الكلبتومانيا والفساد المالي والراقصة تهاني

يفسر علماء النفس مرض السرقة أو الكلبتومانيا بأنه أحد الأمراض النفسية حيث أنه يشير الى عدم القدرة على التوقّف عن سرقة بعض الأشياء التي هي تكون قليلة الثمن والقيمة، والسارق ليس بحاجة إليها ولا هو عاجز عن شرائها. وكثيراً ما يلقي بها بعد ذلك أو يعيدها خلسة إلى صاحبها حيث يكون الهدف هو السرقة فقط و ليس امتلاك الشيء الذي قام بسرقته حيث يشعر المريض بالسعادة بعد سرقته لشيء ليس من حقه ، و لكن الغريب في الأمر أن معظم المرضى بعد شعورهم بالسعادة بفترة يشعرون بالندم الشديد و الإحباط جراء فعلتهم هذه ! أن هذا النوع من السرقة له علاقة فعلية بالوراثة ولا عجب أن نرى المصابين به هم من أغنى الأغنياء الذين غالباً ما يتبضعون من متاجر كبرى وبأموال باهظة ثم تمتد أياديهم لسرقة مواد أخرى أقل كلفة وحتى تافهة في أغلب الأحيان لكنه المرض الذي تأصل في دمائهم ومنذ الولادة..فهل يا ترى تنطبق حالتهم هذه على ما نراه ونسمعه في أيامنا هذه من سرقة لأموال الشعب يقوم بها عدد من الوزراء العراقيين والبرلمانيين والمسؤولين من محافظين الى مدراء دوائر ومستشارين وسفراء ورؤساء كتل وأحزاب وسواهم أم أن الكلبتومانيا تخص فقط سرقة أمور بسيطة ليس لها قيمة للسارق أو ليس لها ضرر على المسروق مثلما تم توضيحه من قبل علماء النفس .وهل يشعر كبار السراق الحاليين بالندم والخجل من فعلتهم ويعيدوا ما سرقوه الى أصحابه الأصليين ..!

بعد سقوط النظام العراقي في 9 نيسان عام 2003 وظهور عشرات بل مئات الأحزاب السياسية على الساحة العراقية وتنافسها على تبوء المراكز القيادية الحساسة في البلد من أجل الاستحواذ على أموال الشعب وثرواته الطائلة من خلال إستغلال المنصب الوزاري والبرلماني وغيره للمنافع الشخصية بشكل خاص بما يوظفه المركز هذا من أموال طائلة لأصحابه , فالوزراء العراقيين والبرلمانيين والمسؤولين الآخرين في أجهزة الدولة تكون رواتبهم عالية جداً وليس لها نظير في أي بلد من بلدان العالم الأخرى فمثلاً راتب رئيس الجمهورية عندنا في العراق هو أعلى من راتب أي رئيس دولة آخر كذلك راتب رئيس الوزراء هو أعلى بكثير من راتب رئيس وزراء بريطانيا العظمى أو غيرها من الدول كذلك الحال بالنسبة الى رواتب البرلمانيين العراقيين والسفراء والمستشارين والمدراء العامين وسواهم من محافظين ورؤساء مجالس محافظات وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين , وهذه الرواتب زائداً المخصصات الإضافية تكفي للشخص الواحد ليس لمعيشة شهر وإنما راتب واحد ومخصصات أخرى تكفيه لمدة سنة معيشة مع عائلته وبشكل لائق ..! السؤال هنا .هو , لماذا إذن يلتجأ عدد غير قليل منهم الى سرقة أموال الشعب وبهذا الشكل الفاضح وبلا خوف أو خجل وبتحدي أحياناً وكأن السرقة صارت مرجلة وفاعلها لا يخشى القضاء ولا يكترث بالعار الذي ربما سيلاحقه طيلة حياته لا سيما وأنه يدرك ويعلم أن عدداً من زملاءه في الحزب أو الكتلة أو المهنة يمارسونها دون خوف أو خجل وبعيداً عن أن تطاله يد العدالة علماً أن السراق الكبار هم أيضاً حسبما عرفنا من كبار السن والذين تجاوز بعضهم سن الستين من العمر أو أكثر فكم سنة أخرى سيعيشون بيننا , والى أين سيذهبون بهذه الثروات المنهوبة من قبل شعبنا .!.وهل أفاد منها أقطاب النظام السابق بشيء حتى أن تكديسهم لها وحرمان الشعب منها سيفيدهم في المستقبل الذي تقلصت عدد سنواته بالنسبة لهم مع التقدم بالسن , وهل ما يقومون به من إجراءات تمويهية على شخصياتهم الأصلية وإعطائها طابع الفضيلة والزهد والغوص في التعبد الكاذب قادرة على أمتصاص حقد الناس وإحتقارهم لهم وتعريتهم في المنابر الإعلامية والمجالس الشعبية العامة بحيث نرى أحد هؤلاء الفاسدين يرفع على صدره يافطة كتب عليها أنه خادم بغداد ويظهر لاحقاً أنه لص كبير وآخر يطرد من قيادة حزب الدعوة الإسلامي بسبب ما كتب عنه من حزبه لأسباب متعلقة بالفساد المالي وآخر يستنكف من مصافحة امرأة مسؤولة أوربية وتبقى يدها ممدودة اليه بينما يضع هو كلتا يديه على صدره معتذراً لها والإيمان يخر من أذنيه وجبهته المكوية بالباذنجان المشوي وينتهي به المطاف هارباً الى إيران ومنها الى السعودية لإداء العمرة ثم يفر عائداً الى البلد الذي جاء منه بعد السقوط والذي يحمل جنسيته أي إستراليا وآخر يهرب بالأموال المنهوبة الى أمريكا وآخر يهرب بها الى لندن ويقوم بتوظيفها مع أبناءه وإخوانه في المملكة المغربية وآخرون يشترون بها فنادق راقية وعمارات وشقق ومزارع وشركات مختلفة الأنواع وفي عدد من بلدان العالم بينما تمتلأ البنوك بالعملات الصعبة وبأسمائهم أو بأسماء وهمية وهي بالمليارات.!! محافظون هاربون ووزراء هاربون وبرلمانيون سابقون متوارون عن الأنظار ومعهم عشرات بل مئات المسؤولين الفاسدين والحرامية , السؤال الذي يتبادر الى أذهان أي مواطن عراقي هو ..أين القضاء والمحاكم العراقية من هكذا تجاوزات على أموال الشعب .. ومتى وكيف سيتم إسترجاعها من قبل اللصوص وزجهم بأقفاص السجون. .يتسائل الناس أيضاً وهذا من حقهم ..أين هي ملفات الفقيد أحمد الجلبي والتي أشار فيها الى عدد من السراق وحجم مسروقاتهم وأين هي الملفات التي كان السيد نوري المالكي يهدد بها خصومه السياسيين في كل مرة وهو يعرفهم حق المعرفة ومنهم زميله فلاح السوداني وآخرين وهل هو وبعض أفراد أسرته وحزبه بمنأى عن تلك التهم..! ولماذا لا يتم فتح كل الملفات حتى يعرف المواطن العراقي أين ذهبت ثروات بلده الطائلة ولماذا لم يتم إقرار موازنة عام 2014 على سبيل المثال وأين ذهبت صرفياتها ..! لقد تخلص شعبنا العراقي وبتضحيات كبرى من أبناءه البواسل من خطر داعش والإرهاب وعلينا أن نتخلص من آفة الفساد المالي والذي تستنزف ثروة بلادنا وتدمر إقتصاده الوطني , علينا تجفيف منابع الفساد الذي هو الوجه الآخر للإرهاب وقلعه من جذوره وذلك بإتخاذ خطوات جادة تبدأ بمرحلة تخفيض الرواتب من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الى رواتب الوزراء والوكلاء والمدراء العامون والمستشارين والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة وغيرهم كذلك يجب رفع الحصانة عن كل مسؤول يثبت عليه جرم السرقة وإحالته للمحاكم لينال جزاءه وإن إحالة السراق هذه يجب أن تبدأ بشكل تنازلي ومنذ سقوط النظام ولحد الآن وإعادة الأموال المسروقة لخزينة الدولة , كذلك عدم إيلاء أي مسؤولية للأشخاص الذين تثبت إدانتهم وتجريمهم في المحاكم وهنا يلعب القضاء النزيه والشجاع دوراً ريادياً في تعرية هؤلاء وإنتزاع الاعترافات منهم وإعادة مسروقاتهم لأبناء الشعب ويجب أن يقوم الاعلام العراقي بدوره الوطني في مؤازرة القضاء وتسليط الضوء على المخالفين وتعريتهم أمام أنظار أبناء شعبنا وليكن هذا العام 2019 والاعوام القادمة للقضاء التام على الفاسدين وضعّاف النفوس الذين يعملون بلا رادع من ضمير من أجل مصالحهم الخاصة وملذاتهم .

