اليهود هم الذين دمروا الهيكل

أنقضوا هذا الهيكل ، وأنا أقيمه في ثلاثة أيام ) " يو 19:2 )

الهيكل الذي بناه سليمان الملك كان صرحاً عظيماً يتباهون به اليهود لعظمة أبنيته . تم بنائه في عام 970. ق . م  وقد أستغرق في بنائه 46 سنة حسب قول اليهود للرب يسوع الذي تنبأ بزواله ، عندما كان ينظر أليه يسوع مع تلاميذه ، قال لهم ( ... لن يبقى هنا حجر على حجر إلا ويهدم ! ) " مت 2:24 " . دَوّن الرسول متى هذه النبؤة بعد تهديم الهيكل من قبل القائد الروماني تيطس . سمع اليهود بتفاصيل نبؤة يسوع وتفاصيل الحصار على مدينتهم ودمار الهيكل قبل أن تكتب في كتب العهد الجديد ، أو قبل أن يهدم الهيكل ، لكنهم لم يكترثوا ، ولم يبحثوا كهنتهم في الكتب لكي يتأكدوا من قول الرب ، لهذا حزن المسيح ( طالع لو 41:19 ) . حزن لأنهم لم يفهموا معنى قوله ، ولم يسعوا لمعرفة زمن مجيئه اليهم ، ولا عن مصيرهم ! لهذا كانت خطاباته نحوهم قاسية للغاية .

كان يوبخهم على ريائهم وقساوة قلوبهم وطيشهم لما مارسوه هم وأجدادهم من جرائم قتل بالأنبياء والمرسلين أليهم ( مت 23 ) . لهذا قال عنهم الرسول بولس ( ... اليهود الذين قتلوا الرب يسوع والأنبياء وأضطهدونا نحن أيضاً ، وهم لا يرضون الله ويعادون الناس جميعاً .. ) " 1تس 2: 14-15 " . لقد ندد يسوع الرؤساء وأنبأهم بالعقاب القادم وزوال الهيكل تأكيداً لما أعلنه لهم أرميا النبي في كتابه ، قال ( ولكن إن عصيتم هذه الوصايا ، فقد أقسمت بنفسي يقول الرب أن يتحول هذا القصر إلى أطلال ٍ ) " أر 5:22 " لهذا أكد يسوع قائلاً (هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا) " لو 35:13 " . كما تحدث  يسوع عن موضوع تنجيس المكان المقدس بعبارة ( رجاسة الخراب ) الموجودة في سفر دانيال " 27:9 " حول السبعين أسبوعاً . أما البشير لوقا فلن يتحدث عن التنجيس لكنه أكتفى بكلمة ( خراب ) ويعني بها الدمار لأورشليم مع هيكلها فقال ( وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا) " لو 20 21 " نفهم من نبؤة دانيال بأن المقصود يرتبط بأحداث سنة 70 م التي دمر فيها الرومان الهيكل . أما البشيرين متى ومرقس فيتحدثون أيضاً عن علامات تنجيس الهيكل المقدس فترتبط كتاباتهم مع نبؤة دانيال حول موضوع مجىء أبن الأنسان على سحاب السماء ( دا 7: 13-14 ) أي نهاية العالم ، والأسئلة المطروحة من قبل التلاميذ للرب  كانت تنعكس إلى أحداث ما وراء تدمير الهيكل ، أي نهاية العالم ومجىْ أبن الأنسان الذي سيقيم مُلك الله . وهذا موجود عند دانيال الذي يتحدث عن مجىء المسيح على سحاب السماء ، فكان جواب الرب يسوع لهم يتناول موضوع مجيئه ونهاية العالم ، بل ندد يسوع بأن سبب تدنيس الهيكل هو اليهود أنفسهم قبل أن يأتوا الرومان إلى الهيكل  وذلك بسبب المشاريع المادية التي أسسوها في ساحة الهيكل للبيع والشراء من أجل الربح المادي ، لهذا طرد الباعة وقال للكهنة ( جعلتم بيت أبي مغارة للصوص ) " مت 13:21 " وهذا ما تنبأ به أرميا في " 11:7 " كما أشار يسوع إلى موضوع آخر وهو تذكيرهم بجرائمهم المتعلقة بسفك دماء الأبرار والأنبياء في الهيكل ( طالع 23 : 23-35) . إذاً الموضع تحول من رجاسة الهيكل إلى القتل المتعمد ، هذا بعد أن تحدث عن موضوع رجاسة الهيكل وتدنيسه ، لهذا سيكون مصيره ليس فقط التدنيس والتدمير المادي فحسب ، بل نهاية العبادة فيه ، لهذا لا يعني المسيح في تدمير الهيكل ومدينة أورشليم والهروب منها بعد أن تحاط المدينة بالجيوش الرومانية ، بل قصد الهروب من العبادة في الهيكل الذي أنتهى دوره في تقديم العبادة لله لكي يحل محله معبد آخر وهو كنيسته المقدسة التي ستكون جسده المبارك ، أي أنه لم يأمر بمغادرة أورشليم المحاصرة ، بل مغادرة اليهودية كديانة وترك طقوسها .

