قراءة في المجموعة الشعرية ( كلما أفسدوا قلماً , طويت ورقتي ) للشاعر جواد كاظم غلوم

الكاتب والشاعر القدير , له باع طويل وتجربة وخبرة عميقة , في ابداعه النثري والشعري , ويطرحه في مميزات  النبرة الصافية والصوت الواضح ,  الذي يستند من صلابة  المواقف الرصينة والرشيدة  ,  التي تتجلى برؤيتها  بالوعي الناضج من خبرته الطويلة في ممارسة الكتابة  , التي عفرتها تراب المعايشة والمعاناة الحقيقية عبر ازمنتها المتعاقبة  , التي اكتوى بنار حممها الحارقة وبالقهر الاجتماعي والسياسي  , لهذا  ينطلق بقوة  الصدق في المشاعر والاحاسيس  , التي تغلي وتفور في الضلوع . من معاناة الغربة والاغتراب سواء ,  في داخل الوطن ,  او في  خارج الوطن . ومن الواقع المزري الذي وصل الى وتيرة التفاقم لتصل الى    المحنة الجماعية , في  القهر والعسف الحياتي , في ازمنتها  السوداء التي مرت على العراق , وانغمر في لوعتها الموجعة , بأطنان من الاحزان والاضطهاد والانتهاك والاستلاب  , ومن هذا المنطلق الواقعي ينطلق في مواقفه الصريحة والجريئة , يكشفها بكل شجاعة ,  ويكشف العيوب والعورات , ويكسر قلم المهادنة والمساومة   ,  ويقف بشموخ ضد الاقلام الفاسدة التي لوثتها لعنة الدولار . ويشدد هجومه الضاري على الذين دفعوا العراق , ان يغور في اعماق الادغال الوحشية في دروبها المظلمة . يشدد هجومه على الذين سرقوا الحلم العراقي , بعد اسقاط الحقبة الدكتاتورية . ان يسرقوا العراق بكامله  وبما امتلك من الخيرات والاموال الوفيرة  , في تحقيق احلامهم المريضة بكنز  الدولار الاسود , , ان ينشفوا بالفرهدة والنهب  مغارة  ( علي بابا ) وعلى حطام وجماجم الناس الابرياء التي تتساقط كل يوم . لكي تتحول الحياة الى معاناة جحيمية حقيقية , من هؤلاء الاوغاد البرابرة الجدد.  فقد جعلوا الاحزان والانين والصراخ يتعلى من  الاطفال واليتامى والارامل , وان يطحن  المواطن البسيط  في مطحنة المعاناة  المريرة في لقمة العيش  . انه زمن العهر بهؤلاء الحثالات العفنة  , الذين  يبيعون بضاعتهم الخسيسة في سوق النخاسين . بعدما جلبهم غربان الاحتلال ,  جمعهم من كل نفايات وقمامة المعمورة , وسلمهم صولجان السلطة والنفوذ والمال  . جاءوا على شقاء الوطن وتحطيمه وتمزيقه , بذلك تحطمت حياة الناس الى الاسوأ من الماضي , في عهدهم البغيض والجاثم  . هكذا غرد وصدح في   مجموعته الشعرية ,  في استخدام وتوظيف  كل الاساليب والاشكال التعابير , من اجل ان تحدث  الصدى  القوي  والرنان  . لكي تبرز الاثار المؤثر  والمشحونة والمتحفزة  لدى  القراء , منها منصات تناص التراث والتاريخ  ,  والى المناجاة الام السومرية . انه يعمق ويفجر الفعل المضاد في قصائده الشعرية . التي سلطت الضوء على هموم واحزان الناس ,  في معاناة حقيقية مدمرة بالخراب والفوضى  العارمة  , التي تخنق الحياة  واسلوب المعيشة  البسيطة . أن القصائد الشعرية تدلف الى الاعماق في محنة الوطن . وكما يعرج الى محنته الوجدانية الذاتية  , برحيل رفيقة عمره وحياته , قرينة روحه  , برحيلها الابدي , وفقدان عنصر حياتي هام وبارز في مسيرة حياته الطويلة , التي شق طريقها سوية بالحب والوفاء والانسجام   . ان بغيابها الابدي ,  طعنة في اعماق روحه ,  يتجرع كأس العلقم كل يوم  , تركته وحيداً يصارع الامواج العاتية في قسوتها وشقائها المدمر . ,لهذا الاسباب المتراكمة ( من معاناة الوطن وفراق الحبيبة )  يطلق عنان قريحة الشعر في قصائد المجموعة  , ويرصد الاتجاه المدمر والعاصف في الحياة العامة  . ويصب جام غضبه الساطع على البرابرة الجدد .  انه يعطي اهمية بارزة للفعل المقاوم , بعدم الخنوع والاستسلام الذليل للاوغاد والطغاة الجدد  ,  ان يوجه سهامه النارية على الثعالب والذئاب الادمية . ان يكشف احلامهم المريضة , بأنهم عبدة الدولار الاسود , الذين اغرقوا الحياة بالحزن والمعاناة ,  وأطفأوا كل انوار الحياة . ليكون شاهداً حياً على الخراب العراقي , الذي لم يتوقف , بل يستمر في وتيرة متصاعدة من خراب والحطام .

