يسوع واهب الحياة أقام لعازر المنتن

(أما هو القيامة والحياة ، من آمن بي و‘ن مات فسيحيا) " يو 26:11 "

خصصت الكنيسة المقدسة يوم الجمعة الأخيرة من الصوم الكبير تذكاراً لأقامة يسوع صديقه لعازر من بين الأموات . وفي الأحد التالي تحتفل بيوم النصرة يوم دخول الرب الى أورشليم وبعدها تدخل الكنيسة في أسبوع الآلام المقدس .

كان لعازر من قرية بيت عنيا القريبة من أورشليم ، أخواته مريم ومرثا اللواتي تحدثنا مع المسيح أكثر من مرة ، أما لعازر فلم يدوّن لنا الأنجيل أي حديث له مع الرب أو الرب معه لأنه كان ينتمي إلى مدرسة الصمت والأصغاء إلى صوت الرب كما كان البتول مار يوسف .

أنفرد الرسول يوحنا في سر قصة أقامة لعازر من بين الأموات ، أما الأناجيل الأزائية الثلاثة فلم تذكر شىء عن هذه المعجزة .

كان الرب يسوع يحب عائلة لعازر التي كانت تستقبل يسوع وتلاميذه في بيتها وتقدم له ولتلاميذه الخدمة وتستمع إلى كلمات رسالته السماوية . ومن ذلك البيت كان يسوع ينطلق إلى أورشليم .

عندما أقتربت ساعة يسوع لكي يسلم نفسه طوعاً للموت ، أراد أن يثبت لليهود والعالم بأنه هو المسيح المنتظر ، وهو الإله واهب الحياة ، وله سلطان حتى على الموت . فأحيا الموتى وأحيا نفسه فغلب الموت بموته .

قبل موت يسوع مَرِض صديقه لعازر ، وبدأ المرض يهدد حياته وفي وسط تلك الآلام أرسلت مريم ومرثا رسالة إلى يسوع لكي يحضر لينقذ حبيبه لعازر فجاء في تلك الرسالة ( يا سيد هوذا الذي تحبه مريض ) عندما نتأمل بهذه الكلمات نلتمس عدم وجود طلب ألحاح يأمر المسيح بالحضور رغم شدة المرض ، والسبب يعود إلى فهم الأختين لرسالة المسيح ظناً منهن من أن تكون خدمته في نشر الأنجيل أكثر أهمية من طلبهن ، وبالرغم من العلاقة التي بين الجانبين . فمريم هي التي دهنت الرب بالعطر ومسحت قدماه بشعرها ( يو 2:11) وهي التي جلست عند قدميه في دارها لكي تستمع إلى أقواله عندما كانت تخدمه مرثا . لكن رغم تلك العلاقة كان الطلب لا يتعدى حدود أخبار المسيح بالمرض فقط ، علماً  بأن المسيح يعلم بكل شىء وحتى وإن لم تصل له الرسالة لأنه الإله العالم بكل الخفايا ، لهذا عندما مات لعازر قال لتلاميذه ( لعازر حبيبنا رقد ) .  لم يرد على الرسالة ، ولم يشأ الذهاب لأنقاذه من المرض ، بل سمح للموت لكي ينال منه . وبعد موته أخبر الرب تلاميذه بأن لعازر قد نام ، لم يقل مات . وكذلك قال للذين كانوا يبكون وينوحون على بنت يائيرس رئيس المجمع المائتة ( لا تبكوا ، لم تمت ، إنما هي نائمة ) " لو 52:8"  . لماذا كان يسوع يدعوا الموت نوماً ؟ الجواب ، لأنه كان يقلل من حجم الموت فيسميه نوماً أو رقاداً ، ولكونه قادراً أن يعيد الحياة لمن يشاء وكما أعاده للشاب الوحيد لوالدته الأرملة . كما كان يقصد في قوله أنه نائم وذلك لكي يخفف من ثقل الحزن على أهل الميّت . .

أكمل يسوع الحديث مع تلاميذه قائلاً ( لكني سأذهب لأوقضه ) . إذن المسيح لن يذهب إلى لعازر عندما كان مريضاً ، بل أنتظر موته لكي يصل إلى قبره بعد أربعة أيام . وبعد ذلك قال لتلاميذه " لعازر مات " وكيف علم بأنه مات ؟ لأنه في لاهوته كان يعيش كالحاضر الغائب ، لأنه إله موجود في كل مكان ، لهذا كان يعلم بموت لعازر دون أن يخبره أحد .

عدم وجود يسوع في بيت عنيا لشفاء لعازر كان خيراً للتلاميذ لكي يقوّي إيمانهم بعد أن يروا المعجزة . كان بأمكانه أن يشفيه بكلمة منه عندما قرأ الرسالة دون أن يذهب ، لكنه أراد أن يموت لكي يكرمه ويعمل له الأفضل وهو أعطاءه بركة الأقامة من بين الأموات ولكي يكون خبر أقامته تأثيراً وسبباً لأيمان الكثيرين . وبهذا يثبت المسيح قوته وقدرته في أيامه الأخيرة وسلطانه ولاهوته للجميع بأنه هو الإله الخالق . أما سبب بقائه أربعة أيام فلكي يتحدى معتقد اليهود الذين كانوا يؤمنون بأن روح الميت تحوم حول الجسد ثلاثة أيام ويمكن أن تعود اليه لهذا قصّد بأن يقيمه في اليوم الرابع لكي يقطع كل الحجج ، أضافة إلى أن الجثة تبدأ بالتفسخ وكما قالت مرثا ليسوع ( يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام ) أي من الناحية الطبية نقول بأن كل خلية في جسد لعازر قد ماتت وأنقطعت كل الآمال ولا مجال للعلم أن يعطي تفسيراً أو تبريرا لعودة الحياة إلى تلك الجثة إلا إذا خلق من جديد . فنقول هل أقام الرب يسوع لعازر ، أم خلقه من جديد وأعاده كما كان ؟ الجواب ، خلقه لكي يقوم بكامل عافيته وبرهن لكهنة اليهود وللعالم وللتاريخ بأنه الرب الإله واهب الحياة . وكذلك سيفعل مع كل الموتى في يوم القيامة العظيم .  قال القديس أوغسطينوس ، يسوع يشير بقيامة الأشخاص الثلاثة الذين أقامهم إلى قيامة نفوسنا لكي يهبنا القيامة والخلاص .

