هل صان الخلف إرث السلف؟

   من المسلم به في كل بقاع المعمورة أن للوطن منزلة مقدسة في نفوس كل بني آدم، بل ولدى كل مخلوق دبّ على الأرض، ومن هذه القدسية تولد غريزيا وفطريا حب الوطن، والذود عنه، واللوذ به، والانحياز له، والاستقتال عليه، والتضحية من أجله. وهذا مانراه جليا بشكل غير مشوب بالزيف والخداع، في الحيوانات الأليفة وغير الأليفة، إذ جميعها تنضوي تحت جنح الوطن بدءا من الولادة حتى الممات.

 وقد أدرك الإنسان هذا فأطلق على الوطن مسميات عديدة وفق شكله وموقعه وقاطنيه، فالوطن للإنسان، والعطن للبعير، والعرين للأسد، وقال وجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وعش الطائر، وقرية النمل، وكور الزنابير. كما يطلق على ما يتخذه الطائر موطنا على الشجر وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو وكن، وإذا كان في كِن فهو عـِش، وإذا كان على وجه الأرض فهو: أفحوص. وبتحصيل حاصل، سواء أصغر الوطن أم كبر! مرعى كان أم أرضا جرداء! جبلا أم واديا! فهو ملاذ يستكن إليه المخلوق في كل أحواله.  

   ومن أوطان المعمورة كلها وطن يتربع على ملتقى ثلاث قارات، شهد التاريخ أن أولى حضارات العالم نشأت في أرضه على يد قاطنيه، فكان منارا لباقي الحضارات، ذاك هو وادي الرافدين، وحريا بأهله بعد مسيرة أربعة آلاف عام من الزمن، أن يصونوا ماابتدأ به أجدادهم، ويكملوا رسالتهم في الدنيا، ومثل هذا الأمر تقع مسؤوليته على الراعي ليكون قدوة للرعية. إلا أن مانراه اليوم من أغلب رعاة البلد، خيب آمال الأجداد والأحفاد على حد سواء، إذ دأب الخلف على الإساءة بما ورثه من السلف، فهم مافتئوا يشوهون صورة ولي الأمر في ما منوط بهم من مسؤوليات خولهم الرعية فيها، وسلمهم الجمل بما حمل، بدءًا من تشريع القوانين الى إصدار القرارات التي تنهض بمستوى البلاد، بعد ان كان يقبع عليها عقودا مضت نظام جائر، عطل كثيرا من مفاصل الحياة فيها، مرورا بتنفيذ الواجبات من قبل موظفي المؤسسات التنفيذية، بدرجاتهم وبتشكيلاتهم الهرمية كافة، وانتهاءً باتباع مبدأ الثواب لمن يقدم لمفردة الوطن مايصونها من خلل -مع أن هذا واجبه- والعقاب بحق من يسيء اليها ويعرضها لما يشينها.

  هي نظرة أراها ضيقة جدا، تلك النظرة التي يرى من خلالها مسؤولو البلد وظائفهم ومناصبهم، فمنهم -وهم الأعم الأغلب- من لايرى في وظيفته غير المرتب كمّا، والحوافز حجما، والمخصصات والمكافآت ريعا، بصرف النظر عن كمّ عطائه، وحجم إنجازه، والريع الذي يقدمه لمؤسسته ضمن اختصاصه. ومنهم من يرى في الوظيفة سلما ليس عليه إلا ارتقاؤه بأي حال من الأحوال، او شكل من الأشكال، وهو بهذا ينحى منحى تمشية أعماله لما تبقى من عمره وليكن الطوفان من بعده..!. ومنهم، وهم السبب الرئيس في تكبيل البلد ووضعه في خانة (محلك راوح) واضعو العصي في دواليب أية عجلة تريد التقدم، لما يليق ببلد يملك من الثروات ما يؤهله ويميزه على غيره من البلدن التي غلبته في سباق التحضر.

 هي دعوة إذن، من المواطن العراقي لماسكي دفة الحكم والسلطة والمؤسسات، ممن يدركون ماللوطن من قيمة عند جميع المخلوقات، أن اعطوا الوطن حقه من خلال مناصبكم ومكانتكم فيه، ولتتركوا خلفكم صيتا حسنا، فهو خير من صيت آخر كما يقول مثلنا: (صيت الغنى ولا صيت الفگر).

aliali6212g@gmail.com

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 21-02-2018     عدد القراء :  368       عدد التعليقات : 0