياعرب امجاد . .) و (بعث تشيده الجماجم و الدم، تتحطم الدنيا ولايتحطم)  .  . حتى وصلنا الى شارع فرعي واسع ذي ممرين بداية ، و هو المؤدي الى " معتقل خلف السدة " و الذي كان يقع الى جهة اليسار من تحرّكنا . .

ازدحم الحشد الكبير للمرور من خلال سيطرة عسكرية كبيرة مكونة من عشرات من رجال الشرطة والحرس القومي بينهم مدنيين مسلحين بمظهرهم المستهتر و شعورهم المصففة على طريقة رعاة البقر الاميركيين .  .  كانوا يدققون الهويات ويسمحون و يمنعون ويصيحون و يهددون . . بل واعتقلوا اثنين تحت انظارنا، صفوّهما مع عوائل كانت تنتحب لعدم وجود ذويها في ذلك المعتقل حاسبين انهم قُتلوا  . .

فيما كان الجميع صامتين و هم يكشفوا هوياتهم و ينظرون الى الأسلاك الشائكة المكومة على امتداد جانبي الشارع الواسع . . وسمعت صوتا خافتاً كالفحيح لرجل كهل قال مشيراً بعينيه الى بناية كبيرة على يسار مدخل الشارع الفرعي :

ـ انها . . مديرية الأمن !

ثم سار الجميع على الطين اللزج لزوجة عجيبة وعلى برك الماء ، وبين فوهات الدبابات و انواع رشاشات دوشكا و غيرها و المعدة للأطلاق باستعداد حامليها و افراد اطقمها الواضعين اصابعهم على الزناد ، والتي كانت محمولة باليد او منصوبة على اكياس رمل . . . لمدة قاربت النصف ساعة ، و كانت مظاهر من السعة تثير الرهبة، يشاهدها الفرد العراقي للمرة الاولى حتى الوصول الى موقف الربلات (عربات الخيول) . . حيث كانت عشرات العربات تقف بصف تحت سيطرة مسلحين متنوعين، برشاشات بورسعيد المصرية . .

بعد انتظار طويل حملتنا عربة الخيل لمسافة اكثر من نصف ساعة اخرى سائرة على شارع طيني ـ مبلّط اكتظّ بالعربات الذاهبة و العائدة وسط تعليقات اخي الأصغر :

ـ كأننا في تكساس في فيلم " روبرت ميتشام " . . " العربة الأخيرة " !

ـ . . .

صاح الحوذي :

ـ حجيّه وصلنا !

وبعد ان اعطته الأجرة، اضاف : حجيّه طوّلي بالج ، هسة تشوفين ابوهم . . . انتو مو وحدكم تره . . حجيّه هاي ملايين الناس !!

ـ الله يخليك اخويه . .

صاحت الوالدة بفرح وهي ترى المشهد . . و الدموع تنساب على خديها :

ـ الحمد الله . . آني واثقة ابوكم ما مسويّ غلط . . هسة تأكّدت . . يعني مامعقولة كل المعتقليهم مسويّن جرائم !! وصاحت ام مفيد وهي ترى موقع المعتقل و الناس و العسكريين و الدبابات . . :

ـ شنو يقولون معتقلين الشيوعيين ؟ ولكْ (4) هذوله معتقلين كل الناس !!

كان موقع وقوف العربة و نزولنا منها اكثر ارتفاعاً بقليل من موقع المعتقل . . فبدى منظر المعتقل و ما يجري . . كان المعتقل مكوناً من ثكنات عسكرية مبنية على شكل مجاميع من صفوف متوازية ، بدت بيضاء اللون رغم اتساخها بسبب الغبار الذي تثبت عليها بالمطر باشكال رسمتها المياه المنسابة . . كانت قد بنيت لتدريب منتسبي مدارس و قوات الشرطة السيّارة . .

كان منظراً لاينسى باثارته للرهبة في ذلك اليوم الغائم الممطر . . صفوف الثكنات النظامية المقسّمة ساحاتها بالأسلاك الشائكه، وقف عند كل زاوية من تلك الزوايا العديدة مسلّح بملابس نظامية وبخوذة وواقفا وقفة استعداد، يفهم منها انه مستعد للأطلاق في كلّ وقت . . لم يُرَ اثراً لموقوفين فيها او بينها من بُعْد. . كان الصمت يلّفها و يخيّم عليها . .

