قراءة في كتاب : مطارد بين ( الله ) والحدود . الكاتب يحيى علوان

كتاب يمثل روعة الاسلوبية  في لغة السرد المتنوع في اصنافه , ويحمل براعة  سلسة والمشوقة  في جاذبيتها  في شد القارئ شداً , وفي تعاطي اسلوبية اللغة الحبكة الفنية السردية   , التي اقتربت من لغة الشعر   . كتاب محمل بالدلالات الدالة في تعابيرها البليغة , وهي محصلة تجربة نضالية , معمقة  بالمجازفات والمغامرات الخطيرة , وكل منها كافية الى تواجد  عزرائيل خطاف الموت  . الكتاب يمثل ترجمة للسيرة الحياتية الذاتية, مما حملت من وجع خزين الذاكرة . من سنوات عجاف ملئية بالمخاطر والموت والمعاناة القاسية والمريرة , رغم انها تجربة ذاتية لشخصية الراوي الكتاب ,  لكنها اتخذت صفة الجمع , للمناضلين الذي قارعوا النظام الفاشي , بالتحدي والصمود والمقاومة في الانخراط في الكفاح المسلح , ويتحدث الراوي وهو مؤلف الكتاب .  النصير ( يحيى علوان ) حين اختار طريق الانخراط في الكفاح المسلح في فرق الانصار التابعة للحزب الشيوعي . ويكشف عن  تجربة حياتية ونضالية عاصفة .  بدأت من عام 1983 الى عام 1988 . تجربة غنية , مليئة بالدروس والعبر النضالية , زاخرة بالمغامرات والمجازفات الخطيرة , في العمل المسلح لفرق الانصار المسلحة , وهم يواجهون الموت يومياً ولكنهم يملكون روح المجابهة والمقاومة  والتحدي , لنظام القمع والارهاب الطاغي  , نظام ينتهك حرمة الحياة الناس  بالفناء والاعدام , في سلوك وحشي مدمرومتسلط ببشاعة القبضة الحديدية  . تبدأ احداث الكتاب العاصفة بالاحداث الخطيرة , الملغمة بالموت والخراب والمجازفة  , حين شد الرحال من خارج العراق , وجاء في الانخراط في العمل المسلح ,  كغيره الكثير  من الشباب المناضل , الذي لبوا نداء الوطن , والوقوف في وجه الطغيان , بجسارة  رجولية غير معهودة , رغم المعاناة والحرمان  في نيرانها المنفلقة . كالقنابل العنقودية التي تلقى عليهم كهدية من النظام الفاشي  , يتطرق من بداية الرحلة الشاقة , في  حمل حقيبته وجاء الى كردستان العراق , مع الكثير من الشباب المفعمين بالحلم الثوري . في  التجربة النضالية في الكفاح المسلح الثانية , الاولى بعد انقلاب البعث الفاشي في عام 1963 في عاهرة الثورات او بغي الثورات  , ان مواصلة الكفاح المقاوم ,  يؤكد على  رؤية المثقف السياسي الملتزم , تجاه الشعب والوطن , تجربة الحلم الثوري بالكفاح المسلح غنية عن التعريف , سواء كانت صائبة او خاطئة , لكنها واجهت السلطة الفاشية في قوتها وعنفوانها المدمر , في الرفض سياسات ,  انتهاج اسلوب خنق الحياة , بالقمع والارهاب والظلم , وبالسياسات الطائشة والحمقاء والرعناء, في اعلان الحرب الدموية والمجنونة  ضد ايران , وتحول العراق الى مطحنة الموت والخراب والدمار . من اجل ( القائد الضرورة ) الاحمق , في نهج   السلوك الدموي في ابادة المعارضة السياسية ,  بالابادة والحرق , وحتى في استخدام السلاح الكيمياوي ( غاز الخردل ) الذي يطلق عليه مصلح ( العتاد الخاص ) هذه الدموية البشعة , فقد  استخدام بكل نشوة وانتصار ,  السلاح المدمر الكيمياوي ( العتاد الخاص ) ضد ارض  كردستان , وكذلك ضد قوات   الانصار التابعة للحزب الشيوعي . انها تجربة حياتية نضالية للشباب المناضل , ومنهم النصير ( يحيى علوان ) أنهم شباب يؤمنون بالوطن والشعب والتضحية في سبيله , وليس طلاب مال وكراسي , او طلاب شهرة ومجد , انهم جنود مجهولين للوطن .  