أبنة يايرس ، لم يناديها بأسمها لكي تقوم " مت 9" ولا أبن ارملة نايين " لو 7" بينما لأقامة لعازر صرخ بصوت عظيم ، لماذا هل ليسمع لعازر في القبر ، أم ليسمع كل الواقفن ويجذب أليه أنظارهم وأفكارهم ؟ أما لماذا ناداه بأسمه " لعازر " فيقول القديس أغسطينوس : لو لم يقل يسوع " لعازر " لكان كل الأموات الذين في القبور قد قاموا ز وهكذا في يوم القيامة عندما ينادون الموتى بالقيامة فذلك الصوت سيسمعه كل الموتى ويقومون .

كان لأقامة لعازر تأثيراً كبيراً في المجتمع اليهودي ، فكثيرون من اليهود الحاضرين في وقت أقامته آمنوا بالمسيح ، أما البقية الباقية فلن يؤمنوا لقساوة قلوبهم فذهبوا بالخبر إلى قادة اليهود الذين قرروا الأجتماع في مجمعهم لكي يخططوا لقتل المسيح بسبب أعماله الخارقة ، وآياته الكثيرة وخاصةً بسبب أستقطاب الناس أليه ، وهذا ما أخافهم ، فقالوا ( ماذا نصنع ، بأن الأنسان يعمل آيات كثيرة ؟ ) وهذه المعجزة تفوق كل المعجزات ولا يمكن مقارنتها بغيرها من المعجزات لأن لعازر المنتن قد عاد إلى الحياة والناس يتحركون نحو المسيح لكي يبايعوه ، وهذا ماحصل في يوم يوم دخوله إلى أورشليم راكباً على جحش أبن أتان ، وبدأ قادة اليهود يخافون على مناصبهم وسلطانهم وهيبتهم ، لهذا حولوا الموضوع إلى سياسة فقالوا عنه ، يريد أن يصبح ملكاً . هكذا ولأجل التخلص منه كانت هذه حجتهم لبيلاطس بأن يريد أن يصبح ملكاً ونحن لا ملك لنا إلا قيصر رغم كرههم لقيصر وللأستعمار الروماني . وكل هذا الأعتراف والتنازل أمام بيلاطس كان لأجل التخلص من وجود المسيح بينهم . كذلك أقنعوا الشعب الذي بايعه بمقاومته بقولهم لهم ( أن تركناه هكذا ، يؤمن الجميع به ، فيأتي الرومان ، ويأخذون موضعنا وأمتنا ) لهذه الأسباب قرروا الخلاص من يسوع ، وكذلك قتل لعازر أيضاً لأن جوده في الوسط اليهودي خطير لهذا يقول الكتاب ( فقرروا رؤوساء الكهنة أن يقتلوا لعازر أيضاً ، لأن كثيرين من اليهود كانوا يهجرونهم بسببه ويؤمنون بيسوع ) " يو 12: 10-11 " .

ختماً نقول : المسيح هو واهب الحياة لأنه هو ( الطريق والحق والحياة ) لهذا قال لمرثا ( أنا هو القيامة والحياة ، من آمن بي وإن مات فسيحيا ) " يو 27:11 " كما كرر كلامه ، فقال ( ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله ؟ ) " يو 41:11 " فنادى يسوع لعازر بصوت عالٍ قائلاً ( لعازر أخرج ) سمع الميت صوت الله ، وهكذا سيسمعون كل الموتى صوته في يوم القيامة لكي يقوموا كلعازر من قبورهم .

خرج لعازر والأكفان تشّد جسده والمنديل رأسه ، فأمر يسوع لمن حوله ( حلّوه ودعوه يذهب ! ) وهكذا تم أطلاق لعازر من قيود الكفن وقيود الموت ومن سجن القبر لكي يحيا مع المسيح وفي المسيح الذي أقامه ، ونحن أيضاً سيقيمنا في يوم الدينونة الأخير لكي نجتمع معه على السحاب فنبقى معه إلى الأزل في السماء ، قال الرسول بولس ( أما نحن ، فإن وطننا في السموات التي منها ننتظر عودة مخلصنا يسوع المسيح ، الذي سيحول جسدنا الوضيع إلى صورة مطابقة لجسده المجيد ، وفقاً لعمل قدرته على إخضاع كل شىء لنفسه ) " في 3: 20 -21 " .

ولربنا يسوع المسيح المجد دائماً

بقلم/ وردا أسحاق عيسى

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 21-03-2018     عدد القراء :  1168       عدد التعليقات : 0