ألواقع الكلداني والطموح الآشوري ( ألجزء 5 والأخير )

من السذاجة الإعتقاد بان الطموح الآشوري يقتنع بأقل من تأسيس كيان يحمل إسم " آشور " على أرض نينوى. وإذا قدّر  له أن يقبل بأقل من ذلك فلا معنى لوجود أحزابه وتنظيماته على مسرح الساحة السياسية , والتي قدّمت خلال العقود الماضية عدداً لا يستهان به من الشهداء , بالإضافة إلى ما لحق بالشعب الآشوري برمته من مذابح وتشريد وتنكيل عبر التاريخ القريب ... ولكي يتم تحقيق ذلك على أرض الواقع في ظل الظروف التي يمرّ بها الوطن الجريح , ينبغي الكفاح من أجل خلق كيان ضمن الدولة العراقية سواء كان إقليماً أو محافظة أو أية تسمية أخرى ... المهم أن يحمل الكيان كنية " آشور " ...

وقد يعترض كائن من كان بأن ذلك يعني تقسيم العراق وتجزئته وووووو ... ولكن أسأل من يعترض : هل العراق حقاً موحدٌ ؟ وهل كردستان العراق عراقية مائة بالمائة ؟ وهل المحافظات الجنوبية ً تمتثل كلياً لأحكام المركز ؟ . ثم هنالك دول كثيرة تتمتع أجزاؤها بنوع من الإستقلالية ضمن الدولة الواحدة . فأين الإشكال إذن ؟ ....

وهنالك من يدّعي بأن مثل هذا الكيان سيقضي على من صمد من المسيحيين في أرض الأجداد .. ولكن مثل هذا  الإحتمال وارد سواء كان للمسيحيين كيان لوحدهم أم لا وخاصة عندما تحلّ الفوضى محل سيادة القانون , وعندما يطغي الضعف على الحكومة وتفقد السيطرة على النظام كما حدث عند اجتياح " داعش " للموصل .... قد يدعو البعض إلى تأمين الحماية الدولية لمنع حصول أي اعتداء على الكيان المسيحي ... ولكن , إذا استوجب الظرف مثل هذا الإجراء ...  إذن ما فائدة البرامج المعلنة من قبل القوائم الإنتخابية  ؟ بل بالأحرى ما فائدة الإنتخابات ؟ وما هو موقع البرلمان ؟ وأين سلطة الدولة ؟ ولماذا يتبجح الجميع اليوم بالعمل على سيادة القانون ؟ وإلى متى تظل شريعة الغاب هي السائدة ؟

يتبادر الآن السؤال التالي: ما هو موقف الكلدان من هذا الطموح المشروع وخاصة أن أغلبية المسيحيين في سهل نينوى هم من الكلدان ؟ للإجابة ببساطة ومن دون تعقيد , أن الإنتخابات كفيلة بمنح الحق لمن يستحقه . فالحزب أو التنظيم الذي يتمتع بالاغلبية له الحظ الاوفر بإدارة كيان " آشور " . من يسعى للعلمانية ويروج للديمقراطية عليه التقيد بجوهرهما عند التطبيق ... ولا بد أن أذكر أن الخطة لإقراغ المنطقة من مسيحييها جارية على قدم وساق . وقد يتوقف نزيف الهجرة أو يتضاءل عند انبثاق الكيان المسيحي في أرض آشور , وربما يعود البعض ممن غادرها قسراً أو طوعاً إلى حيث مثوى آبائه وأجداده .

لا يمكن إنكار أن هنالك من الكلدان من لا يستسيغ مثل هذا الخيار , وله من الحجج الكافية لتعزيز موقفه الرافض .... نينوى تاريخياً آشورية , وبابل تاريخياً كلدانية . إذن من لا يقبل  " آشور " في نينوى , عليه إعادة " كلدو" إلى بابل . ومن دون شك أن بابل تكتسب أهمية خاصة عند المسيحين قاطبة . فقد ورد إسمها في الكتاب المقدس بضع مئات من المرات وأقل من ذكر أورشليم ( ألقدس ) فقط .  كما انها المدينة الاولى التي بنيت بعد طوفان نوح , ويذهب البعض من اللاهوتيين في تفسيرهم لسفر الرؤيا , بأن بابل سيعود لها مجدها بعد اختطاف الكنيسة وإلى يوم الدينونة ... ولها أيضاً أهمية متميزة عند الكلدان أنفسهم , فغبطة البطريرك الكلداني هو  بطريرك بابل على الكلدان والعالم .

