\"لا تضربْ المرأة ولو بزهرة\"...

أقامت سفارتا النرويج والسويد في التاسع من أيلول عام 2018 حفل غذاء حضره عدد واسع من كبار موظفي الدولة ومنهم رئيسة لجنة المرأة في مجلس رئاسة الوزراء إلى جانب وزراء ونواب وأعضاء من مجلس القضاء الأعلى ودبلوماسيون وممثلون لعدد من منظمات المجتمع المدني ومكاتب الأمم المتحدة واعلاميون وأساتذة جامعات.

كان هدف حفل الغذاء ذلك إطلاق ستراتيجية مكافحة العنف ضد المرأة في العراق. يحق للمراقبين والدارسين والمهتمين أنْ يتساءلوا عما تحقق من تلك الستراتيجية بعد مرور عام واحد على إطلاقها خاصة وأنّ ضجة حصلت في أروقة مجلس النواب العراقي حالما وافقت رئاسة مجلس النواب الحالية بجلستها المنعقدة في الثالث من شباط 2019 على إدراج قانون الحماية من العنف الأسري بنسخته المعدلة عام 2017 للمناقشة والتصويت عليه. سبق أنْ أنجزت نسخة أخرى من مشروع القانون هذا عام 2015، ولم تلق الموافقة. يعاد اليوم تقديم مشروع القانون لغرض تشريعه والعمل بموجبه لحماية وتعزيز قدرات آلاف الضحايا من نساء وأطفال وفتيان ورجال. ويأتي إدراج مشروع قانون الحماية من العنف الأسري في وقت أعلنت فيه الأمم المتحدة عن شعارات البرنامج الأممي للعام الحالي 2019 والذي يتمثل في العمل على تحقيق المساواة على أساس النوع (الجندر)، والإستمرار بالعمل لتمكين المرأة وتقويتها، واستخدام الطرق المبتكرة لتحقيق التغيير لصالحها في المجتمع.

يذكر أنّ برلمان أقليم كردستان سنّ منذ عام 2011 القانون رقم (8) والذي حمل عنوان "مناهضة العنف الأسري"، الذي يعمل به حالياً ويخضع بين فترة وأخرى لمناقشات بغية تطويره وتحديثه. ما أنْ أخذ طريقه للتطبيق حتى استبدلت فكرة محاكم للعنف الأسري بقضاة متخصصين يعملون ضمن المحاكم القائمة في الأقليم ويواصلون عملهم في هذا المجال منذ ذلك الحين. سيكون من الجهل والتسطيح التقليل من أهمية تشريع قوانين مهمة من هذا القبيل لمعالجة حالات العنف الأسري التي تتزايد كل يوم في مجتمع انتقل حجم السكان فيه من (12) مليون نسمة عام 1977 إلى مجتمع يعيش فيه اليوم ما يقرب من (40) مليون نسمة. هذا في وقت تظهر فيه مؤسسات مستقلة مثل المفوضية العليا لحقوق الإنسان شبه عاجزة عن القيام بمهماتها على هذا الصعيد ويوجز موقعها الألكتروني مهامها في سياق الأفعال "قامت، وعقدت، وتحذر، وتدعو، وتنفي، وتدين، وتزور مخيمات اللاجئين، وتعقد دورة تدريبية تخصصية لأساتذة جامعة الموصل في أهمية وثيقة حقوق الإنسان ...". فلو وجهت الجهود التنظيمية والمادية لإختيار أعضاء المفوضية الجدد البالغ عددهم (11) عضواً أصيلاً وثلاثة أعضاء احتياط لمن هم في حاجة فعلية إليها لأمكن إنقاذ بضعة آلاف معنّف ومضطهد في العراق، اليوم. وما يقال عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان يمكن أنْ يقال عن عدد آخر من الهيئات المستقلة والوظائف العليا المستحدثة واللجان الواسعة المشكّلة لمتابعة قضية جارحة ومؤذية ومؤلمة من قبيل العنف الأسري المتعاظم في العراق. تقبع خلف جدران البيوت "الآمنة" والعوائل المحترمة نفوس تئن وتستنجد بكل من يمكنه أنْ يمد يد العون لها ولكنّها لا تجد إلى الخلاص سبيلاً.