وكانت المساحة العامة لكل موقع المعتقل ـ بكلّ ثكناته ـ محاطة باكثر من صفيّن من الأسلاك الشائكة الكثيفة والمرتفعة بقدر قامة انسان . . وكانت هناك اكثر من ثلاثين دبابة و ناقلة مدرّعة مزودة بالدوشكات محيطة بالموقع لحمايته، و كانت فوهات اسلحتها الى كل الجهات الخارجية وقسم منها موجهة للداخل ايضاً . . و كانت كل منها في موقع محاط باكياس رمل و مغطىّ بالنايلون يحميها من المطر، حيث كان عسكريون يقضون الأيام بطولها ليلا و نهارا في تلك المواقع كما عرف لاحقاً .

انقسم عشرات آلاف المراجعين المتجمعين بالوان ملابسهم المتنوعة، مقابل القسم الأمامي للمعتقل، الى ثلاثة تجمعات رئيسية ، كل منها كان يقابل عسكري جالس وراء منضدة عليها اوراق، و صُفّت التجمعات تلك بشكل طوابير عريضة يقف بينها مسلحون . . كانوا يسألون كل عسكري من الثلاثة عن وجود او عدم وجود اسم من يراجعون عليه . . فيبحث بالأسماء على ورقه ويجيبهم مقابل رسم يدفع بمقدار دينارين ان كان المفقود موجوداً في المعتقل . . وكان الناس يسلّموه اكثر لأيصالها الى ذويهم ان وجدت اسماؤهم مقابل وصل يكتب فيه المبلغ بدون توقيع (حماية لأسرار الثورة !! ) .

قالت الوالدة من مكاننا :

ـ يا عالَمْ . . لكْ هاي كل بغداد هنا !! شوفي ام مفيد، هذه ست جوزفين زميلتي في التدريس . . تصدقين

ان حوالي نصف معلمات بغداد واقفات هنا ؟

ـ سعاد ! انتِ متأكدة انها جوزفين ؟ الا ترين انها تقف مع رجل معمم ؟ اليست جوزفين مسيحية ؟ . . يعني شلون انجمعوا ؟

ـ ام مفيد ! بلا فلسفة، ما اعرف اشلون . . الناس تريد بس خبر او نشده عن اهلها وهاي ام مفيد حايره . . شوفي هو هذا العراق !! شوفي ذوله كرد مبين من ملابس قسم منهم وتجمّعهم على بعضهم، الله يدري مساكين منين جايين ! هذوله بيض حمر ونساء سافرات يعني في الغالب مسيحيين . . شوفي هذوله عشرات المعممين . . هذوله ايزيدية من ملابسهم، و هذوله صابئة من مظهرهم . . واحنا عرب بينّا السني والشيعي واضحين من شكل العمايم . . شوفي ذوله خطيّة (5) يبيّن جايين من ارياف الجنوب من النجف والناصرية و البصرة . . قسم منهم ديصلّون !!

ـ لعد شنو يكولون الشيوعيين ماعندهم دين ؟!

ـ صدقتِ بهذا الخريط (6). . ؟ اكُلّج منو الماعنده دين ابو الولِدْ وابو مفيد . . لو هذا اعوص العين آمر قطاع الحرس القومي بالمحلة الذي اعتدى على بنت الجيران و حملت منه وكل الناس تعرف . . منو الكافر و الماعنده دين ؟ ام مفيد اصحي . . هذه سياسة و مصالح و ملايين ونفط !!!

بعد السلام والعناق و الدموع والأحاديث السريعة . . قالت ست جوزفين : ـ ست سعاد . . آني هذي ثالث مرّة اجي الى هنا . . لاتدفعين رسم ولاهم يحزنون، ترة الفلوس ماتوصل، تكدرين تعرفين ان كان زوجك هنا ام لا عن طريق الشرطي " فانوس " . . هذا يبين من الربع وتعرفّنا عليه احنا عدد من العوائل، واحنا ننتظره للحديث معاه بس خليّه يبيّن (يظهر) .

. . واذا تريدين خليّ المحفوظ ابنك يقترب من الأسلاك و يصيح عليه من خلف الأسلاك هنا مقابل صف البنايات الثالث ؟ وهو مكان ساقية قديمة منخفضة لايثير الوقوف فيها انتباه احد، لأنها شوية مستورة.

ـ عيني جوزه ! الله يخليج آني اخاف على ابني . . هذوله لادين و لاناموس !

