ساسون حسقيل يهودي يامسلمون

 

    في تقليب سريع لصفحات تأريخ عراقنا الحديث والمعاصر، تتزاحم قصص وحكايات لم تكن وليدة قضاء أو قدر، ولم تنزل من السماء أو تخرج من الأرض، ولو أردنا سرد المواضيع التي تمس المواطن فيها، لاحتجنا الى حديث الدقيقة والثانية واللحظة، لكثرة مواضيعنا وتشعبها وتعقيداتها وشمولها جميع مفاصل يومنا.

 ولعل لأحاديثنا المتراكمة والمستحدثة في عراقنا سجالا، يطول دون أمل بنهاية سعيدة، فحديث الساعة، حديث اليوم، حديث الأسبوع، عبارات عادة مايطلقها الناس على الموضوع الذي يشغل بالهم، ويكون ذا تأثير مباشر على خصوصيات حياتهم ومفردات يومياتهم. وغالبا مايأخذ من الوقت هنيهة، ليصبح بعدها في خبر كان، اوكما نقول (تصير سوالف).

 فمن حديث الفساد بصنفيه اللذين بدورهما يصنفان الى أنواع كثيرة تنخر الجسد العراقي أيما نخر، الى الحديث عن تدني الخدمات الإدارية والبنى التحتية، الى مشكلة السكن والبطالة الأزليتين، الى عار البطاقة التموينية التي فاق الزيف والتلاعب والسرقات بمفرداتها حد العقل والتصور، الى الوضع الأمني المزري الذي لم يُبقِ بيتا او عائلة إلا وطالها شره وشرره. أما الطامة الكبرى التي لايصفها حديث ولاتحتويها نقاشات، فهي غض النظر عن كل هذه الإحباطات واللانهيارات من قبل المسؤولين عن حلها وفك عقدها، وركونهم الى موقف المتفرج والخانع، وبدل ان يضعوا أيديهم على نقاط الخلل ومكامن الضعف، وضعوا أياديهم (على خد الترف) ونأوا تمام النأي عن السعي الجاد لإيجاد الحلول الجذرية والنهائية والناجعة لهذه المشاكل. ولم يقدموا أنصاف الحلول ولاأرباعها ولا حتى أعشارها، بل استحدثوا حلولا ترقيعية أخيرها -ومؤكد أنه ليس آخرها- مايقدم في معضلتي قانون الانتخابات وقانون الموازنة، وهاتان المشكلتان باتا وصمة لاأظنها تشرف أيا من بني آدم الأسوياء، إذ تأخير إقرارهما والتلكؤ في قراءتهما، لايمكن وصفه إلا بصفات مخزية معيبة، فبتأخيرهما تأخير للبلاد ومصالح ملايين العباد، كما أنه -تأخيرهما- تقصير متعمد بأداء الواجب، وخيانة عظمى للشعب، ونقض للعهود، وإخلاف للوعود، ونكث بالقسم.

  والعجب العجاب أن الفساد والزيف والسرقة، باتت في أوساط حاكمينا ومتقلدي المناصب الإدارية والقيادية، مرضا معديا، أو لعلها فايروس ينتقل بملامسة ومن دونها، إذ هو يستشري بينهم بسرعة مرعبة، وما يفزع أكثر أن الشريف إذا انخرط في سلكهم، ينسى الشرف ويدمن السرقات، ويذر الحلال ويتمسك بالحرام، حيث يجف عرق جبينه ويستعذب السحت ولو على حساب المواطن الفقير.

   يذكرني هذا بوزير المالية (ساسون حسقيل) إبان حكومة عبد المحسن السعدون في العهد الملكي، إذ جرى حديث بينه وبين وزير الداخلية آنذاك ناجي السويدي، والحوار كان على مبلغ (45) دينارا ضمن التخمين الاجمالي الذي قدمه ناجي السويدي الى وزير المالية لترميم بناية (القشلة). قال السويدي: "ياسيد حسقيل لماذا اقتطعت (45) دينارا من الـ (300) دينار المخصصة لترميم بناية القشلة وفق تخمينات المهندس المسؤول؟ أجابه حسقيل: "يا سيد ناجي افندي ناقشت هذه المسألة مع المهندس في موقع العمل، ودار بيني وبينه حديث طويل، وتوصلنا الى نتيجة مفادها بأن (255) دينارا تفي بالغرض". فقال السويدي: "خلف الله عليك ساسون افندي أليس بالإمكان إعادة مبلغ التخمين الى (300) دينار، فالقشلة من المعالم التاريخية لبغداد. فرد عليه ساسون: "يا سيدنا ناجي افندي ان الحفاظ على المعالم التاريخية في بغداد، يجب ان يكون متوازيا مع الحفاظ على المال العام، وبعيدا عن الإهدار. لأن الإهدار يجعل من المال (سائبا) والمال السائب يعلم السرقة".

  ولا أضيف تعليقا على هذا الحوار، سوى التذكير بأن ساسون حسقيل يهودي يا أيها المسلمون..!

aliali6212g@gmail.com

  كتب بتأريخ :  الإثنين 19-02-2018     عدد القراء :  408       عدد التعليقات : 0