× في مناجاة المحنة بغداد وهي محنة العراق ككل . ان يشكو في معاناته الى ( أبن زريق البغدادي ) وهي صورة من الاستلهام والتناص . بأنه لم يجد في بغداد , التي جائها جائعاً وعارياً , يهزه نزيف الشوق والحنين , لم يجد سوى ليل مظلم  مخيم على بغداد . سوى نزيف الدماء تنزف على ضفتي دجلة ( الرصافة والكرخ ) . لم يجد إلا وجوه العدى والردى , بالوجوه مخيفة  ومرعبة  ,  وهو يتجول بين الضفتين . لم يجد ( المها ) , وانما وجد عيونها مفزوعة من الرعب والاغتصاب والانتهاك . فلم يجد يا صاحب المقام الرفيع ( أبن زريق البغدادي ) ,  ( المها ) . فأين انت لتذود عن شرف وعرض ( المها ) من عفونة الاوغاد البرابرة الجدد . ولاسيف عنده يشهره في وجه الطغاة الجدد  ليحمي شرف ( المها ) من عار الدنس . من البغاة الجدد . لم يعد له القدرة الدافع عن كرامتها  المنهوكة والمغتصبة  , ليعود خائباً يلوك الاسى ,  مضغة في فمه  .

سيدي , ذا المقام الرفيع المنيف

جئت من سدفة الظلام المخيف

جائعاً , عارياً , دافقاً بالنزيف

أرى نسلي الزغب تشقى

ولا سيف لي .. لأشهره في وجوه البغاة

في وجوه العدى والردى

حين يحمي الوطيس

ألوك الاسى مضغة في فمي

أرحت ركابي بأرض الزلازل

لا زاد عندي سوى كسرة من رغيف

بللتها العفونة واخضر طحلبها في خراجي

أتيتك حزناً طويل الحبال

ثقيلاً , ثقيلاً بحجم الجبال  /  من قصيدة ( القصيدة الثانية لابن زريق البغدادي )

× الحلم الوردي بعد سقوط الحقبة البعثية , انهار وتفتت وتمزق واختفى  , واصبح حلماً اسوداً يورق ويرهق الناس . فقد سقط الامل بلا عودة . وخاب ظن  الوطن للطيور المهاجرة , التي اعناها السفر وارهقتها الغربة والاغتراب , لتعود الى احضان الوطن , لتعود لتجدد احلامها القديمة في بارقة الامل . لكنها تفاجئ بالصدمة الهائلة بعودتها الى أرض الوطن . لم تجد بغيتها , ولم تجد  العراق ,  وتجد بغداد تغفو غارقة  في الحلم والكابوس   .  بغداد في وجهها المرعوب المغلف  بالخوف والقلق في  حياتها الجديدة . فقد لبست الزي العسكري , واطلق العناق لشبح الاحزان . بغداد اسيرة ومخطوفة بين الوجوه المرعبة التي تفاجئك , بجدران الكونكريت ونقاط التفتيش . يرعب  صوت صفارت الانذار تنذر  لموت جديد  قادم . يرعبها نعيق وعواء الثعالب وذيولهم , بغداد تحولت الى سوق النخاسين بالعهر السياسي .

وأصوب وجهي نحو بغداد

أقف على شاطئ دجلة

ماذا عن العسكر والجدران الكونكريتية ؟

ونقاط التفتيش والوجوه المرعبة التي تفاجئك

وصفارات الانذار و ....... و ..........

أوه, سأتجاهل كل هذه المظاهر

واطوي هذه النشازات

وافتح افقاً احمر

واتأمل دجلة واغفو في حضنها قليلاً

أتلمس رملها الرطب البارد

أضع شيئا منه على خدي كالحناء        / من قصيدة ( حمامتي والطيور السود )

× في العهد الجديد برزت معالم المدينة الفاسدة ( الديستوبية ) شاخصة في معالمها في كل ميادين الحياة , في النهب والفرهدة والسحت الحرام , على صراخ وعويل الفقراء والجياع والاطفال واليتامى . فقد اصابت العراق اللعنة من  السماء والارض , حين اعتلوا العرش وصولجان السلطة والنفوذ . كل النفايات التي تجمعت وتهالكت عليه من قمامة وازبال المعمورة . التي باعت البشر بالدولار اسود ,  وحطمت كل شيء بالتدمير والخراب والفوضى الشاملة , بكل خساسة ودناءة حقيرة , كأن التاريخ يعيد نفسه من جديد في فصوله المأساوية . كما حدث لمدينة ( بومبي ) المدينة الرومانية , التي دمرت بالكامل , العمران والناس وكل معالم الحياة تحولت  الى خرائب ,على  أثر انفجارات بركان ( فيزوف ) في العصر الروماني , او مثل  حرائق روما التي حولتها الى حرائق  .