ـ لعد ننتظر . . اكيد سيخرج " فانوس " بس ينراد شوية صبر !!

بعد ان سمعت حديث ست جوزفين، وبعد الحاحي المتواصل على والدتي بالذهاب حتى اقتنعت . . اتفقنا ان اخذ ظرفين مغلقين مكتوب عليهما اسماء المرسل اليهم، واحد من ست جوزفين الى زوجها والآخر من السيد علوان المعمم بعمامة سوداء الى ابنه الذي عرف من جوزفين بوجوده مع زوجها . . اضافة الى ورقة نقدية ذات خمسة دنانير كتبنا عليها اسم والدي . . . الى والدي . . على ان يعيدها " فانوس " ان لم يجد احد بذلك الأسم ، مع هدية نصف دينار الى "فانوس " على جهده ولتغطية نفقات سكائره كما قالت ست جوزفين .

صحت وباعلى صوت قدرت عليه :

ـ فانوس !! فانوس .. !! فا نـ نـ نــــــــــــــــــــوس !!!

وبعد انتظار :

ـ عميّ فانوس . . !!

وانتظار و انتظار و صياح . . حتى لمحت العسكري المستعد خلف دوشكا الدبابة الأقرب اليّ . . كان ينظر اليّ ويبتسم !! .  .  .  انه يبتسم ! يبتسم !!

كانت ابتسامة تشجيع . . فتشجعت ان اقترب اكثر من الأسلاك الشائكة المكونة من صفيّن هناك ، و عبرت الصف الخارجي منها وصرت وسطها ، وصحت باعلى صوتي :

ـ عمّي فانوس !!

خرج رجل بملابس خاكية من العنبر المقابل ومشى طويلاً باتجاه الأسلاك الشائكة ورمى ازبالاً من تنكه (غالون) ببطء و هو ينظر نحوي بهدوء الشاردين ، ثم وضع التنكه على الأرض وسار بنفس الهدوء نحوي . . حتى صار جنبي . وقال بهدوء بارد وعين شاردة :

ـ ها ، ابني ! آني فانوس !!

ـ هاي رسالة من ست جوزفين . .

قاطعني بسرعة و اخذ الرسالتين واوضحت له بحثنا عن والدي و ورقة الخمسة دنانير المكتوب عليها اسم والدي والنصف دينار، ووصل بي الأمر ان طلبت منه ان يأتينا برسالة من الوالد للتأكد ؟!!

رجع فانوس بنفس ذلك الهدوء وبلا صوت الى الثكنة وكان الوقت عصراً وبدأ ضوء الشمس بالخفوت وهي تنسحب خلف الغيوم . .

وبقيت انتظر و اراقب الثكنة القريبة التي اختفى فيها " فانوس " . .

وفيما بدأ الغروب يخيّم . . شاهدت رجلاً خارجاً من الثكنة ووقف تحت ممرها الخارجي المسقوف ، بشكل واجهني على بعد . . انه يلبس نفس الروب الذي كان يلبسه والدي عندما اعتقلوه من المنزل و كان لابسه . . انه ابي ! ابي !!

وبدون اي تفكير . . صحت باعلى صوتي وانا اشاهد ابي الذي اعتقدنا انهم قتلوه من عنف اعتقاله ومما شاهدنا وعشنا وسمعنا في ذينك الشهرين :

ـ يابه . . بابا !! ياب !!

بنفس ذلك الهدوء الجديد عليّ منه . . ودون اي صوت حيّاني بيده طويلاً وهو يدخل الى داخل الثكنة . .

(يتبع )

مهند البراك، شباط / 2018

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. اشارت تدقيقات متنوعة ان القوائم ارسلت لاسلكياً من محطة المخابرات الاميركية في الكويت آنذاك الى المتآمرين.

2. تجمعات المياه النّازة (الناضحة) في اماكن شبه ثابته خلف سدة ناظم باشا التي شيّدت لحماية بغداد منها في مواسم الفيضان و النزيز . .

3. عربة ركاب تجرها الخيول .

4. ولكْ ، باللهجة العامية كناية عن : ويلك ! .

5. بمعنى خطيئة التعدي عليهم . . وتستخدم للتضامن و التعبير عن روح الصداقة و الود معهم .

6. الكلام الفارغ.

  كتب بتأريخ :  السبت 10-02-2018     عدد القراء :  496       عدد التعليقات : 0