حول موقف كريم أحمد عند أسره في أحداث بشتاشان

بداية لا بد من تعريف القراء الكرام عن واقعة بشتاشان , ما هي ! وكيف حدثت , ولماذا ..! ومن هم مشعلوها , بإختصار .. بشتاشان هي القاعدة الرئيسية لقوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي وهي منطقة واسعة تضم عدة قرى كردية مهجورة إتخذ منها الشيوعيون قاعدة لهم وضمت فصائل عدة من بينها فصيل أشقولكة وفصيل بيانة وفصيل بولي وفصيل المكتب السياسي بالاضافة للمتفجرات والاعلام والطبابة والإذاعة وغيرها وفيها كوادر حزبية رفيعة وخاصة أعضاء من اللجنة المركزية والمكتب السياسي وفيها انصار مرضى ومن كبار السن بالإضافة لعدد من الأطفال.. في يوم الأول من أيار عام 1983 أغارت قوات تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني على القاعدة لتصفية مواقع الشيوعيين الرئيسية من خلال صفقة مشبوهة عقدها قادة الاتحاد حينذاك مع سلطة صدام حسين.. كانت قواتهم بحدود 1700 عنصر الى الفين مدججين بأسلحة حديثة خفيفة ومتوسطة وكانوا مسنودين من قوات الجيش والجحوش المحليين , بينما كان أنصار القاعدة الشيوعيين بمجملهم ما بين 300 الى 350 شخص متوزعين على فصائل القاعدة.. وعند الفجر بدأت النيران تسقط عليهم بشكل مكثف وممركز وقاتل وفي اليوم الأول إستشهد أكثر من سبعين نصير من كوادر الحزب ورفاقه الأنصار , قاوم الأنصار الهجوم ببسالة نادرة بينما تم تأمين انسحاب النساء والأطفال والمرضى وكبار السن وعدد من الأنصار الآخرين والقادة باتجاه الحدود الإيرانية صعودا على مرتفعات جبل قنديل الشهير متحملين قساوة الظروف من برد شديد وعواصف الثلج التي لا زالت تغطيه بكثافة , كانت الخطة المبيته تتضمن الإبادة الشاملة للجميع , قادة وكوادر وانصار وحتى الأطفال كما فعل النظام الديكتاتوري ضد الشعب الكردي بواقعة الانفال عام 1988 , ولكن خطتهم لم تنجح إلاّ جزئياً بحيث استطاعوا من قتل أكثر من ثمانين رفيق بيومين وتأسير عدد من الأنصار , كان من ضمنهم ثلاثة من الرفاق القياديين هم كل من الرفيق كريم أحمد الداوود وهو كان يشغل عضو المكتب السياسي للحزب وعضو المكتب العسكري وكان يقود الحزب ويجتمع باللجنة المركزية والمكتب السياسي في حالة غياب الرفيق السكرتير الفقيد عزيز محمد الذي كان دائم الغياب , وكان في الاسر أيضاً الفقيد أحمد باني خيلاني أبو الشهيد سرباز وهو عضو لجنة مركزية بالإضافة الى الفقيد قادر رشيد أبو شوان وهو احد الكوادر الكردية البارزة بالإضافة الى تأسير أكثر من ثلاثين نصير وتم القاء القبض على أربعة نصيرات وتأسيرهن وتم حجزهن في احدى القرى الكردية ...يثار لغط وكلام غير مسؤول من البعض بخصوص موقف الرفيق كريم أحمد من الاسر وكونه وقع مع الجلاليين وثيقة استسلام وغدر برفاقه وهو جبان أو خائن ..هذا الكلام سمعته منذ أكثر من 36 عام ولا زال البعض يطلقه بملأ الفم وبثقة عالية بصحة معلومته ودون تردد , ومنه ما تفوهت به النصيرة نداء وهي نصيرة القيسي في قناة الفلوجة الفضائية زاعمة ان كريم أحمد قد خان رفاقه وغدر بهم حينما تم أسره من قبل قوات جلال الطالباني وطالبت هي بإعدامه مشيرة الى أن الشيوعيين اعدموا زوجها أبو بهاء بتهمة الخيانة قائلةً ..لماذا لم يعدموا كريم أحمد ..! الم يكن هو أيضاً خائن ..! كما أكدت للصحفي حميد عبد الله الذي التقاها ..وآخرين سمعناهم من تلك الساعة وللآن يلعنون كريم أحمد على توقيعه اتفاقية مع الجلاليين وهو في قبضتهم معتبرين ما قام به جبن وغدر ..الخ ..فما هي حقيقة الأمور ..؟