اليهود لم ينجسوا الهيكل فقط ، بل هم الذين هدموه . والمقصود بالهيكل في قول يسوع ليس هيكل سليمان الذي دمره تيطس وفسباسيانس بعد أن تخلى الله عنه ، بل المقصود هو جسد المسيح نفسه ، فالمسيح هو هيكل الله الحقيقي النازل من السماء ، وجسده المبارك هو مكان حضور الله بين البشر ، وهو الذي جاء ليدعو الجميع ليشاركوه هم أيضاً في جسده لكي يصبح هو رأس الجسد ، ولكي يصبحوا هم معه هيكل الله على الأرض ، أي الكنيسة المقدسة بديلة هيكل سليمان . فالكنيسة اليوم هي خادمة لبني البشر كمؤسسها يسوع ، وهذا هو سر وسبب وجودها ، وهي أمتداد للكنيسة السماوية . فالمسيح إذاً عندما قال لليهود ( أهدموا هذا الهيكل وأنا أقيمه بثلاثة أيام ) لم يقصد بكلامه هيكل سليمان الذي أنتهى دوره بعد المسيحية ، ولا تأثير له حتى لو بقي ، أو حتى لو شيدوه يهود اليوم للمرة الثالثة وببناء أكثر جمالاً ، لأن اليهودية قد أنتهت ، لكن اليهود لم يفهموا معنى قول المسيح لهم ، لهذا قالوا له وهو على الصليب ( يا هادم الهيكل وبانيه ... خلص نفسك ) . لم يحصلوا منه الرد على الصليب ، بل تحداهم بقيامته بعد ثلاثة أيام فأكد لهم ببناء هيكل جديد وهو جسده القائم من بين الأموات لكي يثبت لهم وللبشرية كلها بأنه سيد الحياة والموت ، وكذلك سيقيم جسد أبناء الكنيسة لكي تحيا معه حياة أبدية . والكنيسة تسير في درب الصليب ، درب الآلام لتعيش كلامه الذي ( إن كانوا أضطهدوني ، فسوف يضطهدونكم أيضاً ) " يو 20 :15 " فالمسيح قصد هيكل جسده هو الذي سيهدم من قبل اليهود ، أجل هم الذين دفعوه للصلب رغم معارضة بيلاطس البنطي ، بل رغم دفاعه عنه ، لأنه لم يجد فيه ذنب . هم كانوا السبب في صلبه وموته . فعندما مات على الصليب تمزق حجاب هيكلهم  ، أي تمزقت اليهودية إلى الأبد ( طالع مت 27: 51 ، مر 38:15 ، لو 45:23 ) .

المسيح مات وقام قبل هدم الهيكل . أنه الهيكل الحقيقي للعهد الجديد الذي يسكن فيه الله كما كان في الهيكل القديم . والمؤمنون به هم حجارة حية في هذا المعبد الجديد الذي لن تصنعه الأيادي ، والذي ليس لملكه أنقضاء . ليعلم اليهود جيداً بأن المسيح الذي دفعوه للموت ، هو نفسه مسيحهم المنتظر والموعود ، لكنهم أصروا على قتله فدمروا هيكلهم الحقيقي , أنه الحمل المذبوح الذي رآه يوحنا الرائي واقفاً بين الشيوخ ( رؤ 6:5) أي المسيح الممجد الذي سيأتي في يوم الحساب المخيف ليدين بحسب عدله الألهي كل أنسان وله ستسجد كل ركبة ،

وللمنتصر القائم من بين الأموات المجد الدائم في كل أوان

بقلم / وردا أسحاق عيسى

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 28-03-2018     عدد القراء :  1088       عدد التعليقات : 0