لماذا يا اعز الأصدقاء ؟؟؟

بداية ايار 2018  - مشيكن

منذ ان كنت طفلا صغيرا اعيش في قريتنا الجميلة التي خلفها تمتد جبال عالية وامامها تنبسط سهول واسعة ، وفي تلك البيوت الصغيرة المليئة بالحب والحنان والصدق والامان ، كنت واصدقائي الصغار نتطلع الى تلك القمم العالية في السماء الممتدة خلف القرية وكلنا شوق الى تسلقها لعلنا نعرف ماذا يوجد فوق تلك القمم العالية ؟

وعندما كنا ننظر الى الحقول الخضراء المنبسطة امام القرية المحاطة بالاشجار الكثيفة المليئة بكل ما لذ وطاب من الثمار كنا نتمنى ان تدوم خضراء هكذا طوال ايام السنة ...

وطوال النهار كنا نلعب فوق التلال والهضاب المحيطة بالقرية ، واحيانا كنا ننحدر الى الوديان العميقة المليئة بالاشجار الباسقة الكثيفة الظلال ...

واما في الليل فقد كنا ننام فوق سطوح تلك البيوت البسيطة ، وقبل ان ننام كنا نحاول مرارا وتكرارا ان نحسب النجوم الساطعة اللامعة في سماء القرية الصافية ، لكننا كنا نخاف من فعل ذلك لأنهم كانوا يقولون لنا ان من يستطيع ان يحسب النجوم كلها يصبح مجنونا !!!.

فكنا نبقى حائرين نفكر كثيرا في امر تلك النجوم المعلقة في السماء وكنا نستغرب كثيرا من وجودها بكثرة في سماء القرية ، وكنا احيانا نخاف من ان تسقط بعض هذه النجوم فوق بيوت قريتنا الصغيرة !!! .

واما بعد ان كنا ننام  فقد كنا غالبا ما نحلم اننا نطير كالنسور التي كنا نشاهدها تحلق في السماء عاليا فوق قمم تلك الجبال الشاهقة الممتدة خلف القرية ، واحيانا كنا نحلم اننا نطير كالعصافير التي كانت طوال النهار تطير فوق الحقول والبساتين وتنتقل من غصن الى غصن ومن شجرة الى اخرى ..

فكنا نستمتع كثيرا بتلك المناظر الخلابة سواء التي كنا نشاهدها في النهار او التي كنا نحلم بها في الليل ، وكنا نستمتع اكثر عندما كنا نستمع الى خرير المياه المنحدرة بهدوء في السواقي التي كانت تسقي كل الحقول والبساتين وتفيض الى القرى الاخرى في الجنوب ...

كل هذه كانت احلامنا نحن الاطفال الصغار ايام كنا نعيش في قريتنا الجميلة ..

وعندما اصبحت في الخامسة عشر من عمري تعرفت على حكيم عليم من اهل قريتي كان قد اقترب من العقد الرابع من عمره انذاك ، وكان لديه علم غزير وفهم سليم وادراك عميق في كل نواحي الحياة ...

ومن ذلك الحكيم العليم عرفت لماذا تحلق النسور عاليا في السماء فوق قمم الجبال الشاهقة ؟ ولماذا تختبيء الثعالب في الجحور المظلمة في بطون الوديان المنخفضة ؟

ولماذا تطير العصافير فوق الحقول والبساتين في النهار بينما تخرج الخفافيش في الليالي المظلمة ؟

ومنه تعلمت ايضا ان النجوم لا تسقط على الارض او فوق بيوت القرية لتخربها لأنها يجب ان تكون دائما في السماء ساطعة لتنير بيوت القرية .

وهو الذي علمني ايضا ان الذي يحسب النجوم لا يصبح مجنونا لكن لا احد يستطيع ان يحسب كل النجوم الساطعة في السماء لأنها كثيرة ! .

وهكذا أصبحنا انا والحكيم العليم صديقين حميمين تعلمت منه كل ما لم اكن اعرفه ...

وكان الناس انذاك في قريتنا منشغلون طوال ايام السنة يحرثون اراضيهم ويزرعونها ثم يسقونها من مياه العيون العذبة ليجنوا منها كل ما يحتاجون اليه ، فيملأون عنابر بيوتهم من محاصيل حقولهم وثمار كرومهم الطيبة ، فكانوا يحبون العمل ويعشقون الطبيعة ويعيشون بسلام ومحبة هانئين مطمئنين امنين ...

في تلك الايام حصل ان شاخ مختار قريتنا وضعف بدنه ، او هكذا قيل لنا حيث لم يكن طاعنا في السن كثيرا ، فتولى المختارية قريبا له شابا قويا مراهقا متكبرا ومغرورا ...

وهكذا صبح لقريتنا مختارا جديدا قويا طموحا ، تظاهر بالتواضع والطيبة اولا وادعى مساعدة المحتاجين واالفقراء ثانيا وبناء بيوت جديدة لجميع اهل القرية لاحقا ، ومن اجل ذلك طلب صداقة الحكيم العليم ومساعدته في شؤون المختارية من اجل اصلاح احوال الناس في القرية .. فكان له كل ما اراد من صديقنا الحكيم العليم ...

فرح الكثير من اهل القرية لمجيء المختار الجديد ، ورقص البعض الاخر ايام وليالي لصداقته مع الحكيم العليم ، بينما استغرب البعض الاخر كثيرا من هذه الصداقة ، في الوقت الذي كان البعض الاخر يبررها ويقول لعل الحكيم العليم يرشد المختار الجديد الى الصراة المستقيم ...

