ومتى كان العراق مستقراً؟

بعد أن نشرتُ مقالي الأخير عن (منجزات ثورة 14 تموز 1958*)(1)، دار سجال في إحدى مجموعات النقاش التي لي شرف المشاركة فيها، بين مؤيدين ومعارضين له. وأرى أن هذا الجدل لا يخلو من فائدة، فمن خلاله نعرف ما يفكر به شريحة من المثقفين، وهو أشبه باستطلاع الرأي العام إلى حد ما. وأنا في الحقيقة أستفيد من الطرفين، وخاصة من المعارضين لأفكاري وكتاباتي، لأنهم يحفزونني للإجابة على اعتراضاتهم، إما كردود ضمن المجموعة، أو مقالات ليطلع عليها جمهور أوسع من القراء الكرام.

فمن المعترضين صديق يستغرب أني ما زلت أسمي ما حدث يوم 14 تموز 1958 ثورة، وهو يطلق عليه إنقلاب! ورغم أني أجبته بأسلوب علمي، مستشهداً بآراء مفكرين كبار أجانب مثل المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسن الذي قال: "أن الثورة العراقية هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية"، وكذالك شهادة المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي حنا بطاطو، الذي اعتمد على ما تلقت الثورة من دعم جماهيري واسع، وما حصل في العراق من تغييرات جذرية عميقة في بنية المجتمع العراقي، السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، التي ترافق الثورات وليس الانقلابات العسكرية، إلا إن كل هذه الأدلة والشهادات لم تزعزع موقف الأخوة قيد شعرة، وليس هذا بالأمر الغريب. ولا أريد هنا أن أقول المزيد في هذا الخصوص، إلا إني اتمنى عليهم قراءة مقال قديم لي حول هذا الموضوع بعنوان: (هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟)(2)، أضع رابطه في الهامش، ففيه ما يكفي لكل من يرغب في البحث عن الحقيقة، وبعقل منفتح وليس بمواقف عاطفية منحازة.

ولكني أود الرد على اعتراض آخر قدمه أحد الأخوة، لأهميته، لأنه يتكرر بين حين وآخر من قبل آخرين على شكل مقالات في الصحافة الورقية والإلكترونية، مفاده أن العهد الملكي في العراق كان عهداً زاهراً ومستقراً، وواعداً بالخير والديمقراطية، وأن "المسلسل الدامي المؤلم ابتدأ منذ تموز 1958 في العراق ولَم يتوقف لحد الآن..". نسي هؤلاء الأخوة سامحهم الله، أن العهد الملكي لم يكن يوماً مستقراً إطلاقاً. وأشير عليهم بقراءة مقال سابق لي بعنوان: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(3).

لذلك أرى من المفيد أن أعود إلى الموضوع، وفق مبدأ (في الإعادة إفادة!). فمن طبيعة البشر أنهم دائماً يحنون إلى الماضي، ورغم ما في هذا الماضي من آلام ومظالم، والسبب، أن متاعب ومشاكل العهد الجديد تنسيهم مآسي العهد السابق أو البائد، فيحنون إليه، ولكنه لو عاد لحاربوه، كما حاربوه في حينه. والمشكلة أنه عندما نذكرهم بمظالم العهد الملكي، يردون عليك بسرعة أنهم لم يقولوا أن رجال ذلك العهد كانوا ملائكة!! و بالطبع إننا عندما ننتقد أية حكومة لا نتوقع أن يكون رجالها ملائكة، ولكن التاريخ يؤكد أن حكام العهدي الملكي منعوا التطور التدريجي السلمي، وتمادوا في غيهم وأمعنوا في ظلمهم للجماهير المسحوقة وأحزابها الوطنية المعارضة رغم ادعاءهم بالديمقراطية. فالتطور السلمي هو صمام الأمان لمنع تراكم المشاعر بالظلم، والذي بدوره يصعِّد الضغط، وتيأس الجماهير وأحزابها الوطنية من الإصلاح السياسي بالوسائل السلمية، وبالتالي يؤدي إلى انفجار الجماهير والثورة المسلحة التي عادة تكون مصحوبة بالدماء والدموع والخسائر البشرية والمادية.

 

إن الذين يمجدون العهد الملكي، ويبررونه من الأخطاء القاتلة، بل وحتى من الجرائم، ناتج عن ضعف ذاكرتهم، و جهلهم بتاريخه، و بقوانين حركة التاريخ. فالثورات والانتفاضات المسلحة أشبه بالكوارث الطبيعية مثل الزلازل، والبراكين والأعاصير، لا تعرف المنطق، بل تحصل بدون فرمان من أحد، أو أنها ستؤدي إلى نتائج كارثية.

