كنيسة القيامة .. المفتاح المفقود

ونحن نعيش ايام الفصح المجيد والقيامة المباركة لايسعني الا ان اتقدم بالتهنئة والتبريكات لجميع ابناء كنيستنا الجامعة الرسولية ولتكن قيامة مباركة حيث التجدد وترك ونسيان الالم والاوجاع وامنيتي بحياة ملؤها السلام والرفاهية والحب ، ونحن نعيش هذه الايام علينا ان نستذكر رموزنا وشواخصنا التاريخية الحاضرة كونها تتعلق وترتبط ارتباطا وثيقا بايماننا وعقيدتنا فيما لها من دلائل تاريخية حاضرة وشاخصة وباقية على مر الازمنة العصور ، إلا اللهم ان لاياتي يوما ونصاب بمصيبة بتلك التي مرة بالامس القريب على شعبنا بغزوه من غزوات جماعات واقوام مايدعون بدولة الخلافة كي يعملوا على تهديم وتخريب ومحو تلك الشواخص والرموزالتاريخية ، على الرغم من ذلك يبقى الايمان في القلب كي يورث لاجيالنا من بعد ، واليوم اطرح امامك ايها القارئ العزيز من اهم المواضيع التي ترتبط ارتباطا مباشرا بايماننا العميق وخصوصا بمضوع يتعلق بالقيامة ورمزيتها ، الا وهي كنيسة القيامة احدى الشخوص التاريخية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بايماننا المسيحي من حيث عقيدة الموت والقيامة .

كنيسة القيامة أو كنيسة القبر المقدس : هي كنيسة داخل أسوار البلدة القديمة في القدس ، بنيت الكنيسة فوق الجلجلة أو الجلجثة وهي مكان الصخرة التي يعتقد أن المسيح صلب عليها ، وتعتبر أقدس الكنائس المسيحية والأكثر أهمية في العالم المسيحي وتحتوي الكنيسة وفق المعتقدات المسيحيين على المكان الذي دفن فيه المسيح واسمه القبر المقدس ، سُمّيت كنيسة القيامة بهذا الاسم نسبة إلى قيامة يسوع من بين الأموات في اليوم الثالث من الأحداث التي ادت إلى موتة على الصليب ، بحسب العقيدة والايمان المسيحي ، يقصدها سنويا وخصوصا في ايام القيامة ملايين المسيحيين من جميع ارجاء المعمورة حيث تعتبر مركز الحجيج ومن جميع المذاهب والطوائف المسيحية وكونها شاخصة تاريخية تعتبر مزارا لغير المسيحيين ايضا ، ويشرف على ادارة هذه الكنيسة ثلاثة طوائف وهي الاتين الفرنسيسكان والروم الارثدوكس والارمن ، ولكن وهنا تكمن الكارثة بان مفاتيح الكنيسة ليست ملك لاي طائفة من تلك الطوائف التي تشرف على ادارة الكنيسة بل والانكى من ذلك فهي مسلمة لعائلة مسلمة ومن خلال عائلة اخرى تقوم بفتح وغلق باب الكنيسة يوميا .

عائلة نسيبة : هو اسم إحدى الأسر العربية في القدس ، لديها تاريخ طويل وروابط مع الأراضي المقدسة في القدس ، منذ أيام أجدادهم التي تمتد إلى القرن السابع ، أخذت عائلة نسيبة اسمها من الصحابية نسيبة بنت كعب المازنية ، التي كانت أنصارية حاربت في غزوة أحد وأخذت دوراً قيادياً في الإسلام ، منذ وصول الإسلام إلى القدس في القرن السابع ، حملت هذه العائلة المسلمة السنية مفاتيح كنيسة القيامة ، وقد استمر هذا التقليد منذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب ، وصل أسلاف أسرة نسيبة إلى القدس مع وصول الإسلام عام 637 للميلاد ، وكان منهم اثنان من الصحابة وهم عبد الله بن نسيبة ومعاذ بن جبل ، وغيرهم من الصحابة من أبناء سلمى من بني النجار وهي إحدى عشائر الأوس والخزرج وهي زوجة هاشم جد عائلة الهاشميين وأم زعيم قريش عبد المطلب ، تعود أصول عائلة نسيبة إلى قبيلة الخزرج من المدينة المنورة ، والتي عرفت بالأنصار، لما قدمته من دعم وحماية للاسلام خلال إقامتهم في المدينة.

آل غضية : هو اسم لعشيرة من عشائر آل البيت التي لها جذورها العميقة الإسلامية وهي تنتسب إلى الإمام الفاضل الشيخ عبد الله بن غضية الحسيني الهاشمي الذي لمع كإمام من أئمة آل البيت ، الذين لهم دور لا يخفى في نشر دعوة الإسلام المبنية على الكتاب والسنة " قبل القرن السابع ، يعود نسل تلك العشيرة الى سبط الامام الحسين بن علي وجميعهم حسينيون بالوراثه ، الا ان تكاثر النسل جعل كل فرع يتخذ له مسارا معينا ومنفردا وكنية اخرى ، املتها عليه ظروف ذلك العصر، لقد استمر رجال الدين من آل غضيه في الحفاظ على مكانتهم لعدة قرون ، حتى القرن الرابع عشر للهجره ، اذ حصلوا خلالها على فرمانات سلطانيه صادره عن سلاطين دولة الخلافه الاسلاميه المتتابعين ، وعلى حجج من مجالس الشرع في القدس الشريف ، تقضي بتعينهم في وظائف شرفيه رفيعه ، واشادت بنسبهم . وهذه الوثائق محفوضة لدى تلك العشيرة ، وكانت قد الت لهم ارثا عن الاباء والاجداد . ويعتبرونها ثروه اثريه ، هذا وانبثقت عن آل غضيه عدة عائلات منها آل جودة التي عرفت بهذا الاسم نسبة للسيد جود الله غضيه اذ كان عهده في القرن الثاني عشر للهجرة ، وكان قد تولى عدة وظائف دينيه شرفيه رفيعه  ، وحمل الكثير من الفرمانات السلطانيه والحجج ، تمنحهم حقوق ومكاسب رفيعة .

