مرثاة الى فقيد العلم والتاريخ يوسف حنا شبلا

فقدت بلدتنا الحبيبة القوش واحداً من ألمع ابنائها، اثر مرض عضال في مدينة تورنتو الكندية، والذي وصل اليها قبل سنوات مغترباً. في اواخر ستينات القرن الماضي كنت طالبا في ثانوية القوش، عندما وصل يوسف حنا من لندن حاملاً شهادته في الهندسة الكهربائية، دخل مبنى الثانوية الكائن في بناية شيشا كولا، رأيته للمرة الاولى شاباً وسيماً، فارع الطول، وفي مقتبل العمر، فهرع لاستقباله بالحفاوة الكبيرة مدير المدرسة والمدرسين، ومما ذكره احد مدرسينا في الصف عن هذا الشاب، بانه تخرج من هذه الثانوية وكان الأول على طلاب دورته، وقد اهله ذلك النجاح لضمه في بعثة دراسية الى لندن، ومع زميله الآخر سعيد يوسف اسطيفانا، وذلك في عام 1961.

صار يوسف يأتي كل يوم الى مبنى الثانوية، ويطلب من الادارة ان يحاضر في الصفوف المتقدمة، يذكر ذلك الكثير من الطلبة حتى اليوم، بانه كان متمكنا جدا في كل المواد التي يدرسها الطلبة، ويطلب منهم توجيه اي سؤال يخطر ببالهم، ليس في الدروس العلمية بل في الادب والشعر والتاريخ واللغات، فكان اهلاً لكل ذلك، وضرب مثلاً في سعة علومه وحذاقة فكره.

من دورتنا كانت تدرس تلميذة مهذبة محترمة في القسم الادبي واسمها كوزي يوسف، وموقع بيتها قريبا جداً من بيت يوسف في محلة سينا، كان يعرفها قبل ان يذهب الى لندن، وعند عودته وقع اختياره عليها، فخطبها ثم تزوجها لتكن ام اولاده وركن بيته المقبل.

كنت اطالع باستمرار اسماء الطلبة الاوائل في لوحة الشرف المعلقة في ساحة المدرسة، وكان اسم يوسف في أعلاها. تعين في بغداد ولم يطل الوقت، حتى برز في مديرية الرعاية العلمية، التي كان يرأسها الاستاذ الشهير وابن الموصل: كامل ادهم الدباغ، كان لكامل الدباغ برنامج اسبوعي يعرض من تلفزيون بغداد كل اربعاء، واسمه" العلم للجميع" هذا البرنامج استمر من عام 1960 وحتى 1994، كان البرنامج باستمرار يستضيف المتفوقين والمخترعين واصحاب المواهب، وكان يوسف في مقدمتهم، وصارت الناس تألف مشاهدة يوسف حنا مع كامل الدباغ. ايضا ترأس الفقيد كامل الدباغ تحرير مجلة علمية رصينة اسمها( العلم والحياة) . في عام 1969 ان لم تخذلني الذاكرة، وقع بيدي عدد منها جلبه خالي يونس من بغداد، فرأيت مقالاً منشوراً بإسم يوسف شبلا وعنوانه( المياه المغناطيسية) فرحت اقرأه وانا ازداد اعجاباً به، ثم ناولت المجلة لزملائي الطلبة لكي يطلعوا على المقال، ومنهم زميلي وجاري المتفوق في صفنا نشأت يوسف توسا.

تواصلت حياته في بغداد للسنين اللاحقة، وفي العشرين سنة الاخيرة وربما اكثر، صارت له ابحاث في تاريخ بلاد الرافيدين، وصرت اطلع عليها منذ مطلع هذا القرن عن طريق إبنته المتزوجة في النرويج عن طريق الأيميل، كانت ابحاث عميقة وجادة استندت على مصادر تاريخية وعلمية مشهودة، طور افكاره تلك ولخصها في كتاب:

عنوانه: كلكامش- اتورا- بيروت- شام

المؤلف: يوسف حنا شبلا

الناشر : مكتب انكيدو للتنضيد والطباعة

عدد وقياس الصفحات: 100 صفحة

تاريخ الاصدار: ايلول 2004

عن الكتاب كُتب ما يلي:

يعتبر كتاب كلكامش اتورا اول كتاب يتناول دراسة الاسماء الرافدينية القديمة بافتراض تأثيرات  سومرية إلى جانب الأصول الأكدية اذ ترجمت بعض الأسماء بطريقة غير دقيقة لاسباب مختلفة اهمها وجود اصوات و بالتالي حروف في اللغة الاكدية و شقيقاتها دون ان يكون لها مقابلات في السومرية او في اللغات الاوروبية  ويأتي هذا الكتاب ليحاول الوصول الى اللفظ والمعنى الصحيحين لتلك الكلمات وما كانت تعنيه لهم في ذلك الوقت بالاستعانة بالرواسب اللغوية في لهجة القوش . ومن بين الكلمات التي يتطرق اليها الكاتب اسم البطل كلكامش و آشور و كلدو  و كردو و الشام و سوريا و  وبيروت و اسماء ملوك كلدو و اشور و اعلام رافدينية اخرى  من حيث اللفظ الحقيقي لها و معانيها . ونلاحظ ان للكاتب وجهة نظر مختلفة حول القوش و ما تعنيه، ومن كان سكانها الاصليون، ان ما مكن الكاتب من تأليف هذا الكتاب هو المامه  الجيد باللغات العربية والسريانية و الإنكليزية وتقصيه ما يستجد عن حضارة وادي الرافدين.

ملاحظة:  الكتاب باللغتين العربية و الانكليزية في غلاف واحد.

كتب مقالات بحثية هامة ونشرها في الانترنيت خصوصا بعد استقراره في تورنتو منها:

عروض الشعر العربي، هل آدم لفظة سامية ام سومرية، حضر مدينة الشمس المسوّرة، اورشنابي، سنحاريب ملك الجهات الاربع، كلكامش- كالخو- آثور، القوش، هل انت سومري؟ كربلاء، تسقوبا، بيروتشام، الاله تموز، كورد، آثور، كلدان، شروكي، اصل كلمة بابل بين تفاسير الباحثين ونصوص الكتاب المقدس.

تلك كانت شذرات من تركة الرجل، اضافة الى عائلة رائعة امدت الحياة في اسر عديدة تتوزع في مختلف بلدان العالم، عزائنا في سيرته وما انجزه فيما عرفنا به او لم نعرفه. نبعث بتعازينا الحارة الى ذوية في المقدمة عائلته واولاده واحفاده واخويه خصوصاً صديقي جرجيس، وكذلك كل اصدقائه ومحبيه وتلامذنه ومحاوريه في مشارق الارض ومغاربها. الموت ضريبة الحياة لابد من ادائها لكل الأنام، والبقاء لله وحده.

كاليفورنيا في

13- 4- 2018

  كتب بتأريخ :  الجمعة 13-04-2018     عدد القراء :  416       عدد التعليقات : 0