إذا كان الفساد بحسب السيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي في مؤتمره الأسبوعي الأخير قد تغوّل بصيغة منظومة ومافيات ومصالح مستثمرة منذ ما يزيد على العقد ونصف العقد من الزمان فمن باب أولى أنْ يصار لتشذيب مؤسسات الفساد هذه من خلال العودة لأبجديات علم الإدارة الذي يدعو إلى خفض عدد الهيئات المستقلة واللجان الفائضة عن الحاجة والتي يلتقي المنتدبون إليها لحضور اجتماعات تجد فيها ثلاثة أصناف من الأعضاء: المدافع عن السياسة والموقف السائد للمؤسسة، والناقد لها، والصامت السلبي الذي لا يحرك ساكناً. لا يمكن لجهاز بيروقراطي يأخذ هذا الشكل أنْ يأخذ دوره لتحقيق العمل والتقدم خطوات لتسهيل أمور المواطنين وتطمينهم على ما يقدم إليهم من خدمات. وهذا ما يدعو إليه مشروع القانون الذي أدرج على جدول أعمال مجلس النواب العراقي لمناقشته مطلع الفصل التشريعي الثاني الذي يبدأ قريباً. يقوم مشروع القانون على فلسفة أنْ يكون الراعي الموظف الأعلى درجة والأكثر مسؤولية بحسب العنوان الوظيفي والمنشغل بالكثير إبتداءاً مما يجعل من تسميته صيغة شكلية يكلف عملياً بها موظفون آخرون. يقترح مشروع القانون أكثر من صيغة تنظيمية تتمثل بتشكيل لجنة عليا لمكافحة العنف الأسري يرأسها موظف بدرجة وزير وتتبع رئاسة مجلس الوزراء وتضم ممثلين عن ما يزيد على (14) جهة بضمنها وزارات ومجلس القضاء الأعلى ومنظمات مجتمع مدني، إلخ. ولا يكتفي مشروع القانون بهذا بل يضيف مقترح إستحداث مديرية حماية الأسرة والطفل تدار من قبل وزارة الداخلية إلى جانب محكمة الأسرة التي تتبع وزارة العدل. تجاهد دول العالم لتشذيب أنظمتها الإدارية وحصر المسؤوليات لدى جهات محددة وموصفة توصيفاً قانونياً دقيقاً لتحقيق نسبة إنجاز عملية فيما تصمم مشروعات القوانين في العراق ومنها القانون المقترح لحماية الأسرة ومكافحة العنف الأسري ليقحم الجميع في العمل مع الجميع. هذه تشكيلات متداخلة من حيث الصلاحيات والسلطات التفويضية وهي فوقية بطبيعتها وقد لا تكون بصيغتها هذه قادرة على تقديم حلول عملية لمعاناة المواطنين المفترضين بشمولها إذ يمكن الإكتفاء بمحكمة أسرية متخصصة للنظر بقضايا العنف الأسري كما هو معمول به في أقليم كردستان.

وهناك ما يرتبط بتحديد مفهوم العنف الأسري حيث يحدد بصورة تفصيلية في قانون (8) لسنة 2011 في أقليم كردستان بثلاث عشرة حالة ذكرت على سبيل المثال. تضم هذه الحالات المشار إليها مسألة الزواج بالإكراه وزواج الشغار أي تزويج الأب لإبنته أو الأخ لأخته مقابل أنْ يتزوج أي منهما بدون دفع تكاليف زواجه. وهناك حالة تزويج الصغير والتزويج بدلاً عن دفع الدية والطلاق بالإكراه وقطع صلة الأرحام وختان الإناث وإجبار أحد أفراد الأسرة على ترك الوظيفة أو العمل بالقوة وإجبار الأطفال على العمل والتسول وترك الدراسة والإنتحار أو الإجهاض لأسباب تتعلق بالعنف الأسري والضرب والإهانة والسب والشتم والتحقير وما إليها. لم يظهر أي من هذه الحالات التفصيلية في مشروع قانون 2017 على المستوى الإتحادي وترك المفهوم الرئيسي في مشروع القانون "العنف الأسري"، عاماً وشاملاً بلا تفصيل. يعرّف "العنف الأسري" في مشروع قانون 2017 المدرج على جدول أعمال مجلس النواب العراقي على أنّه "أي فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بأي منهما، يرتكب داخل الأسرة، يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي، ويعد جريمة وفقاً للقانون". لم يعد مثل هذا التعريف كافياً ومقبولاً في مجتمع تتعدد فيه طرق الإلتفاف على القانون أو تفسيره كيفما اتفق.

