بلدة القوش الى أين

كثيرة هي الأحداث التي توارثناها أباً عن جد تحكي تاريخ بلدتنا العزيزة. منها تهز كياننا وتعذب مشاعرنا لأنها كانت نكبات اهلنا في الماضي والحقت بهم اقسى العذابات والمآسي . وكثيرة هي تلك الوقائع سيئة الصيت ، لا احب تعدادها والتذكير بها ، ولا يسعني الآن الا أن اترحم اولئك الأبرياء واذرف دمعة حزن على ما تحملوه من اضطهاد وعذاب على ايدي الطغاة والحاقدين. وكثيرة كانت لهم وقفات رجولية وانسانية تستحق كل ثناء وتقدير وهي جديرة بأن نذكرها الآن ونمجد اولئك الأفذاذ الذين سطروا تلك البطولات وذادوا عن كيانهم واحتضنوا الكثير من اخوانهم وعرضوا انفسهم وقصبتهم الى عواقب جمة ومصير مجهول .

ويروي لنا من هم على قيد الحياة ــ اطال الله في عمرهم ـ والذين عاصروا واقعة ( سميل ) السيئة الذكر. ان البلدة كانت محاطة بالمدفعية وعلى اهبة الإستعداد لقصفها من جهاتها الأربعة. وبالرغم من تلك الظروف الصعبة ، الا أن آباءنا النشامى واجدادنا الكبار ، تمسكوا بكل معاني الرجولة والمبادئ الإنسانية وصمموا على حماية اخوتهم الآثوريين الذين التجأوا الى البلدة العتيدة القوش.

ولو تصفحنا بطون التاريخ قبل 1933 لنجد هناك العديد من النكبات التي لحقت بالمسيحيين بشكل عام منذ 1896 ومروراً بعام ( 1915 ــ 1916 ) نجد ان القوش كانت الأم الرؤوم لكل من التجأ اليها فقدمت له كل عون ومساعدة وسكن وحماية. وقد عايشنا الكثير من اولئك الأخوة في العقيدة ( مع كل الإحترام والتقدير للعقائد الأخرى ) أذكر بعض الأشخاص بعوائلهم امثال آدو وحنو وبنو وكينا وحنا ويلدا وايشايا وعوائل ارمنية وخامس وشبيرا وزيا. ماذا كان تأثير تلك العوائل على القوش سوى انها قدمت خدماتها البسيطة من نقل وتحميل  وبعض الحرف والأعمال الزراعية لكسب ارزاق عوائلهم. احياناً تلعب الصدف دوراً هاماً في كثير من المواقف . وبحكم عملي كمعلم كنت ادرس بعض التلاميذ في بيوتهم ، وبعد إنهاء المحاضرة ، كنت اتجاذب اطراف الحديث مع كهل او شيخ في البيت وخاصة من الأخوة الآثوريين . وبعد أن يعلم اني من القوش ، كان ينهض ويكل احترام وتقدير ، يشد على يدي مشيداً بدور القوش في حماية الذين التجأوا اليها وخاصة من الذين عايشوا تلك الظروف المأساوية التي اجتاحت قرانا المسيحية .

إذا كان تاريخ آبائنا واجدادنا يزخر بتلك المواقف الشجاعة والإنسانية بالرغم من امكانيتهم الضعيفة والمحدودة ، فما بالنا نحن الأحفاد اليوم نتمسك بمواقف سلبية ونمنع اخوتنا من المسيحيين الراغبين في تملك قطقة ارض او شراء سكن في القوش ، في حين نتغنى بالقوش أنها ام القرى ومصنع الرجال.

