قراءة في رواية ( خان الشابندر ) يوتوبيا الخراب

براعة الروائي ( محمد حياوي ) ابدع في رسم تقاسيم الكابوس العراقي  , في ظل الاحتلال الامريكي . في الاسترشاف والاستقراء الموضوعي , من ينابيع الواقع المزري والمرير , في مستجداته الجديدة , في تسلط الاحزاب الدينية على مقاليد السلطة  , واطلاق العنان للميليشيات  الدينية المتشددة والمتطرفة , في تخريب البنية الاجتماعية , في المفاهيم والقيم التي سقطت في قاع الحضيض , مما جعل عصابات الجريمة والارهاب , ان تشدد في تدهور  الانفلات الامني , نحو التدهور الكبير , لتبقى هي مسيطرة على الشارع , لتخنق الحياة في الرعب والفزع , وجعل الخوف يجري في عروق الناس , وجعلهم دمى وألعوبة , للقنص والاقتناص والانتهاك . وخاصة على الشرائح الفقيرة , المعدومة والمسحوقة والمهمشة والمهملة , المحرومة من ابسط شروط الحياة , لتكون جزء من الخراب العام , وكذلك التشديد في انتهاك المرأة بالظلم والانتهاك والاذلال . هذه المفاهيم الجديدة ,  التي جاءت مع الاحتلال الامريكي , بمباركة الاحزاب الدينية الحاكمة , التي دفعت الى العنف باقسى  اشكال  الخراب  , نحو اشعال الحروب الاهلية الداخلية . مما برزت ظواهر جديدة في ممارسة العنف الدموي , في الواقع اليومي , تحت مظلة الدين والفضيلة . هكذا تجسدت مضامين  المتن الروائي لرواية ( خان الشابندر ) التي ترجمت التراجيدية الخراب العراقي  , في لوحة العنف الفنتازي . في صورة اليوتوبيا الدمار  .

لاشك ان الروائي ( محمد حياوي ) تألق في في اسلوب ومنهجية  النص الروائي ,  في مزج الواقع والخيال , في وعاء واحد , لتخرج منه منصات السرد / الحكائي , في الحبكة الفنية القديرة  , في اسلوب فني متقن بتقنياته الابداعية  , الفنية والتعبيرية , وفي  ادارة دفة مسار الاحداث بتقنية منتظمة ومتناسقة . وفي تحريك شخوص الرواية , ان تتحرك بالفعل المأزوم , نتيجة لشظايا  الازمة العامة ,  التي اجتاحت  الحياة والوجود  . في واقع يعيش تحت وطئة  الانفجارات الدموية اليومية  . والحرية المطلقة لعصابات الجريمة والارهاب .

× ×  المتن الروائي يشير الى  مغترب عراقي ( علي موحان ) كاتب وصحفي . يزور بغداد بعد غياب اكثر من عشرين عاماً . وخلال تجواله في مناطق بغداد القديمة , يواجه فعل  الصدمة العنيفة , للخراب المروع للواقع والمحطم والمزري , في السقوط الى  الانحطاط في القيم  , التي اصابت  العراق في منحره ,  في ظل الاحتلال الامريكي . في واقع يعم به الخراب في كل مكان  . ليجد فظاعة الواقع المعاشي المتدهور الى اسفل درجات البؤس  والفقر المدقع , ليجد الحزن المؤلم على وجوه الناس .  .  يأخذه صديقه الى قلب بغداد منطقة ( الحيدرخانة ) التي تحولت الى خرائب , وبيوت قديمة أيلة للسقوط , وبقايا خرائب شاخصة تبكي زمنها الراحل , مثل ( خان الشابندر ) , في الوقائع تصويرية  , ويعتزم اجراء بحث اجتماعي وصحفي لواقع دور الدعارة , والاطلاع على الجوانب الاجتماعية لبنات الهوى , ويلتقي في احد دور الدعارة العائدة  الى ( أم صبيح ) ليعرف عن قرب هواجس احلامهن وتطلعهن الى الحياة , وكيفية بيع الجسد لكل شاري  ( - أنا .. أريد ان اعمل بحثاً اجتماعياً .

- ماذا تقصد ببحث اجتماعي ؟

- كنت مراراً من هنا صدفة , فاقترح صديق لي الدخول الى البيت والاطلاع عالمكم .

ضحكت ضحكة خافتة وقالت معلقة

- عالم الفضيلة تقصد ؟

- لا . عالم القصص الحزينة والاحلام المحبطة والامنيات الذابلة ) ص26 .

وخلال انصهاره بالاحداث الغرائبية للواقع المعاشي والمزري الذي يتعايشه يومياً , تجسدت له  بوضوح كامل مشاهد البؤس , المشحونة في مأساة الواقع المرير .