يختلف المؤرخون حول قصة امتلاك تلك العشائر المسلمة لمفاتيح كنيسة القيامة ، ولكن الواقع يقول هو الذي منح العائلتين هذه الوصاية من أجل تأكيد هيمنة المسلمين على المسيحية في المدينة ، كما كان لها تداعيات مالية إذ فُرض رسم دخول على الزائرين كان يتم تحصيله عند الباب ، فهناك رواية تقول عندما حان موعد الصلاة ، دعا رئيس أساقفة القدس صفرونيوس الخليفة عمر بن الخطاب للصلاة في كنيسة القيامة ، حيث رفض عمر خوفاً من أن تدعي الأجيال القادمة من المسلمين السيادة على الكنيسة باعتبارها ملكاً لهم وتحويلها لمسجد ، كما حصل في القسطنطينية واسيا الصغرى ، بدلاً من ذلك ، فضّل عمر الصلاة بعيداً عن الكنيسة بضعة أمتار، حتى تم بناء مسجد لاحقاً وهو مسجد عمر، والذي لا يزال قائماً بجانب كنيسة القيامة ، وعندها وقع مع مسيحيي القدس على ما يعرف بالعهدة العمرية ، والتي ضمنت حماية المسيحيين وحرية العيش والعبادة وحماية أماكن العبادة المسيحية ، وهذا الاتفاق حصل بين السلطة المحلية في القدس ان ذاك وبين عمر ولا علاقة للمراجع الكنسية ولا يوجد اي وثيقة محررة من قبل الكنائس الرسولية تمنح السلطة او الادارة او الاشراف او الاحقية للاستحواذ على اي موجودات كنسية او استحصال الجباية من المسيحيين القاطنين والزائرين الى الكنيسة ، وتعد هذه التي تسمى العهدة العمرية باطلة كونها وقعت تحت الضغط والاكراه .

وهناك رواية اخرى مدعمة بالسندات والوقائع التاريخية تقول ، فمنذ استلام ابن أم عمارة المازنية ، (يعود نسب عائلة نسيبة إليه) ، مفتاح كنيسة القيامة من الخليفة عمر بن الخطاب ، والعائلة تتوارثه منذ القرن السابع للميلاد إلى يومنا هذا ، فيما لم تخلُ تلك الفترة من بعض الأحداث التاريخية ، حينما استعادة الحملات الاوربية المفتاح منهم ، حتى استرده صلاح الدين الأيوبي ، ( بعد الاتفاق مع اصحاب الحملات الاوربية عام 1187 للميلاد  ) ، اما عائلة آل جودة فقد قامت على رعاية الكنسية بـ"فرمان عثماني ، في عام 1612، يقضي بانضمامها إليهم في الإشراف على الكنيسة المقدسة ، وباشرت العائلة هذه المسؤولية فعليا في العام 1624، حين انتقلت المفاتيح إلى حوزة عائلة جودة ، بينما تولت عائلة نسيبة مسؤولية فتح وغلق أبواب الكنيسة ، يوميا، من الساعة الرابعة فجرا حتى الثامنة مساء ، هنالك ثلاثة أيام في العام ، تقدم مفاتيح كنيسة القيامة إلى الطوائف المسيحية الكبيرة ، وهي الروم الأرثوذكس واللاتين الفرنسيسكان والأرمن ، وفي يوم "الجمعة العظيمة" تقوم عائلتا جودة وآل نسيبة بتقديم المفتاح عند مدخل باب الكنيسة ، حيث يقدّم ممثل البطريركية المفتاح إلى أحد أفراد عائلة نسيبة لفتح الكنيسة ، وبعد فتحها يسلمها لأحد أفراد عائلة جودة ، "وكذلك في سبت النور للأرمن نزور بطريركة الأرمن، ونقدم مفتاح الكنيسة"، وحسب ادعاء العائلتين "دلالة ذلك أننا لم نأخذ المفتاح بالقوة ولا بالشجار ولا بالسيف ، كما يدعي بعض الناس ، فنحن أخذناه بالرضا.. وهم راضون عن قيامنا بهذه الوظيفة" ، وهناك تبرير لهذا الوضع ان ما قامت به دول الخلافة المتعاقبة بالاستحواذ على مفاتيح الكنيسة هو نتيجة للصراعات بين الطوائف المسيحية كي يعم السلام والوئام في المدينة والكنيسة ، هنا اطرح تساؤلا ، الم يستطيع الخليفة او الوالي بتعين شخصية او جهة مسيحية حتى ولو كانت موالية لكرسي الخلافة كي يكون امينا على مفاتيح الكنيسة ولماذا هذه الكنيسة تحديدا وليس كنيسة اخرى ؟؟ ، ويبقى هذا مجرد تسائل مطروح ونأمل نحن كمسيحيين ذوي الشان ان نرنوا الى عودة مفاتيح كنيسة القيامة من مغتصبيها ، وكل عام والجميع بالف خير ، قام المسيح ... حقا قام .

  كتب بتأريخ :  الخميس 29-03-2018     عدد القراء :  864       عدد التعليقات : 0