ومن الجدير بالذكر القول هنا بأن راقصة في أحد ملاهي البصرة أيام زمان كان إسمها تهاني..كانت شابة حلوة ترقص ليلاً في الملهى وفي نهاية الستينيات من القرن الماضي تجمع الناس على باب الملهى وكانت تقف على بابه سيارة إسعاف ومفرزة للشرطة وبعد دقائق تقوم الشرطة بسحب جثة الراقصة تهاني التي قيل أنها أقدمت على الانتحار بعد أن كتبت على قصاصة ورق صغيرة بعض الكلمات تقول فيها أنها تعتذر من صاحب الملهى ومن زميلاتها الراقصات بأنها خانت شرف المهنة وأقدمت على سرقة محفظة أحد الزبائن لأنها كانت بغير وعيها الكامل مستغلة سكر الزبون فعاقبت نفسها بالانتحار لأنها حسب ما ذكرت لا تستحق الحياة..!!!! أقارن هنا بين أخلاق هذه الراقصة التي تتاجر بجمالها ومفاتن جسدها وسحره لكنها تخجل من الاقدام من قبلها على سرقة محفظة زبون سكران جاء مفترساً بنظراته مفاتن جسدها الخلاّب !! وبين سياسي منتخب وضع الشعب ثقته به وردد القسم بأن يكون أميناً على مصالح الشعب والوطن ومن ثم نسمع صفقات مشبوهة ومشاريع وهمية وإستجوابات وإتهامات تجري تحت قبة البرلمان ونشعر بالألم وضيق التنفس لضياع مئات المليارات المترافق مع الصراع السياسي المرير على الاستحواذ في كل مرة على المناصب الهامة في الدولة والحكومة والبرلمان وغيرها ولم نسمع بأن أحد اللصوص من سياسيي الصدفة قد حاسبه ضميره ولو للحظة وأقدم على الانتحار مثلما أقدمت عليه تهاني التي إحترمت مهنتها على الرغم من عدم تأديتها لأي قسم أمام أحد سوى ضميرها , أو على الأقل شعر بالخجل وندم على فعلته أو تضايق من نظرات الناس اليه وعتبهم الضمني عليه.. أن أمثال هؤلاء لا يمكن السكوت عليهم وأفعالهم تضاهي الأفعال الإرهابية إن لم تكن أكثر ضراوة منها وسوقهم للقضاء وعدم التستر عليهم هو الطريق الصائب لحفظ أموال الشعب

  كتب بتأريخ :  الجمعة 31-05-2019     عدد القراء :  112       عدد التعليقات : 0