×× اهم شخوص الرواية :

× نيفين : صديقة ( علي موحان ) صحفية وتشتغل معه في الجريدة , وتعتني به بشكل خاص . سافر زوجها مع ابنها الى استراليا كمهاجر وتركها وحدها , التي رفضت السفر بسبب امها المريضة والمسنة , لقد فضلت البقاء على السفر الى استراليا  .

× ضوية : كانت في عمر 13 او 14 سنة , تتفاجئ  في احدى  الليالي , بأن والدها يريد اغتصابها بالزنى المحرم , واجرم بفعلته الشنيعة , وترك ابنته في رعب وشلل مروع  , وجدت نفسها تسيل منها الدماء بين فخذيها ,  وكتمت الامر بدواعي الخوف والرعب , واعتقدت أمها ان الدماء نتيجة العادة الشهرية , لكن والدها واصل فعل  الاغتصاب بالفحشاء الزنى  لمدة اربعة شهور , وحين ظهرت عوامل الحمل , وخشية من الفضيحة , اوصى امها ان تأخذها الى بغداد وتتركها هناك للقدر . اجهضت وتنقلت بعد ذلك في بيوت الدعارة . حتى استقر بها الحال في بيت ( م صبيح ) .

× هند : مدرسة جغرافيا . قتل زوجها في انتفاضة عام 1991 , من قبل رجال الحرس الجمهوري . وظلت تتنقل في الحياة الصعبة والبائسة مع ابنتها , . وبعد الاحتلال الامريكي عملت كمترجمة , وتعرفت على احد الجنود النيوزلانديين  , وعدها بالمساعدة على الهجرة الى نيوزلاندا . لكن سوء الحظ انتقلت وحدة الجندي النيوزلاندي . وضاع الوعد . وفي احدى الليالي ,  دهم بيتها رجال المليشيات . واقتادوها الى مكان الاعدام بتهمة جريمة  التعاون مع المحتل . وهناك استطاعت ان تفلت من حكم الاعدام . وتنقلات في العمل في الفنادق ودور الدعارة . حتى وصلت الى  بيت ( ام صبيح ) .  ارتبطت بعلاقة حميمة مع الصحفي ( علي موحان ) ووجدت فيه ضالتها المنشودة والغائبة . الذي يمكن ان  ينقذها من هذا البئر الخسيس , الذي وقعت فيه , في بيع جسدها لكل شاري ( لا أكره الرجال . أنا لست معقدة صدقني . أنا فقط أنتقم من جسدي بالنوم مع هؤلاء الحثالات , لانه سبب لي جميع تلك المآسي واصلني الى هذه الحال ) ص35 . هذه مرارتها من واقعها المزري , لكنها تظل متعللة بحب الحياة والامل  . لكي تتغلب على خساراتها وانكساراتها الحزينة, في الانتقام من الجسد بهذا الاذلال وبهذه الطريقة ( ألم أقل لك ؟ هذا الاذلال الذي قصدته , حتى تصدقني عندما اقول لك اذلال ) ص38 . لانها عانت بمرارة البؤس والاحتقار والاذلال. فلم تجد الرجل الذي يسمع ندوب شكواها ,  ويحترم آهاتها ومشاعرها  . لذلك وجدت الاحترام والعاطفة الملتهبة بالحب من ( علي موحان ) لذلك اطلقت   طيور احلامها لتغرد . وتجد نفسها في عاطفة جديدة ترقص في قلبها زهواً , انه  يعاملها باحترام , الذي  فقدته منذ سنوات طويلة , فكان الرجل يعاملونه كحيوانة متعة جنسية , ويفرغون سمومهم ويمضون دون مبالاة , لذلك فأن ( علي موحان ) ايقظ كرامتها التي دفنتها منذ اعوام طويلة , واعاد بريق احلامها المشتهاة . لكن رغم هذه الانفعالات الاحلامية التي تداعبها وتراقصها , تواجه الخشية الحزينة  في اعماق وجدانها  , تشعر بالقلق والخيبة , قد تنطفئ هذه الانوار , لذلك تبوح له بالخوف من الاتي الذي قد  يخطف احلامها (  ان احببتنا لو بعض الوقت . لن نتركك تغادر سالماً ) ص8 . وتفشي عباراتها القلبية ,  تدل هي من اعماق هواجسها   ( - لكننا سننقذ روحك من الغرق والتحطيم .

- اي غرق ؟

-  الغرق في الحياة الفاسدة , حيث يلتهم عقلك وروحك , ولكن مع ذلك سنحبك , كما لم يفعل احد من قبل ) ص8

× زينب بائعة الكعك : الطفلة بعمر 13 او 14 سنة , تعيل اخوتها الاربعة الصغار , بعد وفاة والديها , فظلت وحدها تكافح في سد رمق الجوع عن اخوتها الصغار , وفي دواخلها تحلم ان تذهب الى المدرسة مثل الفتيات بقدر عمرها  . لكن القدر خطفها وهي حانية على قبر امها , بقذيفة صاروخية عشوائية سقطت في داخل المقبرة , لتحولها الى اشلاء متناثرة .

