قراءة في رواية ( بابل الفيحاء ) الروائي برهان الخطيب

يستند البعد الروائي على جملة مقومات اساسية , تتجسد فيها صورة  الواقع العراقي ,  بأطيافه السياسية وتنوعاته الاجتماعية , التي تعطي سمات التعبير الدالة , في خضم صراعها الاجتماعي والسياسي , وهي ترتشف منصات  الواقع الفعلي , في شواهده وبراهينه المتحركة والفاعلة على رقعة الواقع ومساحته الزماكانية  ,  تجسدت في المنظور الروائي , في براعة الخيال الروائي الفني , الذي برع في تنسيق وترتيب الحبكة الفنية ,  وتقنيات الفن السردي , وتطبيقاته على هذه المجسدات البارزة والظاهرة , في تطور الفعل الروائي , في دراماتيكيته المتصاعدة نحو  ذروة الفعل  السردي المتصاعد  . في ابراز ماهية الصراع السياسي والاجتماعي القائم  , ان النص الروائي , اهتم بشكل بارز في متابعة وملاحقة أدق التفاصيل الدقيقية , في حياة ونشاط شخوص الرواية البارزين , في درامية الواقع اليومي الفعلي  , وكشف الحالة المعاشية , والحالة  المتسلطة  عليهم , في تعقبهم وملاحقتهم في نشاطهم السياسي والشعبي , في في عدسة الترصد والملاحقة  والمطاردة البوليسية  المزرعة  حولهم  , التي اسلوبها القمع والمطاردة , من اجل اخماد  اي بادرة سياسية او فعل او تحرك جماهيري مضاد للسلطة الحاكمة ,  ويصب في صالح  معارضة السياسية  ,طالما الصراع قائم على  تحجيم دورها , وابعادها قسراً عن الشارع الشعبي , او شل تحركاتها  , لذا وجدت الحكومة الملكية وسيلة  في تشديد القبضة الحديددية البوليسية , في القمع والتعسف والاضطهاد , لتحقيق غاياتها  . ان  ميزة الروائي ( برهان الخطيب ) الاشتغال على تجسيد وتصوير الواقع في  بانوراما الحياتية , بحالتها  الاجتماعية والسياسية . كما جاءت في تفاصيل المتن الروائي لرواية ( بابل الفيحاء )  في ابراز تداعيات الصراع السياسي الناشب , بين الحكومة الملكية , والمعارضة الحزبية والسياسية آنذاك  , التي يتقدمها  التيار اليساري  , في صراع متعدد الجوانب . في التسلط  والاستغلال والاستلاب والقمع  , حتى تكون كفتها هي  الاقوى تضرب بشدة من يقف في وجهها  , وهي لم تتوانى في توظيف الاعلام  المنافق والمخداع بالتضليل والتحايل  . اما من جانب المعارضة السياسية , تعمل على تفعيل الديموقراطية والدفاع عن الشرائح الفقيرة والمعدومة وحل مشاكلها المعيشية  , والعمل على استقلالية الوطن من الاستعمار الاجنبي , تفعيل مطاليب الشعب ,  في الخبز والحرية , لذلك تواجه القمع والمطاردة والملاحقات البوليسية  , في البطش والتنكيل , وفي اصدار  الاجراءات المتشددة , للحد من الافعال الجماهيرية ,  في اخمادها واضعافها وشل تحركاتها  . ضمن هذا الوضع المتأزم , تضع الحكومة الملكية , العصي والعثرات , حتى لا يتفجر  الهيجان الشعبي , ويهدد وجودها . هذه الخطوط العامة في النص الروائي , وهو يتناول تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق السياسي آنذاك في عهد النظام الملكي . في احداثه السياسية العاصفة , في ألغاء الانتخابات النيابية , بذريعة فوز الجبهة الشعبية المعارضة في عدد من المقاعد النيابية , وتهيئة المناخ السياسي  لعقد حلف بغداد , لذلك استدعوا رجلهم الامين ( نوري السعيد ) في ترتيب البيت السياسي  العراقي , في تشديد القبضة البوليسية, والهجوم الشرس على المعارضة السياسية , وتحمل عبئها الثقيل والمجحف من الاجراءات القمعية المتشددة , التيار اليساري , بالهجوم عليه , وخنق قاعدته الشعبية وحصارها , وخاصة النشاط الطلابي السياسي , في التنكيل والطرد والفصل وفتح السجون . مثل اجراءات الولاء والبراءة , للنشطاء السياسيين من الطلبة . بأنهم  يواجهون الطرد من مقاعدهم الدراسية والوظيفية , اذا لم يعلنوا البراءة من العمل السياسي والتخلي عن المبادئ ( الهدامة ) وتكتب اعلانات البراءة  في الجرائد   , من اجل مواصلة الدراسة او العمل الوظيفي . هذه هي مكونات الاساسية في المتن الروائي ,    وكان  خبز  تفاعل هذه الشخوص المحورية في نشاطهم السياسي واليومي  . وهذه الشخوص في  الرواية , تحمل وجوه عراقية فعلية  , وهي شواهد وبراهين على الظلم الاجتماعي والسياسي الذي كان سائداً  آنذاك , وظف  الروائي  مدينة الحلة ( بابل الفيحاء ) ماهي إلا صورة حقيقة للعراق الكبيرة  , من كل الجوانب والميادين .