يعتبر الرفيق كريم أحمد أبو سليم من أبرز قادة الحزب الشيوعي العراقي والشيوعي الكردستاني خلال كل تاريخه السياسي الذي يزيد عن السبعين عام.. وهو معلم من مواليد عام 1922 إنتمى للحزب الشيوعي منذ سنوات شبابه الأولى وتفرغ للعمل الحزبي وهو شجاع بما فيه الكفاية ومخلص لحزبه ورفاقه ومدافع عن مصالح شعبه العراقي والكردستاني ولم تهزه يوماً ما الظروف الشاقة التي أحاطت بالحزب وخرج منها مرفوع الرأس وليس كما قالت الشيوعية السابقة نصيرة القيسي من أنه جاء بعد الافراج عنه فارع الرأس مخذول.. الخ , قاد الرفيق أبو سليم الحزب الشيوعي العراقي لفترة من الزمن قبل أن يقوده الشهيد سلام عادل وفي فترة قيادة الحزب من قبل الفقيد عزيز محمد كان الرفيق أبو سليم هو من يقود اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب في الفترة التي يغيب فيها السكرتير ثم قاد وبجدارة الحزب الشيوعي الكردستاني وهو من أطيب الرفاق وأحرصهم على رفاقه وعلى حزبه , المهم هو في يوم 2 أيار عام 1983 وقع الرفيق أبو سليم ورفاقه في كمين نصبه لهم الاتحاد الوطني الكردستاني واستشهد عدد منهم بينما تم تأسيره هو وعدد من الرفاق وفي الاسر التقى بجلال الطالباني وعدد من قادته وأبرم معهم اتفاق ينص على وقف اطلاق النار فورا , ووقف المعارك ووقف الحملات الإعلامية بين الجانبين وإبرام هدنة للتهدئة وإطلاق سراح كافة الاسرى لديهم والعودة الى طاولة المفاوضات ورفع الكمائن وغيرها وتم اعلان الاتفاق وأذيع من راديو الجلاليين باللغتين العربية والكردية وكان بصوت واضح استمعنا اليه جميعا نحن انصار الحزب الشيوعي العراقي ولكنه أثار مخاوفنا وشكوكنا بمصداقيتهم أولاً بعد سلسلة مفاوضاتهم واتفاقاتهم مع السلطة الصدامية ثم أننا لا نعرف الظروف المحيطة برفاقنا الاسرى وكيفية ابرام مثل هكذا إتفاق بالوقت الذي لا زالت دماء رفاقنا لم تجف بعد وجثثهم كانت مرمية ملطخة بالدماء في كل مكان ..ّ وغالبيتهم الساحقة بعمر الزهور مفعمين بالحيوية وحب الحياة والتفاني في سبيل مصالح الشعب , كان القلق هو السائد في تلك المرحلة بالاضافة الى الحزن الشديد على الشباب الذين فقدناهم والذين لا نعرف مصيرهم المجهول بعد وهم لا زالوا في قبضة أناس متعطشين للدماء وخاصة حينما علمنا انهم قتلوا بدم بارد عدد من الأنصار العرب من الاسرى والجرحى لديهم !!..مرت الأيام ثقيلة على الجميع وبعد حوالي أسبوع او اكثر بقليل عاد الرفاق كريم أحمد وأحمد باني خيلاني وقادر رشيد حيث تم اطلاق سراحهم وفي وقت لاحق عقد الرفيق أبو سليم لقاءً جمع كل من تبقى من الأنصار ليشرح لهم أبعاد الاتفاق وكيف حصل , ولماذا أبرمه هو بنفسه ..الخ ..استمعنا اليه وكنت انا من ضمنهم وقربه ..