قدموا زهرة شبابهم من اجل  الوطن ( أنا لم اكن باحثاً عن ذهب او مجد او شهرة . ما كنت صياد فرص للنجومية  , ولا اعتلاء عرش بطولة ! .  يوصلني  هذا  الضمير الذي لا املك غيره , كنت اسعى مع كثرة من الصحبِ , دماؤنا على راحات أيدينا وراء حلم , بوطن خالٍ من الذل والقهر , حتى نليق به , ويليق بالكل !  ) ص131 . وكان حلم الشباب الذي انخرط في فرق الانصار المسلحة ,  مدجج بالعزيمة النضالية  , هو ايقاف غول  الفاشية ,  واطلاق سراح الوطن الاسير ,  عند قائد الضرورة المجنون . هذا الدافع الوحيد في  تطوع الشباب , سواء من داخل العراق او من خارجه ,  يؤدون   ضريبة نضالية الدفاع عن الوطن . وكانت كردستان العراق الانطلاقة الثورية في العمل المسلح , رغم بعض الاصوات الهجينة والشوفينية, ترفض ذلك الحلم الثوري , للذين رسموا العراق في قلوبهم وعقولهم . حتى جاءت حرب الانفال لتحرق الجميع بسموم الموت , في أبادة رهيبة , ويصف الكتاب الايام المروعبة الرهيبة بعد استخدام السلاح الكيمياوي وسقوط شهداء والناس الابرياء , في جريمة وحشية بشعة , ولم تكن متوفرة لديم ,  ابسط  العلاج الطبي والادوية اللازمة لمعالجة سموم غاز الخردل , مما عمق الجراح المصابين بالتشويه والاختناق والموت  . يتطرق الكتاب عن بداية تجمع الشاب عند الحدود  , والمجازفة في الدخول الى كردستان العراق , حيث مقرات فرق الانصار المسلحة في الداخل   . وتنطلق قافلتهم  من الحدود التركية . بواسطة الدليل ( صوفي / وهو مواطن مناضل يساري كردي / تركي ) والعبور عبر  الطريق المحفوف  بالمخاطر في المجازفة الحياتية الخطرة , حيث الربايا العسكرية الممنتشرة  على قمم الجبال , والكمائن والقناصة , ولعلعة صوت الرصاص والمدافع , التي لا تهدأ حتى في ظلام الليل الموحش , وفي النهار تغطي سقف السماء المروحيات العسكرية , التي تبحث عن القنص والصيد , وينهشهم  والعطش والرعب  والحذر واليقظة , ولم تكن وسيلة للدفاع عن الموت المتجول في اية لحظة  , سوى مواصلة السيرالى الداخل  , وهم تحت نيران القصف المدفعي والحذر من الكمائن . سوى الاصابع على الزناد , وحساب كل خطوة , قد يفاجئهم الموت . في هذا الوطن المطعون بالموت والمخاطر , وهم شباب في عز حياتهم , تركوا الغالي والنفيس في سبيل الوطن . وما عليهم سوى التحدي والمواصلة الطريق  , وهم على  قاب قوسين من الموت المزروع في كل مكان , ما عليهم سوى الصمت المخيف والمرعب , وهم يتقدمون نحو  قاعدة الانصار ( آه ! . كم بي شوق ان اغني , او ادندن بشيء , ليس لان صوتي حلو ! . ولأني احسن الغناء . بل لاكسر هذا الصمت , واروض العزلة , كي اصون كرامة الانين فيَّ . وكم أود لو اصرخ كي اصد ألحاح الصمت , بصمت أعلى ) ص53 . هي كسر وحشة المكان لكي يتبدد الرعب . ولكن يستفز السؤال . لماذا الوطن العاق لا يرحم ابناءه ؟ , يرسلهم الى العذاب أو طاحونة الموت . او المنافي او الى الحرب , او ينحني لتقبيل حذاء الطاغي الفاشي . لماذا يكون المواطن زائد عن الحاجة يدفعه الى الجحيم . ويستشهد الكاتب , بمقولة الجواهري الكبير ( لو  في يدي لحبست الغيث عن وطن مستسلم , وقطعت السلسل الجاري بيع الدراهم , باعوا واشتروا وطني , فكل عشرة اميال بدينار ) ص400 . لهذا يركع الوطن لحذاء جلاد وحشي مستبد , مجنون بحب العظمة , ولم يتوانى ان يدمر الوطن بالارض المحروقة ( وطن بلا شعب ) وبهذا يشعر بالنصر الكبير لانه استخدم غاز الخردل او مصطلح ( العتاد الخاص ) , لذلك لم يبق من  طريق الخلاص سوى الهروب , من استنشاق الهواء السام بغاز الخردل , واختار النصير ( يحيى علوان ) بالنجاة في الهروب الى الحدود الايرانية , قبل ان يقع لقمة سائغة للغازات الموت , في وطن لا يعرف سوى لغة الموت في التعامل مع ابناءه , ان يكون المواطن محاصر داخل قن الدجاج , لذلك لم يجد في رحلته الى الوطن , سوى الموت والعذاب والعطش , والهواجس المدمرة , فكان ينزف قيحاً وحزناً على طفلته الصغيرة ذات الاعوام الست , التي تركها في برلين / المانيا , بحلم الوطن الموعود  , فكان يناجي في معاناته ( مفيستو / الشيطان في مسرحية فاوست الايرلندي , ولكن ليس بدور الشيطان وانما كرمز الذكاء والفطنة والبصيرة , في قوة المنطق )  فيقول له ( يا بني لا تقصص رؤياك على أحدٍ . ( فتصير جباناً ) في زمن يعتد بشجاعة الجهل . يستعذب رؤية خبير فيزياوي , او مثقف , يحار في تضبيط حمولة بغل . ربما لم يشهده قبلاً  .......... /هكذا هم المثقفون لا يحسنون غير الثرثرة . والتسيب . ) ( مقولة يتمنطق بها ( الاميون ) دفاعاً عن مواقعهم ) ص75 . ولكن هاهم المثقفون يمزقون هذه  المقولة ( لا تفسد احلام صحب  , جاءوا مثلك على فراش حلم , يسترجعون زهواً , افتقدوه في شتات موحش , على أمل عود يرمم ما خلفه الغياب )ص75 . هذا الحلم الثوري الذي حملوه , في تلبية نداء الوطن .  تكسر على صخرة كردستان , وتحول الى كوابيس مرعبة , في اجواء مروعة تجاوزت بالكثير , من اجواء كافكا , فهم الآن وسط الحريق , بين فكي الرصاص العشوائي المنفلت من عقاله , والمروحيات التي تغطي سماء كردستان , بحثاً عن غنائم للموت , بين فكي الجوع  والعطش والمطاردات المرعبة . شباب يتساقطون في همجية وحشية ( لم يبق أمامنا غير ان نلملم ذؤابات طيوفنا . نرمم المرآيا , مكسرة بعجينة ال ( خياط فرفوري ) حتى لا ننسى من نحن , وكيف كنا. عزاء يتيم , حيث لا مرسى في خبل العاصفة ) ص37 . انهم في كهف مهجور يغيب عنه سقف السماء , انهم طرائد صيد , لذلك يتركون وصية لبعضهم البعض اذا داهمهم الموت ( أحفظ أسمي يا رفيق .. فليس لدينا منْ سيوثق ! ) ص41 .لذلك يشد رحاله الى طهران , وهو يحمل اطنان من الحزن والمعاناة , بأنه جزع من اقتراب الموت منه عدة مرات ولم يخطفه  , لذلك يدعوه ان يخطفه , ليريحه من حمل العذاب والمعاناة . ولكن ( مفيستو ) يشد عزم معنوياته في المواصلة والتجلد والصبر  , بأنه معه يساعده على محنته الاليمة ( وأنا سأرافقك منذ الآن كظلك , الذي لن أبارحك , حتى أضعك على سكة النجاة ) ص100 . , ويقذف رياح الاستسلام والخيبة , ويواصل طريق رحلته الى طهران , وهو في دندنة حزينة حيث تراوده طفلته الصغيرة , التي تركها وهو غارق في الحنين والشوق لها   ( لهفي عليكِ ! . أنتِ .  