    ×× اهم شخوص الرواية :

× سالم عبدالستار : معلم اللغة الانكليزية , تم تعينه بامر صادر من الارادة الملكية . يردد عبارته المأثورة بسبب اوبدون سبب ( سماوات ) , مشرد الذهن والفكر في مواقفه السياسية المتهاونة , التي يحاول من خلالها ارضى ازلام النظام الملكي , خشية من فقدان وظيفته التعليمية , وهي مصدر رزق عائلته , لذلك نجده مضطرب ومتردد في المهادنة والمساومة , لكي  يبعد الشر عنه , وخاصة ان جلاوزة ازلام النظام الملكي , تراقب وترصد تحركات وافعال ومواقف عامة الناس , انه  باختصار يداري خبزته لا حباً بهم , وانما خوفاً من العواقب الوخيمة , وخاصة وان رتبه الوظيفي , يطير بجناحيه على الدائنيين في اول ايامه الاولى   . رغم عطاء  زوجته ( شريفة ) تقوم بدور المساعد في اعالة العائلة , من خلال عملها في البيت , في حلاقة النسائية والخياطة . وتقوم بمهمة  اطفاء نيران الغضب  انفعالات زوجها الهائجة والمنفلتة , في عصبيته الانفعالية , فتقوم بدور التبريد بصبر وحكمة . وخاصة بما يخص شقيقه ( صلاح ) طالب كلية  وفي سنته الاخيرة , الذي يعتمد على المساعدة المالية من شقيقه الاكبر( سالم ) لذلك يثور عليه بدواعي الحرص وبعد الشر عنه  , ولا سيما وهو شخصية سياسية معروفة ,  شعبياً وحزبياً, ويعتتقد ان تصرفات شقيقه الاصغر ( صلاح ) عبثية ومجنونة  , كمن ينطح رأسه في الجبل  , هكذا يعتقد بالنظام الملكي فيه القوة  المناعة والحصانة في ديمومة   , طالما مصير الناس والعراق تحت تصرفهم   , فلا يعتقد بأي  تغيير يحصل في  اضعاف الحكومة , وزرع هذه التقولات في ارغام الحكومة ان تسمع صوت الشعب , هي   من الاوهام الصبيانية , التي لا تجدي نفعاً , سوى الضرر على نفسها , وان المعارضة السياسية واحزابها ,  تشكو من  الضعف وعاجزة في مقارعة النظام الملكي ,  ولهذا  يماشي ويساير ويهادن ازلام النظام وجلاوزته , حتى يبعد الشر عن بيته وعن شقيقه ( صلاح ) , حتى لايقع في قبضتهم ,  ويخسر مستقلبه الطلابي .

× مزعل : الانسان الكادح البسيط , يمثل البساطة والتواضع في الشخصية العراقية , المعذبة بهموم الحياة والواقع المجحف الذي لا يرحم . يجد نفسه محطماً  وسط المشاكل العويصة التي تحيط به وتلدغه بمخالبها   .  ويعتقد بأنه معلقاً ,  بين الارض والسماء , يخدم في بيت الاقطاعي وعضو مجلس النيابي ( ذياب القصير ) . يرتبط بعلاقة حب قوية مع ( شمسه ) التي تعمل  في بيت هذا الاقطاعي , ويحاول ان يعبر عن حبه وعواطفة , في كل سانحة يقتنصها  , ويتعاطف باخلاص في محنتها الحياتية , بأن حياتها مسلوبة وتحت رحمة هذا الاقطاعي الوحشي , الذي لم يتواني في ضربها ومعاملتها بالقسوة والخشونة  , حتى تكون طيعة تحت رحمته بأن يجعل حياتها جحيم من  المخاوف والقلق  , حتى تكون طيعة وسهلة   الانصياع ,   حتى يحقق مآربه الخبيثة  بالفعل الفاحش الاغتصاب   , طالما هي  رهينة عنده  , وليس لها حول ولا قوة  , تمنع من ارتكاب  الفعل الفاحش , لذلك يبدي ( مزعل ) مخاوفه وقلقه شديد  , ويحاول عدة مرات اقناعها بالهروب معه , والتخلص من هذا الجحيم , قبل ان يرتكب فعلته الشنيعة بالاغتصاب ( - شمسه الى متى تظلين حبيسة هذا المطبخ ؟! لا لحظة تمر دون . اسكتي يا شاة جاء الذئب . اسكتي جاء القصاب ) طال صمتها واضاف مزعل :