ولا بد من الإشارة بأن بوادر عودة ذلك المجد ظهرت أبان النظام السابق من خلال العمل على تنفيذ ما يهدف إليه الشعار  آنذاك  " من نبوخذنصر إلى صدام حسين , بابل تنهض من جديد " . مع العلم أن السبي البابلي شمل سبطين فقط من أسباط إسرائيل , أما  سبي الاسباط العشرة الأخرى فحصل على  يد الملوك الآشوريين وآخرهم الملك سنحاريب . وقد يتساءل البعض : لماذا لم يرفع النظام السابق شعاراً يشير إلى السبي الآشوري ؟ . ألجواب يقبل إحتمالين . ألأول أن نظرة النظام للكلدان تختلف عن نظرته للآشوريين . ألنظام يعلم جيداً  أن هنالك من الآشوريين مَنْ يحمل السلاح ضده , وهنالك من تنظيماتهم  ضمن القوات المقاتلة  داخل العراق أو السياسية خارجه , وأن لهم طموح  يرومون الوصول إليه  بشوق ولهفة  , لذلك ليس من المنطق أن يشيد بأمجادهم التي ستدعم  تطلعاتهم وتحفز كفاحهم وأيضاً تزيد من معنوياتهم . ولم يكن للكلدان ما كان للآشوريين من خصوصية تفرزهم عن الآخرين , بل  من ثار منهم على  النظام , قاتل ضمن المجموعات المسلحة المتنوعة ... أما الإحتمال الثاني , فقد يكون " حكمة ربانية " لها علاقة بالتذكير بما جاء بسفر الرؤيا وما سيحصل غداً .

ألمعضلة الاساسية التي تجابه عودة المجد الكلداني إلى بابل وأور الكلدان هي خلو المنطقة من الكلدان المسيحيين . ولكن مهلاً ... هنالك يقظة كلدانية .. نعم استيقظ الكلدان في اور الكلدان . ما يظهر جلياً من خلال متابعة الأحداث بأن لهؤلاء الكلدان الجدد ميلاً للتقرب من الكلدان القدامى . ومن غير المؤكد أن عامل الإختلاف الديني سيحدد من هذا التقارب , بل بالأحرى أن معظم نشاطاتهم الرياضية والإجتماعية تدل عكس ذلك , وأن التشبث بالتسميات السائدة عند المسيحيين الكلدان مِيزتهم , ولهم أيضاً حضورهمً في الكثير من  الفعاليات التي يقوم بها المسيحيون الكلدان بالذات... ورغم ذلك فإن واقع المسيحيين الكلدان في الوقت الحاضر  لا يميل إلى إيجاد كيان في بابل أو أور يعزز عمقهم التاريخي بالمنطقة , لذلك من الأفضل دعم الأمل الآشوري في ولادة كيان " آشور " في سهل نينوى والذي بطبيعة الحال سيحوي أكثرية كلدانية , ومن السذاجة أن تحول التسمية دون تحقيق ذلك , وخاصة أن التاريخ الآشوري , كما التاريخ البابلي الكلداني أيضاً ,  مفخرة لأبناء الرافدين كافة وباختلاف أطيافهم , والإعتزاز بآشور لا يقل عن الإعتزاز بسومر أو بابل . هذا من جهة , أما من جهة ثانية , فالمنطق يستوجب دعم اليقظة الكلدانية الفتية التي بزغت في أور الكلدان وتشجيعها على التعمق في التاريخ البابلي والكلداني , مع التركيز على الحقبة التي تحوّل الكلدان فيها إلى المسيحية وثباتهم رغم عاتيات الزمن ... وقد تكون هذه اليقظة التي ظهرت على حين غرة وبدون ميعاد بداية المجد الموعود لبابل قبل حلول  الدينونة .

وقبل الختام لا بد من عودة خاطفة إلى  الإنتخابات المؤمل إجرائها  بعد أيام معدودة والتي يجاهد الكلدان فيها بكل الإمكانات المتاحة لتحقيق حلمهم الذي يدغدغ مشاعرهم , والمتمثل باختراق قوائم الكوتا الأخرى وصولاً لقبة البرلمان . ورغم قناعتي بأن النتيجة لن تتمكن من المساهمة بقدر ملموس لتغيير الأمور وما هي عليه الأوضاع بصورة عامة  , ولكن حتماً سيؤدي الكرسي الكلداني إلى  رفع الروح المعنوية وإزالة حالة اليأس والقنوط التي صاحبت الكلدان منذ التغيير ولحد االيوم ... ومن الممكن القول من خلال نظرة موضوعية إلى القوائم المسيحية المتنافسة على أجزاء النجمة الخماسية , بأن الطموح الآشوري يقف على نفس خط الشروع الذي يقف عليه الواقع الكلداني . فالطموح الآشوري مزقت وحدته المصالح الشخصية وطغت غريزة " الأنا " على كادره المتقدم , أما الواقع الكلداني الإنتخابي فإنه  مغلف بنفس الضبابية التي  تغلف مفهوم القومية الكلدانية الذي  تم التطرق إليه في الاجزاء السابقة .... ورغم ذلك فليس المهم من يفوز ويشغل مقعداً وثيراُ , ولكن المهم أن يتحلى مرشح الأغلبية بالخصال الإنسانية التي تؤهله لخدمة الإنسان كإنسان بغض النظر عن الثوابت والمتغيرات الأخرى ...

رابط الجزء 4

http://www.alqosh.net/mod.php?mod=articles&modfile=item&itemid=40094

رابط الجزء 3

http://www.alqosh.net/mod.php?mod=articles&modfile=item&itemid=40004

رابط الجزء 2

http://www.alqosh.net/mod.php?mod=articles&modfile=item&itemid=39792

رابط الجزء 1

http://www.alqosh.net/mod.php?mod=articles&modfile=item&itemid=39704

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 08-05-2018     عدد القراء :  1312       عدد التعليقات : 0