هناك مسافة طويلة بين الوعي الاجتماعي والقانون ولكنّ "مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة"، حسب المثل الصيني. توجد في العراق اليوم قوانين مهمة لمكافحة العنف كما في قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لعام 1959 وقانون العقوبات وتعديلاته رقم (111) لعام 1969 وقانون إصلاح الأحداث وهذه قوانين راسخة يمكن العودة إليها ودعم القائمين على تطبيقها من قضاة ومحامين وباحثين اجتماعيين وأجهزة أمنية. ويمكن الشروع بسن قوانين جديدة لدعم القديمة والقائمة والتفصيل فيها لخصوصية الحالة المستجدة ومدى تأثيرها في المجتمع كما في قانون مكافحة العنف الأسري. إلى جانب هذه القوانين ومشروعاتها هناك الحاجة لتطوير الوعي الاجتماعي لمعالجة ما يظهر ويستجد ليتحقق الإنسجام بين الجانبين ممن لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر. فالمشتغلون في مجال القانون جزء حيوي من بنية وثقافة المجتمع وهم يعملون بالتفاعل مع مواطنين يشبهونهم من حيث المقاييس ونمط التفكير السائد الأمر الذي يتطلب أخذهما بالإعتبار. هناك جانب اجتماعي في كل نص قانون أو بند أو مادة لن يكون ممكناً تسخيرها بصورة سليمة خارج فهم شروطها والمواقف الأدبية التي تترتب عليها أو تصاحبها. هذه ليست مسألة رأي أو قناعة شخصية أو عائلية يمكن لكائن من كان أنْ يفتي فيها. هذه قضية تتطلب تدخلاً علمياً دقيقاً لمعالجتها ووضعها في مسارها الصحيح. تعمل الجامعات العراقية الحكومية الرئيسية على تخريج عشرات الطلبة كل عام ممن يحملون شهادات في مجال الخدمة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية يمكن أنْ يفاد من طاقاتهم وإمكاناتهم وتوفير فرص عمل لهم في مجال تخصصاتهم. يعاني هؤلاء من إهمال كبير بلغ حد أنْ تساءل كثير منهم عن جدوى أنْ تفتتح أقسام علمية في المجالات التي يوجهون للدراسة فيها بحسب نظام التوزيع المركزي لخريجي الدراسة الثانوية. وهذا تفريط بإمكانات يمكن أنْ تطور طاقاتها بدل الإستعاضة عنهم بأشخاص يحملون شهادات في مجال الزراعة أو المال والاقتصاد والسياسة وما إليها لمجرد أنْ تؤمن لهم وظائف حكومية بسبب نظام المحسوبيات والمنسوبيات غير الرسمي المعمول به بصورة غير قانونية. بالحقيقة، لا يظهر لخريجي العلوم الاجتماعية إسماً إلا على مستوى تكليف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بمهمة رئاسة لجنة عليا أو فتح دور للإيواء أو استدعاء أصحاب الشهادات العليا منهم للدخول في تشكيلة اللجان المقترحة. وهذه مشكلة أخرى مهمة تتطلب موقفاً مسؤولاً يتعلق بمستقبل هؤلاء الخريجين ممن يمكن أنْ يؤدوا أدواراً حاسمة على مستوى تطبيق وتعزيز قوانين من هذا النوع.

  كتب بتأريخ :  السبت 09-03-2019     عدد القراء :  392       عدد التعليقات : 0