كم هو حريٌ  بنا ونحن نمتلك امكانات وقدرات افضل بكثير من آبائنا واجدادنا أن نفتح صدورنا ونمد يد العون والمساعدة لكل من يرغب امتلاك بيت السكن في قصبتنا وخاصة نحن في ظروف احوج ما نكون الى التجمع والتكاتف ونبذ العنصرية والطائفية ، لكي يكون جانبنا محترماً وصوتنا مسموعاً ويحسب لنا الف حساب وخاصة نحن اصحاب تاريخ عريق في هذه الأرض وهذا الوطن ( مع اعتزازي لكل المواطنين ) ثم نحن لماذا نسمح لأنفسنا أن نذهب لأي مدينة او قصبة او قرية لنمتلك ارضاً او بيتاً او نقيم مشروعاً او مصلحة لا احد يمنعنا ، في حين نحن نمنع اقامة حتى المشاريع والمصالح اذا كانت عائديتها الى الغرباء من اخوتنا المسيحيين.

كفانا هذا الإنغلاق والهجرة القاتلة تنخر في جسم امتنا وتأخذ شبابنا بتيارها الجارف الى مصير مجهول وهناك يكون البكاء وصرير الأسنان بعد قوات الأوان .. يمتهنون اسوأ الأعمال وأردِئها مفضلينها على العيش في بلدهم بكرامة وعزة نفس . وقد زرنا امريكا وبعض البلدان الأوربية وعاينا بعض اوضاع شبابنا هناك ــ هداهم الله ــ لا اقول اكثر من هذا. اذاً لنتحرك ونفتح أبواب قرانا وقصباتنا امام اخوتنا في الإيمان ليسكنوا ويتملكوا عسى  ولعل أن يكون هذا الموقف سبباً لإيقاف هذا النزيف القاتل الذي يؤدي الى ضياع الأمة بكاملها وليس اللغة والتراث وحسب . لنرجع الى صلب موضوعنا ونطرح سؤالاً : ما هو اصلنا ومنشؤنا نحن الساكنين القوش الآن..؟

حتماً يكون الجواب بأننا جميعاُ مهاجرون وعلى فترات متعاقبة ، عدا قليل من العوائل . إني من سكنة القوش القدامى . عائلتنا ( آل حلبي ) على سبيل المثال ، اصلها من باز وإسم قريتنا ( هركبوي ) في تركيا ولا ادري إن كانت باقية او مندثرة . وهكذا يا اخوتي ، ينبغي أن نذكر الأصول ونحتضن كل من يلجؤ الينا ليرتاح الآباء والأجداد في نومهم اللامتناهي .

وقد نشرت هذا المقال قبل سنين خلت ، واليوم انشره ثانية لإحساسي العميق بأن القوش إن بقيت على في اجواء هذه السياسة المنغلقة ، ستنكمش وتغدو قرية صغيرة ، إن لم اقل ستزول كما غيرها من القرى التي اندثرت وزالت عن الوجود . هذا ما لا تمناه لبلدتنا التاريخية التي احتضنت اخوة  لنا  من كل حدب وصوب على مختلف الحقب الزمنية من تاريخها المميز ومواقف ابنائها الإنسانية التي لا يختلف عليها اثنان .

  كتب بتأريخ :  السبت 07-04-2018     عدد القراء :  608       عدد التعليقات : 1

 
   
 


الاخ الفاضل ايليا حلبي المحترم بالحقيقة ولنا شواهد بعد مهزلة او كارثة غزو الكويت كان يجرنا اطراف الحديث مع بعض الاخوة عن ما سيحدث لنا (ك سورايي ) كما كنت اتوقعها فكان البعض يتهكم و يقول انت تستبق الاحداث او متشائم وكنت اتمنى ان يهجر كل السورايي المتواجدين في بغداد والمحافظات الجنوبية الاخرى والتوجه نحو بلداتنا في الشمال واصلا التي نزحوا منها قبلا ، فلو كانت تحققت امنياتي حينها فهل كان وضعنا سيصبح كما هو الان ؟ الان فقط يرقص طربا في حفلاته في الشتات مبعثرون ويا للاسف ؟