أرضي أضحت خربة تساقط سورها الشاهق

كل يرمي نفاياته ودرنه في أديمها الطاهر

حدود بلادي قربوها , لوثوا طهرها

زاحفين كالجراد النهم

لعقوا بألسنتهم نقاء عذوبتي

لهاتهم أصابني بالقيء

توسلت بسرب النوارس

أنْ : خذوني معكم طائراً شريداً , جريحاً

لم ألق آذناً صاغية

سألم متاعي واعبر مدن الخطايا

أعفر وجهي برمادها

أتسكع في ( بومبي ) الغارقة بالاثم

لا أحد يشاطرني في  خطواتي

سوى الكلاب الضالة .   /  من قصيدة ( إطلالة على مدن الرماد ) .

× نزيف جرح الحزن المؤلم الذي شطر قلبه الى نصفين  , نصف رحل في رحلته الابدية , بقراق وفقدان رفيقة العمر والحياة والحب . رحلت الى رحمة الله الواسعة , وتركت الشطر النصف  الاخر من  القلب , يعاني من نزيف  الحزن والهموم والشجون بوحشته ووحدته  . برحيلنها أطفأت انوار حياته , تقطر بجراحها النازفة . لقد تركته وحيداً سوى  من آثارها الباقية في كل زاوية من البيت , يوسي بها روحه المعذبة  , تطارحه السقام ,  في الصحوة والمنام  . فقد كانت  غانيته الساحرة والطاهرة الجليلة  , تملئ عبق حياته في مرها وحلوها . فقد كانت  خيمته الحياتية .

أسدل ستائري في الليل

فإذا جدائل شعركِ تلاعب أناملي

أسقي ورود حديقتي

فتأخذني ساقيتي الى عذوبتكِ

أتجرد من ملابسي

فإذا جلدكِ يلتف بي متلبساً

سيديتي الغائبة تطاردني

تطارحني السقام

تلامسني الذهول

في صحوتي , في منامي

في شرودي , في يقظتي

في حلي وترحالي

في جلجلتي هدأتي

ما أنت ايتها الغانية الساحرة !!  / من قصيدة ( سيدتي الغائبة )

× الوضع الجديد المصاب بالفوضى العارمة , بغياب الرؤية البصيرية المسؤولة في حرصها وواجبها الاخلاقي والديني . فوقعت هذه الحثالات  صريعة بريق هوس جنون  الدولار الاسود . وراحت تعزف في بهجهة الفرهدة والنهب بالنشوة والانتصار . فأصبح العراق عبارة  عن سرك تهريجي , تتقمص فيه كل الادوار الثعلبية والشيطانية ,  بالتهريج الغث بالهذيان والغثيان . في تجنيد النفوس الضعيفة والذميمة , التي تبيع شرفها وشرف القلم , بحفنة من الدولار , لتكمل صورة التهريج المنافق . في مهرجانات ( على حس الطبل خفاً يا رجلية ) . فأصبحت حياة المواطن تلاحقه كواتم الصوت في اي مكان كان  , على شقاء وسياط الواقع الدامية والنازفة  . فتبدلت الاحلام الى كوابيس , وتبدل كل شيء الى حطام اسود . حين هبت جحافل البرابرة الجدد احفاد المغول , لتحطيم الحياة في معاولهم على صياحات  التكبير والتسجيد للاصنام الجدد المنافقة . وماهي إلا عبارة عن جرذان عفنة وكريهة . فقد اصبحت بضاعتها الرابحة ,  الدعارة العهر السياسي , بأحقر اشكاله الخسيسة والدنيئة . ليكنزوا الذهب والدولار على حطام الوطن . روضت الناس ان تدس رؤوسها في التراب .

قبرتم صغارنا وأداً

سخمتم سماءنا الزرقاء

أقحلتم فيافينا الخضراء

شحنتم أهالينا عداوة وبغضاً

طلقتم حليلاتنا الممتلئات عفة

نحرتم حمائمنا أمام مرآنا

وكواتمكم  تطاردنا أينما حللنا

أبواقكم تصم آذاننا

أفواهكم تنفث كذباً

عيونكم تحدق بنا شزراً

سياطكم تلسعنا وجعاً

أخذتم بخناقنا

رفستم أحلامنا الوردية

كنستموها  نفاياتٍ  لمواخير اليأس

ابدلتم ملامحنا سحالي مخيفة

مصصتم جاشنا

صيرتمونا نعاماً تدس رؤوسها في التراب

ايتها البرابرة الشرسون .   /  من قصيدة ( تعالوا أيها البرابرة أنتم وريحكم الصرصر )

× المجموعة الشعرية : كلما أفسدوا قلماً , طويت ورقتي .

× الشاعر : جواد كاظم غلوم

× طباعة : أمل الجديدة

× الطبعة الاولى : عام 2018

× مصمم الغلاف : الفنان مصدق الحبيب

× عدد الصفحات : 138صفحة

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-04-2019     عدد القراء :  248       عدد التعليقات : 0