( - من يسكت على هوان لا يستحق الحياة والله .. )

فقاطعته شمسة بضراعة :

( - وماذا يفعل مقيد بحديد ومفتاح قيده ليس بيده .... )

( - يكسره .... )

( تنكسر يده قبل ذلك ! ) ص 94 . . وهو يساري في بساطته الفلاحية ,  مؤمن بالفكر اليساري , لذلك لم يتردد ان يطرق في كل محاولة مسألة الهروب , وهي السبيل الوحيد للانعتاق من هذه القيود الجهنمية , والتخلص من هذا السجن الرهيب , قبل ان يرتكب فعل الاغتصاب , عندها ستندفع  الامور الى الاسوأ , عندها لم يقف مكتوف الايدي , سينتقم لها  ( - اقول لها , شمسه عيوني خلينا نرحل ... تقول اهلي سيلاحقوننا الى جزيرة الواق واق . اقول لها أخليك بين جفني وعيني ... تقول لي : العيش في خوف طول العمر من عدنان ( شقيقها ) أو غاسل عار اخر ترسله العشيرة وراءنا لقتلنا ليس هو الحل . ) ص145 . وان اهلها رفضوا طلب زواجها منه . واخذ الاقطاعي يشدد من معاملته الوحشية  في الضرب المبرح  والاهانات . فتتصاعد انفعالاته الغاضبة بالهيجان , حين يجد عينها متورمة ونزيف الدماء في وجهها  ( - والنتيجة ؟! احرق بيته ؟ أقتله لولا بقية من شفقة في نفسي عليه , فعلتها والله ) ص 146 . واخيراً يقنعها بالهروب بعدما وجدت لا مناص من ذلك . وهربا الى البصرة , وهناك تزوجها شرعاً في المحكمة , واصبحت زوجته الشرعية , لكنهما ألقيَ القبض عليهما في وكر حزبي , وبتهمة ملفقة دبرها الاقطاعي ( ذياب القصير ) بأنه سرق الف دينار .  ويزج في السجن .

× شمسه : المرأة العراقية التي ترزخ تحت كاهل الظلم والطغيان الاجتماعي وموروثاته الدينية , التي تعتبر المرأة عورة , او بضاعة جنسية , فتعاني الاضطهاد والحرمان . وتعيش معاناة مجحفة لا تطاق في بيت الاقطاعي ( ذياب القصير ) كرهينة في بيته حتى تسديد ديون والدها .  تعيش جحيم المعاناة , فهي مسلوبة ومهضومة , كأنها تعيش حياة الرقيق والعبيد في الازمان السحيقة السالفة  ( ما زلنا نعيش في بابل القديمة , وايامها حين تحول بنين وبنات الى عبيد لعجز آبائهم في دفع ديون ! ) ص146 . تأكلها الهواجس المخيفة في هذا السجن المظلم , وتتردد من الانصياع الى ارادة حبيبها ( مزعل ) الذي يحثها على الدوام في الهرب والعيش سوية , ولكنها تخشى من العواقب الوخيمة التي لا ترحم , وخاصة ان سلطة ونفوذ الاقطاعي ( ذياب القصير ) قوية  يفعل ما يشاء وما يريد  , طالما السلطة محبس في يديه . ويتصاعد اسلوب المعاملة   في السلوك الهجين , ويعبر عن رغبته في الاغتصاب , طالما هي سلعة تحت قيوده ( ( - بكارتك يا رعناء قيد ويمكن استعادتها فيما بعد بعملية خياطة بسيطة أتكفل بها ) ص155 . . فلا مناص من محاولة التهرب والتوسل والبكاء , فأن عملية الاغتصاب ستتم غصباً عنها عنوة ( الله يطول عمرك عمي ... استر علي َّ يستر الله عليك ) ص 143 , ووجدت انها لايمكن ان تظل ان تقاومالى الابد  , طالما شبقه الجنسي اخذ يتزايد في جنونه , في انتهاك شرفها . ووجدت السبيل الوحيد هو الهروب مع حبيبها ,لتدع الايام تفعل بها ما تشاء . وهربت مع  حبيبها ( مزعل ) وتزوجت شرعاً في المحكمة , لكن سوء الحظ العاثر , ألقيَ القبض عليهما , وخوفاً من ان تكشف محاولات في الاغتصاب والمعاملة الوحشية , دبر الامر مع معاون الشرطة , ان يرجعها الى قصره ويرميها بالسرداب تحت قصره , بالسرية والتكتم الكامل

