قراءة في الديوان الشعري ( أشجار لاهثة في العراء ) للشاعر سعد ياسين يوسف

جربة الشاعر، غنية في الابداع، والتألق الشعري، في الظاهرة الاسلوبية الجديدة في تعاطي الشعر ومنصات ابداعاته، فله ميزة منفردة على خارطة الشعر العراقي، في منجزه الشعري، بأن يتعاطى جماليات رمزية في مدلولها الايحائي المبتكر في الخلق ، في رؤى الترميز الشمولي للاشجار، في فضاءه ورؤيته الفلسفية، لذلك يطلق عليه، شاعر الاشجار دون غيره من الشعراء . ان تداعيات الترميز الشمولي للاشجار، في آفاقه الواسعة، يحتضن في طياته ومكنوناته من، الوطن . الحبيبة . الانسان، على خلفيات الارث الحضاري، والموروث الشعبي، وما تحمل من هموم وهواجس واحزان، للانسان الداخل والخارج . لذلك الشاعر يفتح مفاتيح آفاقه الشعرية، بالرؤى والرؤية الفلسفية للاشجار، يتخذها ركيزة للانطلاق الواسع، للحياة والواقع، ويطرح اسئلته في لاهاث، تبحث عن مأوى يشق خيوط العتمة والضبابية . فهو يتعامل بلغة الاشجار ومفرداتها . في سماء العراق . في شفاه الفقراء . في لوعة المغترب والغربة الثقيلة . في الجنوح الى العنف الدموي، الذي يهلك الحرث والنسل . في هموم العراقي وتطلعاته عامة، في الحلم والامل، في خروج العراق من عنق الزجاجة . اي اننا امام جغرافية وتضاريس واسعة لرمزية الاشجار، وبكل بساطة يمسك جمرة النص الشعري، ويرميها في الذات العامة او الجمع العام ، اي انه بكل اقتدار يخرج من اسوار الذات، الى الاسوار العامة وجنوحها العام . ليخرج المضامين الدالة في مدلولاتها التعبيرية . انه يلهث وراء الظواهر العامة، المكشوفة وغير المكشوفة، ليحاجج بها، بقوة الايحاء، ومنطق الحجة البليغة . انه يبتكر الصور التصويرية، بدهشة ابداعية، في معانيها العميقة، في تسمية الاشياء بأسماءها . لينطلق من خيمة الوطن (الاشجار)، في احاسيس مرهفة، بما يفرزه الواقع الفعلي . لذلك نجد رمزية الاشجار، تملك واقعية بين ثيمات الواقع . تملك الخصبة في الدلالة . فالاشجار هي الوطن، بالمحتوى والمضمون الرؤيا، في عمق تفاعلها، وتجليات تداعياتها . لذلك يمكن ان نقول ان منجز شاعر الاشجار (سعد ياسين يوسف) ظاهرة شعرية جديدة بكل معنى الكلمة، في رؤيته الفلسفية للاشجار، التي تمثل جمال الابداع في عنفوان، قوة التآلف في مكونات القصيدة، في قوة الصياغة، التي تحمل صور في الايحاء والدلالة والرمزية، يهدر بشغاف أبجديته الشعرية بكل تدفق متناسق في عفويته ملهمة، لكي يرسم لوحات تعبر عن وهموم الوطن، وهموم الانسان عامة، يتلوها في صيغة تراتيل نغمية صادحة الايقاع، تحرك الذهن بالمشاركة الفعلية، بالتأثير المحفزوالمؤثر، كأنه يغسل جراح العراق النازفة، يدعو الطيور المهاجرة أن لا تترك اعشاشها لاهثة في الفراغ، ان يكون الحبل السري، القاسم المشترك، في الثبات والتحدي . ليكون الوطن اقوى واكبر من كل الاشياء. فهو منبع الحنين والشوق والاشتياق، وهذا ما جسدته قصائد الديوان (اشجار لاهثة في العراء) . بجلاء ووضوح، في الرؤى والرؤيا . لنفتح كتاب التراتيل . ونتلمس بعض قيمتها الغنية . وما تكتنز من حقول ابداعية وتعبيرية متمكنة .

1 - ترتيلة الدم البريء: حينما تكون الاشجار عارية، اما الغزو التتار الجدد، المدججين بثوب بالوحشية والحقد الاعمى . فتتساقط اوراق اغصان الشجرة (العراق) في سموم الهمجية الجديدة، وتتساقط الاوراق الخضراء وبراعمها اليانعة، على سلم الفجيعة السوداء . وتتقافز اشباح الظلام، تبحث عن طرائدها البريئة. حتى تغتال ابتسامة الاطفال، وتحول الاعياد الى مآتم للاحزان . كما فعل المجرمون القتلة، في منطقة (الكرادة) في بغداد. في الحادث الاجرامي، بينما كان عامة الناس . يتبضعون، استعداداً لعيد الفطر المبارك عام 2016، وراح ضحية العمل الاجرامي اكثر من (1500) شهيد وجريح . معظمهم، من النساء والاطفال والشباب .

غنجُ المساءاتِ

موسيقى ...