إذ لا يمكن مطالبة الشعب وأحزاب المعارضة بالسكوت على الظلم وعدم الثورة خوفاً من احتمال أن يكون البديل أسوأ، لأن الأمور مقرونة بأوقاتها، وليس من حق أبناء جيل اليوم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن ينتقدوا جيل الخمسينات من القرن الماضي، فلكل جيل أفكاره وتطلعاته ، و طموحاته وفق ظروف المرحلة التاريخية. فاحتمال الفشل موجود دائماً في جميع الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية في التاريخ.

إن مطالبة الناس بالخنوع للمظالم خوفاً من الفشل والعواقب الوخيمة، يفندها منطق التاريخ. هذا الموضوع ناقشه عالم الاجتماع الراحل علي الوردي في كتابه (منطق إبن خلدون). وإبن خلدون هذا كان ضد الثورات إلا الناجحة منها. ويحاجج الوردي موقف إبن خلدون من الثورات قائلاً: "لو اتبع الثوار هذا المبدأ الخلدوني منذ قديم الزمان لما ظهر في الدنيا أنبياء ولا زعماء ولا مصلحون، ولصار الناس كالأغنام يخضعون لكل من يسيطر عليهم بالقوة، حيث يمسي المجتمع بهم جامداً يسير على وتيرة واحدة جيلاً بعد جيل." (الدكتور علي الوردي، منطق إبن خلدون، دار كوفان، ط2، سنة 1994، ص216).

وهل حقاً كان العهد الملكي مستقراً؟

يخبرنا التاريخ بأن العراق لم يعرف الاستقرار في جميع مراحل تاريخه منذ كتابة التاريخ وإلى يومنا هذا، وبالأخص في العهد الملكي. فالشعب العراقي معروف بصعوبة حكمه، وهناك مقولات مشهورة كثيرة في هذا الخصوص، ذكرناها في مقالات سابقة. فالشعب في العهد الملكي كان في حالة غليان وانتفاضات شعبية، ووثبات وطنية، وانقلابات عسكرية، إذ حصل فيه نحو 8 انقلابات وانقلابات مضادة، أشهرها حركة مايس 1941 التي تُعرف خطأً بحركة رشيد عالي الكيلاني، وغيرها. وأغلب الانتفاضات الشعبية والمظاهرات الاحتجاجية السلمية كانت تقمع بمنتهى القسوة من قبل الجيش والشرطة، يذهب ضحيتها المئات، وأحياناً الألوف كما حصل في المجزرة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي ضد الآثوريين، والتي راح ضحيتها نحو 30 ألف. كذلك تم قصف انتفاضات العشائر بالطائرات. وحتى الإضرابات العمالية مثل إضراب عمال الموانئ في البصرة، وعمال النفط في كركوك التي عُرفت بمجرة (كاور باغي)، لم تسلم من المجازر. أما الانتخابات البرلمانية فكانت تزيَّف جهاراً نهاراً، وبشهادة حتى رجال العهد الملكي. أما البرلمان، فدورة برلمانية واحدة فقط أكملت مدتها الدستورية أربع سنوات، إذ كلما كان يأتي رئيس وزراء جديد يقوم بتعطيل البرلمان ويعلن انتخابات جديدة، وكان 50% من عمر العهد الملكي تحت الحكم العرفي العسكري، كما تم تسقيط جنسيات سياسيين وطنيين لا لشيء إلا لأنهم معارضين للسطة، وتم تهجير مواطنين عراقيين إلى إيران بتهمة التبعية، وقائمة جرائم العهد الملكي طويلة. باختصار، إن جميع الجرائم التي ارتكبها حكم البعث الصدامي الفاشي كانت لها جذور وأسبقية في العهد الملكي.

وبناءً على كل ما سبق من جرائم العهد الملكي، من حقنا أن نسأل، في أي وقت كان العراق مستقراً ليقولوا أن "المسلسل الدامي المؤلم ابتدأ منذ تموز 1958 في العراق ولَم يتوقف لحد الآن.."

نعم، إن ثورة 14 تموز قد بدأت كإنقلاب عسكري، وهو واحد من تلك الإنقلابات التي كانت تحصل في العهد الملكي، ولكنه اختلف عن غيره من الانقلابات بفضل قيادته الوطنية المخلصة، وبرنامجه الإصلاحي الذي أعدته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، ولكنه بعد ساعة من إعلان البيان الأول من اذاعة بغداد، خرجت الجماهير المليونية من أقصى العراق إلى أقصاه، وبكل مكوناته، فحولت الإنقلاب إلى ثورة شعبية عارمة، وهذا التأييد الجماهري الواسع كان عبارة عن تصويت أضفى الشرعية على الثورة والعهد الجمهوري الجديد، وكذلك ما تحقق بعد ذلك اليوم من إنجازات كبيرة وكثيرة تؤكد ثورية الحدث(1).

لذلك نؤكد ثانية، أن ما يجري في العراق اليوم من عدم الاستقرار هو استمرار للحالة السائدة منذ العهد الملكي، وله علاقة وثيقة بطبيعة الشعب العراقي، وتركيبته الديموغرافية، وثقافته الاجتماعية الموروثة، وتراكم المظالم، والتي تحتاج إلى دراسات علمية رصينة، وليس إلى تدبيج البكائيات واللطميات والمناحات، و إطلاق الاتهامات الباطلة، والمقالات التضليلية.