× صلاح : الطالب في السنة الاخيرة في الكلية , شخصية سياسية معروفة على نطاق  في الاوساط الشعبية والحزبية , من التيار اليساري . مناضل ملتزم بقوة في  المبادئ التي يؤمن بها , ويعتقد بانها خلاص الناس والشعب والوطن , بتوفير الخبز والحرية , والدفاع عن المحرومين والمظلومين , وحل مشاكلهم الحياتية العويصة , يتعرض الى  الاضطهاد والملاحقة والمطاردة والترصد البوليسي . لذلك يتنقل بالبيوت الحزبية السرية ,  في التخفي والتنقل . انه خلية دؤوبة من النشاطات الشعبية والسياسية , في تأجيج المعارضة السياسية والشعبية , في معارضة اجراءات الحكومة القمعية , التي ألغت الانتخابات النيابية  , لان الجبهة الشعبية المعارضة فازت بعدد من المقاعد , رغم التزوير والاحتيال , لهذا السبب  شددت الحكومة في قبضتها الحديدية , في اجراءات فصل الطلبة من دراستهم , وفصل الموظفين من اعمالهم , في  , ولا يقبل الطالب في مواصلة دراسته وخاصة النشطاء السياسيين بين الطلبة , إلا بعد  اعلان البراءة من العمل السياسي ومن المبادئ ( الهدامة ) ويعن الولاء والطاعة للحكومة والملك , وتنشر البراءة في الجرائد ( - أعطوا بموجبه مهلة الى المفصولين والمحكومين لاعلان التوبة, اي لنشر براءة في الجرائد , وكل من لا يقدم التعهد المطلوب خلال هذه الفترة يلقي القبض عليه .. ) ص299 . ورغم الضغوط الهائلة من شقيقه الاكبر ( سالم ) في اجباره على كتابة اعلان براءة , من اجل اكمال سنوات دراسته , والتفرغ الى مستقبله , حتى يبعد شبح الفقر والتشرد والمطاردة والتخفي , والبيوت السرية , لكنه يصر على موقفه الفكري والسياسي بالرفض القاطع , وانه فخور بعمله السياسي بالاعتزازوالفخر  ( هذا يؤكد قولي . . العراقي يفضل تقديم رأسه للقطع على تكنيسه لاحد . بأعلان البراءة والولاء . كيف يسمونه بالضبط , يجعلون المعلن بلا افتخار برجولته أمام نفسه وغيره . قل لي من يرضى بأتيان فعل قسري غير مسكين ونقضان ؟! ) ص324 . . مما حدى بشقيقه ( سالم ) ان يكتب بنفسه دون تخويل  منه  , او استشارة احداً حتى زوجته ( شريفة ) التي تدفعه في كثير من الاحيان الى الصواب والحكمة . ان يكتب اعلان براءة  , وينشرها في الجرائد , وهي عملية تزوير لارادة شقيقه ( صلاح ) , مما دفع شقيقه الى القطيعة  , بأن يحعله مسخرة ومهزلة في الاوساط الشعبية والسياسية والحزبية , لذلك سارع الى تكذيب اعلان البراءة في الجرائد , وفي الاخير يعترف شقيقه ( سالم ) بغلطته الفادحة ويعتذر له عن الخطأ الذي ارتكبه ( ربما أنا غطان يا صلاح بحقك ) ص 374 . ويظل مستمر بمواقفه السياسية الطلبة في الالتزام بالمبادئ والعمل السياسي , رغم هذا فأن حياته  لا تخلو من المغامرات في الحب والنساء , لذلك يتندر عليه اصدقاءه بقولهم ( حضرتك روميو أم مناضل ) ص131 .

× رواية بابل الفيحاء

× المؤلف برهان الخطيب

× الناشر : أوراسيا للنشر والتوزيع . ستوكهولم . السويد

× عام الاصدار 1995 الطبعة الاولى

× عدد الصفحات 388

× التصميم والرسوم : فيصل لعيبي

  كتب بتأريخ :  الأحد 29-04-2018     عدد القراء :  328       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
حفلة زواج الشاب الوسيم غزوان بطرس إيشو السناطي والشابة الفاتنة وسن مارخال توما في تورنتو كندا
في الرابع عشر من تموز الجاري2018 من يوم السبت عقد قران العروسين غزوان بطرس إيشو السناطي ووسن مارخال توما ف...التفاصيل