العنصرة ... هل حل الروح القدس مرتين على التلاميذ ؟

(جئت لألقي على الأرض ناراً ، فلكم أود أن تكون قد أشتعلت ؟)

عيد العنصرة هو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين بعد قيامة الرب من بين الأموات   ، ويسمى ( بنطيقوسطي ) ، وهويوم ميلاد كنيسة المقدسة

أنتهت رسالة الرب على الأرض فصعد إلى السماء ليجلس على عرشه الذي نزل منه ، لكن الراعي الصالح لا يترك قطيعه لوحده ، بل وعد بأرسال المؤيد إليه ، إنه الفارقليط ، وعمل الفارقليط هو كعمل المحامي القدير المدافع عن الشخص الذي يوشك الحكم أن يصدر عليه ، فهو المُعين بأرشاده وسلطته وقوته ، إنه المعزي والمٌعين لأبناء الكنيسة المجاهدة.

أنذر الرب تلاميذه قائلاً بأن العالم سيبغضكم من أجل أسمي ، وهذا يتطلب إلى مجابهة أكبر القوى في العالم وبشجاعة ، لهذا أرسل الرب إليهم الفارقليط لكي يسندهم ويتحدث عنهم ليكون بمقدورهم الأستمرار في نهجه حتى موعد مجيئه ، وحسب قوله ( لكني أقول لكم الحق ، لإنه خير لكم أن أنطلق ، لأنه أن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ) ” يو 7:16 ” . الفارقليط هو نار الروح القدس .

النار كثيرة الورود في الكتاب المقدس ، وتدل على ما يطهر أو ما يهلك ، أما نار الروح القدس الذي نزل على التلاميذ حسب وعد الرب يسوع صاحَبَ حلولهِ آيات عجيبة ومنها موهبة التحدث باللغات وقد صَدّقها الغرباء من اليهود القادمين من أرض الشتات المحتشدين في أورشليم ، وتسبب هبوب ريح عاصف دفعهم إلى الحضور أمام التلاميذ ، فحصلوا على الإيمان بسبب وعظة بطرس الذي تحدث عن صلب يسوع وأعجوبة قيامته وصعوده إلى المجد

الروح النازل على التلاميذ أخذ مما للمسيح من أسرار لكي يخبر أبناء الكنيسة به ، وكما قال يسوع له المجد: ( ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به ) ” يو 14:16 ”

بعد عشرة أيام من صعود الرب والتلاميذ إلى العلية مع العذراء مريم حل الروح القدس عليهم كألسنة من نار ” أع 2:3-4″ وهذه النار ألهبت  قلوبهم الضعيفة وأرواحهم ومنحتهم القوة فتحولوا الى شعلات من نار أنتشرت في المسكونة كلها ، فأشعلوا العالم بنار الكرازة ونورها ، فهل هذه النارهي التي قال عنها يسوع في قوله في " لو 49:12 "( جئت لألقي على الأرض ناراً ، وما أشد رغبتي أن تكون قد أضطرمت

يسوع هو الله ، والله هو النار، وكما تقول الآية ( إلهنا نار آكلة ) ” عب 29:12″ و” خر 17:24″

والله هو المحبة . إذاً النار التي زرعها الله هي  كناية عن الله والمحبة ، وهي أيضاً رمزاً للقداسة الحية والمطهرة للذنوب  . فكل من تدخل هذه النار في جوفه سيلتهب من الغيرة والقوة ليصبح حاراً في  الروح ” رو 11:12″. لهذا السبب لم يهدأوا الرسل المعروفين بالخوف  والضعف  والهزيمة بعد القاء القبض على سيدهم ، بل أشتعلت فيهم نار الغيرة والشجاعة  للعمل لأن الروح زرع فيهم المواهب فأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ،  فعندما تجمع الناس حولهم بسبب سماعهم ذلك الصوت السماوي المدوي سمعوا الرسل  يتكلمون وهم جميعاً يفهمونهم كل حسب لغته . فدهشوا ، وتعجبوا وآمنوا بسبب عظة بطرس الأولى والذي أشار بها إلى نبؤة يوئيل النبيعن حلول الروح القدس ، فقال :