وخير من درس المجتمع العراقي هو العلامة على الوردي. فقد كشف الرجل الكثير من العيوب و الأمراض الاجتماعية لهذا الشعب ونقائصه، لذلك تعرض إلى النقد الشديد من قصيري النظر، واتهموه بأنه يريد وهن هذا الشعب. فرد عليهم قائلاً:

((إن الشعب الذي لا يعرف نقائصه ولا يدرك مكامن الضعف في نفسه لا يسهل عليه أن يكون قوياً إزاء أعدائه. والعدو الكامن في داخل النفس ربما كان أشد خطراً من العدو المتربص لها في الخارج. إننا إذا ألقينا في روع الشعب بأنه شعب كامل ثم صدق الشعب بما نقول له، كان ذلك من أسباب الغرور فيه، ولعله سيندفع بغروره بما ينفع الأعداء ويفتح لهم في صفوفه ثغرة ينفذون منها إلى الاعتداء عليه مرة أخرى. لقد ذهب زمان الغرور الشعبي كما ذهب زمان الغرور القومي قبله. ويؤسفنا أن نرى الناس بالأمس يتهموننا بـ"الشعوبية" لأننا كنا لا نجاريهم في غرورهم القومي، واحسبهم اليوم يتهموننا بـ"الرجعية" لأننا لا نجاريهم في غرورهم الشعبي.)) (علي الوردي، الأحلام بين العلم والعقيدة، دار كوفان، لندن، ط2، 1994، ص 329-330).

ولعل أشد نقد للشعب العراقي وعن فهم عميق، جاء من الملك فيصل الأول في مذكرته عام 1932م التي عممها على عدد محدود من رجال الحكم المحيطين به، ذكر فيها الكثير من المشاكل من أجل أن يجدوا حلولاً ناجعة لها. وفيما يخص الشعب العراقي فقد قال الملك: "وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى: إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي… " (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج1، ص12).

ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أن الملك فيصل الأول مات بعد ثلاثة أشهر من كتابة هذه المذكرة، فترك المجال للسياسيين من خريجي المدرسة العثمانية الذين طبقوا سياسة الحكم التركي العثماني في التمييز الطائفي واضطهاده، ليسوموا الشعب سوء العذاب، ويوقفوا التطور السلمي، فكان ما كان.

والسؤال هنا: ما الذي تغير منذ كتابة هذه المذكرة قبل 86 سنة وإلى الآن؟ بل أرى هذا الشعب مازال ممزقاً ومنقسماً على نفسه "إلى كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية"، بتقسيمات دينية وطائفية وأثنية، وأحزاب سياسية متناحرة. هذا الوضع ليس بجديد، لكي يحمِّلوا ثورة تموز وزرها، إذ كان على أشدها في العهد الملكي، وكانت أية مظاهرة جماهيرية سلمية تقابل بالنار والحديد.

خلاصة القول، إن ما يجري اليوم من عدم الاستقرار هو نتاج تركيبة الشعب العراقي، وثقافته الاجتماعية الموروثة (culture)، والمظالم الشديدة التي تعرض لها عبر قرون على أيدي الحكام الطغاة في مختلف مراحل التاريخ. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن فترة حكومة ثورة 14 تموز كانت من أعدل وأخلص الحكومات، وأوسعها شعبية، وأقربها إلى الشعب العراقي في تاريخ العراق القديم والحديث، وقدمت منجزات للشعب أكثر من أية حكومة في تاريخ العراق القديم والحديث. أما الزعيم عبدالكريم قاسم فباعتراف العديد من المفكرين، وحتى من أعدائه الذين تآمروا عليه، كان أعدل وأنزه وأخلص وأنظف حاكم عرفه العراق في تاريخه الحديث، بل وحتى في تاريخه القديم إذا ما استثنينا الإمام علي. بل وحتى المجرم صدام حسين اعترف أخيراً بوطنية وإخلاص عبدالكريم قاسم للعراق(4).

ولذلك تكالبت الدنيا على الثورة وقيادتها الوطنية المخلصة. والآن يسعون لتشويه صورتها أمام الجيل الجديد والأجيال القادمة، ولكن هيهات، إذ لا يمكن حجب الشمس بالغربال كما يقولون.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

  كتب بتأريخ :  الخميس 19-07-2018     عدد القراء :  136       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 


 
حفلة زواج الشاب الوسيم غزوان بطرس إيشو السناطي والشابة الفاتنة وسن مارخال توما في تورنتو كندا
في الرابع عشر من تموز الجاري2018 من يوم السبت عقد قران العروسين غزوان بطرس إيشو السناطي ووسن مارخال توما ف...التفاصيل