شرح الرفيق مجمل ما دار بينه وبين الجلاليين وأشار الى السبب الرئيسي في توقيعه للاتفاق وهو لتجنيب الأنصار في قاعدة أربيل الإبادة الجماعية على أيدي قوات الاتحاد الوطني حيث ان خطتهم بعد الهجوم على بشتاشان كانت هي للاغارة على قاعدة أربيل وقتل جميع الأنصار فيها ولكن الرفيق أبو سليم لم يعلم أن انصار هذه القاعدة قد انسحبوا منها مفوتين الفرصة على الجلاليين في النيل منهم , ثم انه أراد حقن دماء بقية الأنصار في القواطع الأخرى والتي من المؤكد ان أياديهم ستطالها , لذلك كانت نصوص الاتفاقية واضحة وصريحة وبعد اطلاق سراح القادة الثلاثة تم رفع الحجز عن الرفيقات وعادن الينا , لكن قوات الاتحاد الوطني لم تلتزم بالاتفاقية وخرقتها ولم يلتزم بها الشيوعيين أيضاً وبقي لديهم وفي قبضتهم أكثر من ثلاثين نصير ..انتخبوا الرفيق النصير العزيز الكاتب حمودي عبد محسن أبو كاظم مسؤولاً عنهم في الاسر لغرض تنظيم امورهم في التفاوض مع الجانب الآخر الذي كان يمثله أحد قادتهم المدعو ملّا عمر , ثم أطلق سراحهم بعد أكثر من ستة شهور ..في لقاء الرفيق كريم احمد معنا جميعاً سأل عدة أسئلة من الأنصار , أجاب عليها بهدوءه المعهود وبصدق ودقة طمأنت الغالبية الساحقة من الأنصار واتذكر انه قال .. / أن رقبتي أرفع من الشعرة في حالة الذود عنكم والحفاظ عليكم وأنا لا تهمني حياتي الشخصية بقدر خوفي عليكم .. / وكانت هذه هي الحقيقة والتي اقتنع بها أغلب الأنصار ولاقت التفهم من قبل القيادة ولكن الأنصار جميعاً لاموا الرفيق على التوقيع بسبب عدم امتلاكه للصلاحية الحزبية التنظيمية وهو في الاسر والامر متروك لمن تبقى من القيادة في اتخاذ أي إجراء يروه مناسباً في مثل تلك الظروف .. إنفض اللقاء وبعد أيام عقد المتواجدون من أعضاء اللجنة المركزية اجتماع لتقييم الاحداث الدامية ورأسه الرفيق أبو فاروق عضو المكتب السياسي بحضور الرفيق أبو سليم وبعدم وجود الرفيق السكرتير عزيز محمد وفيه جرى نقد الرفيق أبو سليم فقط من دون اتخاذ أية عقوبة بحقه وتم انتخاب الرفيق أبو فاروق ليحل محله في إدارة الاجتماعات وقيادة الحزب في الفترة التي يغيب فيها السكرتير عن الساحة وكانت رغبة الرفيق باقر إبراهيم أبو خولة بأن يستلم هو هذه المهمة لكنه لم يفز بها وفاز بدلاً عنه الرفيق أبو فاروق وبقي الرفيق كريم أحمد من ضمن قوام المكتب السياسي واللجنة المركزية ولم تتم تنحيته او تجميد عضويته كما كان يعتقد البعض ...وبقيت العلاقة لمدة طويلة متوترة بين الشيوعيين والاتحاد الوطني الكردستاني وبين كافة الأحزاب الكردية والاتحاد الكردستاني من جهة أخرى وجاءت معارك بشتاشان الثانية في أيلول من نفس العام وقدمنا تضحيات وشهداء اعزاء ثم بعد مدة طويلة من الزمن حصل الانفراج خاصة وان آمال قادة الاتحاد الوطني من مغريات السلطة لهم باءت بالفشل ولم يحصلوا من صدام ونظامه على أي شيء سوى السراب ..تحية للرفيق العزيز النصير الأكبر كريم احمد أبو سليم وأتمنى له طولت العمر وبصحة جيدة ليحتفل حزبنا بمئة عام على ميلاده بعد ثلاث سنين من الآن .          

  كتب بتأريخ :  السبت 18-05-2019     عدد القراء :  136       عدد التعليقات : 0