التي دوماً أنادي دون أن يأتي صدى منها . لكنها تسكن وحدتي . وحشتي الظمأي الى شيء قليل من ندى جسد , ضممت فظل يحرقني في كل نبضة . أقتات بها في زمن يمضي سريعاً ,  دون ان يمضي بها . لانها سمائي , في هوائي ) ص142 . . ويتشوق الى ضمها الى صدره ليعوض غياب الحنان طوال رحلته ست اعوام . ويجازف بالمستحيل ويسير مع الدليل نحو الحدود الافغانية , رغم تشوه في ركبتيه , ورغم الورم في قدميه , يتخذ عكازة ويواصل السير , يتغلب على اوجاعه المؤلمة , وعند مشارف الحدود , يقع في كمين . ويتعرض الى شتى صنوف التعذيب , لانهم حسبوه جاسوس من جواسيس صدام , يعطي احداثيات للصواريخ التي بدأت تنهال على طهران والمدن الاخرى ( ابن الزفرة , تكوم تمشي برجليك احسنلك ؟ لو تريد ان نسحلك سحل وننعل موته موتاك ) ص201 . ( يا الله سولفنه تره عدنه كل المعلومات عنك وعن ربعك . واذا تجذب راح نصلخ جلدك . أول وتالي راح نحجيك ) ص202 . لم يكن امام هذا الرعب في المعاملة الوحشية , سوى الاعتراف بهويته السياسية , ليأتي الموت بعد ذلك . رغم التحذير الشديد بعدم الكشف عن هويته السياسية , يمكن ان تقوده الى المجهول المظلم  . ولكن ما يخسره بعد هذه المعاناة , ليكن ما يكن وصرخ بهم ( أنا شيوعي . ومنذ ست سنوات وانا في صفوف الانصار . ألاتخجلون من هذا السلوك الشائن , والتعامل المنحط مع من يقارعون صدام بكل الوسائل ) ص205 . ويرمى  في السجن . ولكن رفاقه في المنظمة الحزبية في طهران ( والحق يقال بذلوا كل الجهود والامكانيات في مساعدته مادياً ومعنوياً . حتى تكفلوا في اخراجه من ايران الى افغانستان , ومن هناك يواصل طريقه في آمان الى عائلته ) استطاعوا ان ينقذوه من السجن بتهريبه بدفع رشوة مالية لحراس السجن . وبالفعل نجحت المحاولة . وجرب حظه في المحاولة الثانية , نحو الحدود الافغانية . ونجح بذلك نحو الحرية والخلاص  ( اسافر بأسري نحو الغموض والتيه . فلا اخاف الموت . فالسعي نحو الحرية . حتى الموت يشكل الوجه الاخر للولادة , الاكثر دراماتيكية , لان اقصى ما فيه ( الموت ) هي الوحدة , ولديَّ فيض منها . يزيد عن حاجتي ) ص353 . ويجد امامه في داخل  مخفر الحدود الافغاني .   د. كاظم حبيب ( عضو المكتب السياسي للحزب سابقاً ) الذي يتوله امر مساعدته واخراجه من افغانستان , والسفر الى ( موسكو ) وبعد ذلك الى برلين / المانيا , الى عائلته وطفلته .

هذه التجربة في الرحلة الى الوطن والانخراط في العمل في فرق الانصار . كتاب مشوق في اسلوب سرده الرشيق , الذي يجذب القارئ , ولا يتركه حتى اخر سطر منه .

× كتاب : مطارد بين ( الله ) والحدود . المؤلف يحيى علوان

× الناشر : دار الفارابي . بيروت . لبنان

× الطبعة الاولى : عام 2018

× عدد الصفحات : 416 صفحة

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الخميس 10-05-2018     عدد القراء :  224       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
حفلة زواج الشاب الوسيم غزوان بطرس إيشو السناطي والشابة الفاتنة وسن مارخال توما في تورنتو كندا
في الرابع عشر من تموز الجاري2018 من يوم السبت عقد قران العروسين غزوان بطرس إيشو السناطي ووسن مارخال توما ف...التفاصيل