ومضت الايام سريعا كسر المختار الجديد ديوان المختارية القديم وبنى ديوانا جديدا ، ولم تأتي رياح تلك الايام بما كان يشتهي اهل القرية ولا بما كان في بال صديقنا الحكيم العليم ، حيث بدأ المختار الجديد يذل كل عزيز في القرية ويعز كل ذليل ، فأمتلأ ديوانه الجديد بالمنافقين والدجالين واشباه الرجال اي بلغة اهل القرية ( الشعيط والمعيط ) ...

فتعالى المختار الجديد على اهل القرية المساكين فعم الخوف وشاع الخضوع والخنوع ، وأصيب المختار الجديد بالغرور ، فأبتعد الحكيم العليم وكل الطيبين من ديوانه الجديد ، ولم يتسنى لهم حتى البقاء في القرية فهربوا الى القرى المجاورة والبعيدة ...

مضت ايام طويلة على اهل قريتنا وهم على هذا الحال يعانون من بطش مختارهم المغرور الذي اصبح لا يعلو على صوته صوت ، وبدأ يتجاوز على القرى المجاورة ، ساعيا الى بناء مجدا عظيما له في القرية وسلطانا على جميع القرى المجاورة ...

لكن الامور لم تجري كما كان يطمح لها المختار المغرور ، فكانت نهايته في الاخير اسوء بكثير من نهاية كل الملوك والحكام الظالمين ، فرحل بقدرة قادر وانتهت مختاريته كليا وذهبت احلامه ادراج الرياح العاتية التي هبت على القرية ولم تترك اي اثر لا للمختار المغرور ولا لمختاريته الجديدة ...

فرح اهل القرية من جديد وغنوا ورقصوا كثيرا لرحيل مختارهم المغرور ظنا منهم انهم  سيعيشون بسلام بعد رحيل مختارهم المغرور وسينعمون بالامن والامان والاطمئنان بعد انتهاء مختاريته في القرية ...

لكن قدرهم كان على ما يبدو مكتوبا عليهم ان لا ينعموا بالسلام ولا بالامن والامان ولا الاطمئنان ، حيث حال رحيل المختار المغرور تفاجاوا بخروج الثعالب المختبئة من جحورها المظلمة في بطون الوديان المنخفضة وباتت تسرح وتمرح في كل مكان من ارض القرية وتعبث بالحقول وتتلف محاصيلها وتلوث مياه سواقيها ..

واما صديقنا الحكيم العليم فقد عاد هو الاخر الى القرية مع من كان في القرى المجاورة والبعيدة ينتظر رحيل المختار المغرور كي يبدأوا من جديد في في اصلاح ما خربه المختار المغرور ويعيدوا بناء بيوت القرية من جديد ، لكن الثعالب الماكرة كانت قد سبقتهم وكانت قد انتشرت في كل مكان وعبثت في كل بقعة من ارض القرية ...

فاصبح صديقنا الحكيم العليم وكل الطيبين من اهل القرية كمن لا حول لهم ولا قوة ، وهو الان قد تجاوز الثمانين من عمره وبالرغم من انه قد ازداد حكما وكثر علما الا انه باطلا يحاول ترويض الثعالب الماكرة ويرشدها كي لا تعبث بأرض القرية وكي لا تتلف محاصيل حقولها ، يفعل ذلك وهو العارف اكثر من غيره ان شيمة الثعالب هي الحيلة والمكر دائما وابدا ...

فما نتمناه لصديقنا العزيز الحكيم العليم هو ان لا ينسى الحكمة القديمة التي تعلمناها منذ ان كنا صغارا التي تقول :-

ان التاريخ يعيد نفسه ... كي لا يعيد ما حصل له من صداقة المختار المغرور .

وما نرجوه منه ان لا يستخف بالمقولة الجديدة التي اصبحت الان على كل لسان :-

المجرب لا يجرب ... كي لا يفقد ذكره الطيب لدى اهل القرية من اجل ما لقيصر .

واخيرا لا يسعنا الا ان نختتم كلامنا بما قاله الديك للثعلب الماكر في  قصيدة يعرفها جيدا صديقنا الحكيم العليم وكل الطيبين من اهل قريتي :-

برز الثعـــــــلب يوما *** في شعــــــار الواعظــــــــــــينا

فمشى في الأرض يهـــذي *** ويســـب المـــــــاكرينا

ويقول: الحـــــــمد لله *** إلـــــــــه العــــــالـمــــــــــينا

يا عــــــــــباد الله توبوا *** فهو كهــــــــــف التــــــائبينا

وازهدوا في الطير إن الـ *** عيش عيش الزاهـــدينــــا

واطلبوا الديـــك يؤذن *** لصـــلاة الصــــــــــــبح فينــــا

فأتى الديك رســــــول *** من إمــــــــــام الناســــكينا

عرض الأمر عليــــــه *** وهـــــو يرجــــــــــو أن يلينــــا

فأجـــــاب الديـك عذرا *** يا أضـــل المهـــــتدينـــــــــا

بلـــــغ الثعلب عنـــي *** عن جـــــــدودي الصالحـــينا

عن ذوي التيجان ممن *** دخــــــل البطــــــــن اللعينا

إنهم قــــــــــالوا وخير الـ *** قــــــول قــــول العـــارفينا

” مخطـــئ من ظن يومــــا *** أن للثعــــــــلب ديـــــنا “

  كتب بتأريخ :  الجمعة 04-05-2018     عدد القراء :  1008       عدد التعليقات : 0