( يقول الله في الأيام الأخيرة ، أني  أفيض من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ، ويرى شبانكم رؤى ، ويحلم  شيوخكم أحلاماً ، في تلك الأيام أفيض من روحي على عبيدي كلهم ، رجالاً ونساءً فيتنبأون)  “أع 17:2″

أنضم في ذلك اليوم المقدس نحو ثلاثة  آلاف نفس الى الإيمان . إذاً نار الروح القدس هو قوة من فوق ، كما هو درساً مهماً نأخذه من عطايا يوم الخمسين . فكل من يلتهب قلبه من هذا النارفلا أحداً يستطيع أطفائها .   مثال : لما طلب قادة اليهود من بطرس ويوحنا أن لا ينطقا البتة  بهذا التعليم ولا يعلما بأسم يسوع الناصري فكان الرد ( … نحن لا يمكننا أن لا نتكلم ) ” أع 4: 18-20″ و السبب يعود الى الروح القدس الذي كان

يعمل فيهم كنار.  فبطرس الذي نكر المسيح بسبب خوفه ،  بعد حلول روح الرب عليه محا منه ذلك الخوف فملأ العالم تبشيراً وتعليماً ، ولم يستطيع أن يصمت رغم السجون  والجلد والتهديد والإهانة ، و لم يصمت أبداً حتى على الصليب المقلوب .   الكلام الذي ينطقه الإنسان الذي يعمل به روح الله ، يكون مدوياً في آذان سامعيه ، فيترك فيهم آثار عميقة  لأنها منبثقة من مصدر ناري ذو تأثير إلاهي ، فبولس الرسول عندما كان أسيراً عند فيلكس الوالي ، تكلم عن البر، والعفاف  ، والدينونة . خاف الوالي من كلمة هذا الرجل الأسير لأن كلامه كان نارياً ومدوياً ومخيفاً في قلب الوالي” أع 25:24 ” وهكذا يطلب بولس من المؤمنين أن يكونوا حارين في الروح ، لأن روح الله الحال فيهم يشعلهم بحرارته ” رو 11:12  الروح القدس الذي أرسله الأبن الينا يساندنا كمغتربين في هذا العالم  لبنيان الكنيسة ، ونشر كلمة الأنجيل لتنوير العالم . فالروح القدس يعطي للمؤمن المعمذ والممسوح بالزيت المقدس القوة والتبرير بأسم المسيح وبروح إلهنا ” 1 قور 11:6″ . هكذا يولد الإنسان من جديد لأنه يغسل بالميلاد الثاني ، ويجدد بالروح القدس ” تي 5:3″ . هذا الروح يعلن للمؤمن  أسرار الله والملكوت ويرشده الى  المعرفة، فيشهد للمسيح بأنه الرب . فلا أحد يستطيع أن يقول ( يسوع الرب ) إلا بالروح القدس ، كذلك سيعطي الروح المواهب للمؤمنين وذلكعندما يسلكون بحسب الروح ، وهذه هي ثمار الروح القدس :  ( محبة ، فرح ، سلام ، طول الأناة ، لطف ، صلاح ، إيمان ، وداعة ، تعفف ) ” غل 22:5″  وهكذا يعرف المؤمنون من ثمارهم . الروح القدس يعمل في كل أسرار الكنيسة ، وكل الأسرار تعطي عن طريق الكاهن الذي يتمم السر ، والسر يعمل في المؤمن الذي يمارس ذلك السر .  هل حل الروح القدس مرتين على التلاميذ؟   أعطي الروح القدس للرسل مرتين ، الأولى في أول لقاء الرب بهم بعد  قيامته من بين الأموات ، حيث التقى مع الرسل العشرة بغياب توما عندما نفخ  في وجوههم وقال لهم ( أقبلوا الروح القدس . ومن غفرتم خطاياهم غفرت لهم ، ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت ! ) ” يو 23:20″  يجب أن لا ينتابنا الشك بأن توما قد حرمه الرب من تلك النعمة والتي هي نفخة  الكهنوت المقدس . لأنه ( وبعد ثمانية أيام ، إذ كان تلاميذه مجتمعين ثانيةً داخل البيت وتوما معهم ، حضر يسوع …. ثم قال لتوما ” هات أصبعك إلى هنا … ) ” يو 20: 26-29 ” لكنه لن ينفخ في توما كما نفخ في باقي التلاميذ .  يجيب على هذا السؤال القديس كيرلس الكبير قائلاً بأن هذا  يربط بين نفخة الروح القدس لتلاميذ الرب وبين ما قام به موسى عندما اشتكى  الى الرب من ثقل الشعب عليه ، فأمره الرب بأن يجمع سبعين شيخاً لكي يساعدوه  في الخدمة . فنزل الرب في سحابة وتكلم معه وأخذ من الروح الذي على موسى وجعله على السبعين شيخاً . فلما حل عليهم الروح تنبأوا .  أما الرجلين الداد وميداد الغائبين عن الأجتماع فحل عليهم روح الرب أيضاً  وهم في المحلة وتنبئا رغم كونهما خارج الخيمة .

