أربعون يوماً على وفاة والدي

فجعني الدهر يوم الاحد الموافق 22- تموز- 2018، في رحيل والدي يونس ياقو دمان، لكونه فراقاً نهائياً لإنسانٍ عاملٍ، بذل كل ما في وسعه لإسعادنا نحن اولاده الثمانية. رجلٌ بسيط في تعليمه المدرسي( دورة محو الامية في مدرسة مار ميخا) على يد المعلمين سليمان بوكا وحبيب عبيا وعابد بتي عبدو، عرّكته مدرسة الحياة، ملك نظاماً متقناً في برنامجه الصحي، جعله يعيش هذا العمر الطويل. كان مثالاً جيداً امامنا في السنين التي عشناها معاً، لعل اسعدها بوجود والدتي بيننا في بيتنا بالبلدة الحبيبة، والذي ما زال مقفراً بعد غيابنا الطويل عنه، بفعل الظروف القاهرة التي مرّت.

ولد أبي في القوش عام 1928 ولم يضع أرجله على الطريق بعد، حتى أغتيل فرحه الطفولي مع اخوانه الصغار، بمقتل والده في نيسان 1940، على يد قطاع طرق خلف جبل القوش، فتغيرت حياته ووضع امام مهمة صعبة مع والدته شمي كولا في تحمل مسؤولية الحياة الجديدة، واشد ما يؤلمه كان عدم تمكنه من تعقب قاتليه، لاسباب كثيرة فنجوا الى حين من عقاب الناس والدولة، ويقيناً انتظرهم عقاب السماء الصارم.

إنصرف الى تعلم مهنة النجارة في سوق القوش على يد أوراها حداد، ثم عمل لاحقا مع بطرس رئيس، واستقل بدكان لوحده في سوق النجارين، لكن ذلك العمل كان محدوداً في دخله، فالتحق بالعمل في الشركات كنجار قالب طوال السنين اللاحقة.

عام 1946 ذهب مشياً على الاقدام الى عين سفني، وبرفقة المختار وشخص آخر اسمه جونا نونو اسطيفانا، لاستلام دفتر الخدمة العسكرية، ثم التحق بمعسكر التدريب في الغزلاني بالموصل، كان يروي لي عن شتاء قارص شديد البرد عاشه هناك خصوصا في التدريبات الصباحية، قضى هناك ثلاثة اشهر حتى خرج دافعاً بدلاً مقداره 50 ديناراً. فرجع للعمل في شركة( بكتيل) قرب كركوك، وتنقل بين القوش والعمل في شركات اخرى اجنبية، حتى استقراره مع عمي حبيب في سد دوكان، وعند انتهائه عملوا في سد دربندخان الذي كان لاسرتي وانا معهم شرف زيارته عام 1961.

في عام 1963 صعد ابي لفترة قصيرة الى وادي دير الربان هرمزد ومعه بندقيه نوع انكليزي، كان عمي كامل قد اشتراها له عندما كان معلما في( مرسيدا) قبل سنوات، وذلك هربا من مطاردة رجال القوش عامة غداة انقلاب 8 شباط الدموي، وعندما حدث تقدم عسكري في جبل القوش ورافقه قصف الطائرات، اصيب احد اصدقائه وهو بطرس كولا بجروح بليغة، فتطوع مع صديق اخر وهو نجيب ججاوي، فحملوه الى الدير حيث تعالج على يد الدكتور حنا زلفا.

تدهور وضعنا المادي فاضطر للنزول من الجبل، واستحصل ورقة عدم تعرض من مدير الناحية المدعو سيروان الجاف للسفر الى بغداد، هناك عمل لعدة اشهر وبعدها شعر بتدهور حالته الصحية، فاجريت له عملية استئصال احدى كليتيه في مستشفى الراهبات على يد الجراح الشهير غانم عقراوي.

عاد الى القوش ولم يعد بامكانه العمل الشاق في تلك الفترة ، ففتح دكاناً في سوق القوش لبيع انواع الأحذية، وكان مكانه المفضل حيث تجمع الناس من مختلف الألسن والأديان والمراتب الاجتماعية. في اواخر الستينات ترك الدكان لضعف الرزق فيه، فنزل يعمل في مشروع معمل النسيج عند المقاول سعيد بلو. وعند وقوع معارك بين القوش وبعض الأيزيدية كان والدي مشاركاً، وإتخذ موقعه عند صخرة( طلشا) الى جانب آخرين اذكر منهم المختار جوكا غزالا.