× ابو حسنين المصري : مصلح الفوانيس والمدافئ . جاء من مصر بحلم كبير في العيش بحياة كريمة في العراق . وسكن في القرية العصرية ( الخالصة ) التي أنشأها صدام , للاخوة الفلاحين المصريين , في مدينة ( الخالص ) . قتل ابنه في قادسية صدام , ثم ماتت أمه حزناً وكمداً على  ابنها . فظل وحيداً فاقد الامل , كل امنيته ان يدفن قرب عائلته .

× اخلاص ( لوصة ) حلمها ان تتطهر في النهر وتغسل خطاياها , وهي تساهم مع الاخريات في اعالة الايتام , من مهنة الدعارة . وتحلم بحياة خالية من العنف والدماء . وهي تشتغل في بيت ( ام صبيح ) ومرة جاءها شيخ مسن  ملتحي , من عصابة ( ملا جليل ) , اراد ان يشبع شبقه الجنسي . فقال لها , بأنه يريد جماعاً شرعياً وحلالاً , فجلس على الارض وطلب منها تردد وراءه فقال ( زوجتك نفسي أنا العاقلة الراشدة . لوصة بنت مجر , على مهر معجل قدره دينار , ومؤخر قدره عشرة دنانير , ترددت وراءه . قال . الآن اصبحتِ حلالي , انزعي ثيابك , فخلعت ثيابها , اما هو فاكتفى برفع جلبابه الى الاعلى ونام فوقها , تقول لوصة . ما ان لامس عضوه فخذها حتى اطلق شخيراً طويلاً , ونهض معيداً جلبابه وقبل ان يخرج . قال لها أنتِ طالق بثلاثة يا لوصة بنت مجر , وخرج فنادت وراءه الملعونة, والمؤخر يا شيخ ؟ ) ص111 .

× عصابة ملا جليل : العصابة الدينية المتشددة , التي تفرض الجباية والفدية  من الاهالي , في سبيل بقاءهم احياء يرزقون . وفرض ضرائب على بيوت الدعارة لتعمل شرعاً تحت حمايتهم , بدفع ضريبة ( الفرج ) .

×  تتارع الاحداث الدراماتيكية  في بتنازع العصابات على مراكز نفوذ المناطق . ويتم طرد عصابة ( ملا جليل ) من منطقة ( الحيدرخانة ) وتحل عصابة دينية اخرى ,  متشددة بالتطرف  . وفي زيارة ( علي موحان ) الى بيت ( أم صبيح ) يجد الجريمة الدموية المروعة امامه  في بشاعتها الهمجية  . فقد هجم رجال الميليشيات على البنات , بالسكاكين والسواطير الطويلة , في ارتكاب جريمة الذبح . توسلن وبكين بالرحمة بهن . ولكن فعلوا جريمتهم الوحشية الخسيسة بقتل ( هند . ضوية . اخلاص , ام صبيح ) . بقطع رؤوسهن وتعليقها على الجدران , بكل خسة ودنائة همجية , مخالفة حتى  لشرائع السماء الدينية ,  حتى السماء احتجت بغضب , وذرفت دموع المطر لثلاثة ايام متواصلة ( جسدي طازج مثل اوراق الحناء . اخضر من الخارج , لكنه لحم نيئ من الداخل / رحيلة موسكا . شاعرة افغانية شابة . قتهلها  رجال طالبان ) . هؤلاء الوحوش الذين يرتكبون الجرائم المروعة , بأسم الدين والفضيلة , في هذه الظلامية المتشددة والمتطرفة , يدفعنا الى التساؤل الوجيه , منْ هو اقرب الى الفصيلة . رجل الدين الذي يمارس العنف الدموي , في القتل والذبح و ويهدد الناس بالموت والرعب ؟ أم العاهرة التي تحمل مأساة انسانية , وهي ضحية المجتمع الظالم , الذي دفعها الى طريق الفحشاء ؟ وهي تحمل الجور والاهانة والاذلال والتهديد بالقتل ؟ . منْ المسؤول عن الرعب الفنتازي الاحزاب الدينية ؟  أم العاهرات المسالمات ,  لا يملكن سوى بيع الجسد ؟

× رواية ( خان الشابندر ) الروائي محمد حياوي

× اصدار : دار الادب . بيروت

× الطبعة الاولى . عام 2915

× 175 صفحة

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الخميس 12-04-2018     عدد القراء :  416       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
حفلة زواج الشاب الوسيم غزوان بطرس إيشو السناطي والشابة الفاتنة وسن مارخال توما في تورنتو كندا
في الرابع عشر من تموز الجاري2018 من يوم السبت عقد قران العروسين غزوان بطرس إيشو السناطي ووسن مارخال توما ف...التفاصيل