يضيف الأنبأ كيرلس ويقول  هكذا توما أخذ النفخة لخدمة الكهنوت مع عدم تواجده ” عد 11: 10-29 . المرة  الثانية حل الروح القدس على التلاميذ  في يوم الخمسين  . أما مواهب الروح القدس فمختلفة ، لكن الروح واحد ، وهناك خدمات وأعمال مختلفة ( طالع المواهب الروحية في ” 1 قور 12 ” ) . الروح القدس غيَّرمن طبيعة التلاميذ الضَعيفة ، فأخذوا  قوة للشهادة والكرازة والخدمة . هذه القوة التي وعَدهُم بها السيد عندما قال لهم ( ها أنا أرسل أليكم موعد أبي ، فأقيموا في أورشليم إلى أن تلبسوا قِوة من الأعالي ) ” لو 49:24″ .

نزل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين مع العذراء مريم في العلية على شكل ألسنة ( كأنها من نار ) ” ” أع 3: 2-4″  . نور الروح القدس أنار التلاميذ ، وبقوته جعل منهم رسلاً فتهيأوا لبشارة العالم . كما أن نور هذا الروح غيّرَ الوثنيين أيضاً بغير علمهم في الغالب فتلقنوا بكلمة الحق الذي حررهم من الظلاو . وهذا الروح يهيأ في كل الأزمنة عشاقاً للحقيقة فيعلنوا إيمانهم معترفين بنور المسيح . كنيسة المسيح بدأ تاريخها مذ ذاك فبدأ تاريخها بعد أن تعمدت بنار الروح القدس .الذ هو  المعين السماوي الموعود ، بل إنه إتمام لوعد الرب يسوع لتلاميذه الذين ملأوا به .

ترمز النار الى قدرة أعمال الروح القدس . وهكذا عمدّوا الرسل البشرية بالنار والروح كما أشار يوحنا المعمدان الذي بشر بالمسيح قائلاً (…هو سيعمدكم في الروح القدس وبالنار ) ” لو 16:3″  مكثت قوة الروح القدس مع التلاميذ على الدوام فكانوا يشهدون للرب بدون خوف .

أما الفرق بين حلول الروح القدس في العهد القديم على الأنبياء والملوك وبين حلوله في العهد الجديد هو،  في العهد القديم قد يفارق الروح من حل عليهم ” 1 صم 14:16 ” ولكنه في العهد  الجديد لا يفارق المؤمنين المعمدين وحسب قول معلمنا يوحنا الرسول ( … وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابته فيكم ) ” 1يو27:2″ . لكن عندما يخطئون المؤمنون يحزنون الروح القدس ” 1 تي 30:3  أو يطفئون  قوته وحرارته ، لكن الروح لا يسكت بل يستمر في العمل ويبكت الخطيئة لكي  يقود ذلك الخاطىء الى التوبة ” يو 8:16″ . أما الحارين في الروح كالرسل ، فعاشوا حياة التقوى والجهاد ، فاستمر الروح عاملاً فيهم بقوة .

سنكمل الموضوع بموضوع آخر عنوانه ( عمل الروح القدس في حياتنا

ولروح الله القدوس المجد دائماً

  كتب بتأريخ :  السبت 08-06-2019     عدد القراء :  304       عدد التعليقات : 0