توقفت على سلم الفجيعة ِ

خطوات راقصةً

على رصيفِ صعد الى السماء

فوق نافورة من دمٍ

توضأ بالبراءةِ

فالموت بجناحيه المهولين

تسحرَ (بالكرادة)

وافطرَ جثثاً متفحمة،

صرخة فقدٍ

تهزُ سماء اللوعةِ

عيوناً من صبار

ترتلُ بثياب سوداء

ترتيلة عيدٍ وئيدٍ

2 - احتجاج الشجرة عند الرب

حينما يسود العنف الاسود، ويحجب الشمس، فتتقافز خفافيش الظلام والظلامية، فتمطر السماء ضحايا وقمصان الدماء . ويصبح الموت يتجول بكل شهيته النهمة، فينهش بحرائقه، الاطفال الابرياء، الذين فقدوا رونقة العيد، فقد اصبحوا فحم ودخان، وثكلت امهاتهم، بفلذات اكبادهن . فما موقف الرب من هذه الجرائم الوحشية، في حق عباده الابرياء، ما يكون موقفه . حين يأتون اليه اطفال بلا عيون . حاملين هداياهم من الوحوش الادمية، اين غضب الله . من هذه المشاهد المرعبة، من جحافل الموت وسفك الدماء من المغول الجدد . من هذا الحقد الوحشي الذي يطال الاطفال الابرياء، براعم تتفحم في حرائق وتتساقط كاوراق الغصون الخضراء . لقد قامت قيامتهم الوحشية يارب العالمين .

عفوكَ ربي

قامت قيامتهم

سيأتونك عند سدرة المنتهى

ولكن كما رسمتهم النيران

لا كما خلقتهم في أحسن تقويمٍ

حاملين هداياهم

اطفالاً بلا عيون

تشرق شمس الكركراتِ

من محاجرهم

يحملون ملابس بيضاء

بلون الفرح القتيل

لم تلبس بعد، ودمى مبتسمةً

بعضهم مازالوا متعانقين

3 - ترتيلة المشرد

فجيعة الطيور التي غادرت اعشاشها، قهراً وعنوةً . وتركت احلامها وراءها تئن بوجع مؤلم ، وهي تلوح من نافذة الروح للوطن، الذي تركهم في العراء بلا مأوى . وهي تسير نحو الزمن المجهول، خلف خطوط الزمن، تشق بحار الظلمة، الى الضفة الاخرى، شاخت في عناء المصيبة، وانتصبت عيناها، الشحوب وجفاف الدموع، غارقة في الحزن المتفجر في صمت رهيب، وهي في ريح الوحشية، فتسقط غصنا بعد اخر، بعد غصة في لهاث العراء

قدت من جهات أربع

حتى أستحال الدم نهراً

من رمال سفتها الريح

لا غصن يشير أليك

كل السهام أستنفرت اليباب

غير أنك كلما أندس فيك سهمٌ

نز من عريكَ وردٌ

لتظل هناك على شفا الافول

كبوذي ينثر رماد أسلافه

في احمرار الافق

لغة للغيابِ

وبلا ثياب تنسل من جسدي

والغصون وتساقط

غصناً فوق غصنٍ

فوق غصنٍ

فوق غصة

حتى تقطعت أزرار السماء

4 - ترتيلة الشهيد: يوم هاجت السماء بغضب الله، على صلب الشهيد، غدرأ وعدواناً وحقداً، سفكوا الدم الطاهر على الجسر . لكن صلبه تحول الى عرس لملائكة الله، زفت روحه الطاهر الى الجنة الله، لتفوز بالشهادة والمجد، فهؤلاء القتلة الاوغاد، صلبوا جسده، لكن روحه حلقت في اعالي السماء، مجلجلة بالفوز العظيم، وخسأوا القتلة الاوغاد . . القصيدة مهداة الى روح الشهيد (مصطفى العذاري)، الذي صلبه مجرموا داعش الوحوش، على جسر الفلوجة، بعد أسره

يوم انشقت السماءُ

لتطل وجه الله

وهو يبارك وجهكَ المرفوع نحوه

ما بين ماءٍ وسماءٍ

تنبت الاجنحة التي اشتهيتَ

وتعرج لسماواتها

لتكن هناك

قاب قوسين .... وشكوى

دمك الذي سفكوهُ فراشاتِ

تحط على ركن اللهِ

سيرتل حبل صلبك آيات الغضب

من لفافة رجلك البيضاء المدلاة

في فراغ

.............

يا أيها المصلوبُ

يا أيها المحلقُ

بلا وجوه

هم أصطفوك ليقتلوك ؟؟

لا ....

أنت أصطفت وقوفك هكذا

ولكم انشدت حزناً وحسرةً

ياليتنا .....

5 - ترتيلة الحلم:

الحلم الذي يشع ربيعاً مزدهراً في الحقول، الحلم الذي يغور في الشاطئ الدفئ والامل، الذي يزرع البسمة في الشفاه وعلى جدار القلب، ويمرح في نسيم الفصول، ليغسل الروح بالمطر والموج، الذي تحلق به فراشات لتطير، وتصوغ قلادة للقلب النابض بالحياة، الذي يوشوش، ويداعب هواجس الوجدان، لتخلق منه شمعة الفرح الذي يغسل الاحزان ، التي تغمر الروح بالضياء الاتي،

أستنهضُ الامواج

يصعد في مدك

أكاد ألامس كفكَ الآن

أضمك

أشعل شمعة الفرح

المؤجل

فيغمرني الضوء

أرتفاع الموج

يوقظني

أمد يدي فتعود دامعةً

وبها بعضً حفيف

أجنحة الفراشات

التي غيبها البحر

يداعب راحتي

**************

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-05-2018     عدد القراء :  152       عدد التعليقات : 0