شاركني الوالد في الصعوبات التي عانيتها طوال مدة دراستي في كلية الهندسة حتى تخرجي والتحاقي بالعسكرية، ومن ثم انتدابي الى طرق نينوى عام 1977 وحيث كان يعمل بصفة فورمن نجارين، زاده ذلك إبتهاجاً، فعملنا معاً في مشاريع سنجار ولاحقاً في مشاريع طرق دهوك حتى عام 1982 حيث حكمت الظروف ان التحق مع عائلتي بالثوار البواسل.

من هنا بدأت رحلة عذابه جراء تعرضه للمسائلة والاستدعاء الى دائرة الأمن، ثم ارساله الى حيث مواقع الثوار في اقصى الشمال، من اجل اقناعنا في ترك الجبال والرجوع الى حيث الدكتاتورية وحربها الضروس مع دولة ايران. في احدى المرات حاول احد قادة الفصائل اخافته، بإشهار السلاح بوجهه، حتى لا يكرر قدومه الى المنطقة، وكانت تلك اخر مرة يصعد الى منطقة برواري بالا، ولكن المضايقات ومداهمات البيت استمرت.

في عام 1990 وانا مستقر لسنوات في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، زارنا الوالد مع الوالدة هناك، وبقوا معنا لعدة اسابيع، كانت بحق اياماً سعيدة، التقينا بعد فراق قسري لسنوات، وقد سمعنا تفاصيل اخبار الوطن وبلدتنا الحبيبة واهلنا الأحبة، حيث كانت اخبارهم لا تصلنا الا بصعوبات بالغة، استمتعنا واولادي بوجودهم بيننا وباحاديثهم التي سجلتها جذلاً، وحتى عودتهم بسلام عن طريق عدن- صنعاء ثم صنعاء- بغداد.

في حقبة التسعينات عاش اهلنا في العراق وطأة حصار مزدوج من الدول الخارجية والنظام الدكتاتوري، فكانت تلك من اصعب الفترات التي مر بها شعبنا، كنت قد وصلت اميركا، واسهمت مع اخي فريد واختي اناهيد في مساعدتهم، وبدورهم كانوا يساعدون المعوزين الذين انهكتهم حروب النظام العبثية، ثم كانت محاولة سحبهم الى هنا، وأول وصول لهم عام 1999 حيث جرى استقبال حافل لهم من قبلنا، ودعونا العشرات من الاصدقاء والاقرباء الى حفل بهيج احياه المطرب جنان ساوا.

لم يعجبهم الوضع هنا كثيراً، فعادوا الى العراق لعدة سنوات، وعشية احتلال العراق كانوا في اميركا للمرة الثانية، واعتقدت غالبية الناس بعد السقوط المدوي للنظام عام 2003 بان الاوضاع قد استتبت، فعاد الوالدين بصحبة اخي وعوائل اخرى الى الوطن عن طريق طريبيل. ولكن المآسي التي توالت بعد ذك لم تتوقف واستمرت الاوضاع من سيء الى اسوء، ولذلك عادوا للمرة الثالثة في عام 2007 واستقروا دائمياً في ولاية مشيكان، حتى رحيل امي كرجية كوريال اودو عن عمر ناهز ال 80 عاماً، وبعد فترة 5 سنوات ودعنا ابي عن عمر ناهز ال 90، ليلتحق بشريكة حياته والى الأبد.

كاليفورنيا في 2 أيلول 2018

  كتب بتأريخ :  الأحد 02-09-2018     عدد القراء :  1472       عدد التعليقات : 1

 
   
 


الله يرحم العم يونس ويجعله برفقة من سبقه من محبيه وأهله في الفردوس الأزلي.

فقدان الأهل والاحبة لا يزول مهما طال الزمان بنا في هذه الدار ويبقى الألم جرحا نزيفه دائم, لكن ما يخفف هذا الألم هو الأحباب من حولنا والذين من أجلهم نضع يدنا على جروحنا ونمضي مستمرين في هذه الحياة.

اطلب من الله تعالى أن يمنحكم الصبر والسلوان على خسارتكم هذه.

أختكم جنان يوسف سيبي