دروس متأخرة ...

من المؤسف ان لا يهتدِ العالم الى نعمة السلام ، إِلَّا بعد كل هذه الحروب الطاحنة لآلاف السنين ودورات من الدمار ،واقتلاع الديار ، وانهار الدماء ، واستنزاف الطاقات الشابة التي تضيع بين القتل والإعاقة والأسر ، واستعباد الشعوب في كل فصل من فصولها المرعبة ...

وفي النهاية ، يتعرف الجميع على واقع أن الحروب عبر تاريخ الانسانية الطويل ، لم يكن فيها منتصر أبداً ، فهي ليست فقط خسارة ارواح قبل الاوان ، ودموع ودماء،وخراب ومآسي وكوارث ، إنما النتيجة ، في ان الفكر الانساني يصاب بلوثةٌ مستديمة ، يبحث دوماً عن الثأر والانتقام، وعسكرة المجتمع الذي يتولى قيادته احزاب وأفراد لا تؤمن بالحرية ...

في منطقتنا ، حيث شهدت ولا تزال ، حروب ونزاعات ،تهجير على الهوية، طابعها طائفي ، (بدل ان يكون للدين وظيفة زرع المحبة والتسامح )، في هذه المنطقة ، ليس هناك اصدق ممن يروي قصص الحروب وأهوالها ، سوى الذين خاضوا تجاربها المريرة ...

والحرب الأهلية هي أكثرها وقعاً قاطبة ، تترك مرارة وجروح لا تندمل بسهولة ،يتخفى الحقد ورغبة الانتقام خلف كل جدار ، وفِي كل زقاق وشارع ... ورغم ان حروباً طاحنة دارت وتدور رحاها في المنطقة ، الاّ أن الحرب الأهلية اللبنانية ، قبل عقود ، هي (النموذج والمرآة التي عكست وتعكس بوضوح صراعات الكبار ، ولا زالت الباروميتر الأكثر قراءة، بسبب التركيبة الطائفية التي باتت سمة الحياة اليومية ، المرشحة للانفلات في اية لحظة ، ككل الصراعات في المنطقة، خاصة ان مفهوم التكفير هو اكثرهاً تأجيجاً الآن ) ...أضاء على فصولها الدامية ، برنامج تلفزيوني عنوانه ( مهم تكون مسيحي، تقديم الاب طوني حريج ) يضم فريقان ، كلّاً منهما شارك فيها بصورة او اخرى ...

كان فعلاً درساً من الدروس التي تُشَجّع لأن يفكّر المحاربون مرتين قبل وضع أصابعهم على الزناد ...

بدأ الحديث رجل دين مسيحي بدرجة (أُسقف) ضمن الفريق الاول ، بسرد الصفحة الاولى المؤلمة لقصته التي باتت مطبوعة في ذاكرته منذ الطفولة ، حيث أزيز الرصاص ينهال على والديه ليتركهما جثتين هامدتين ، ليجد نفسه مع اخوته الاطفال الأربعة ، في كنف عمتهما الراهبة ، يعيشون في دير ، كلما تعلموه منها ، ومنذ اللحظة الاولى ، درْسْ المغفرة ، ثم التعود على المغفرة ، ثم محبة الاخر حتى ان كان عدواً...

الفريق الاخر ، يقول المندوب عنه، أنني شاركت في الحرب ،لم اقتل أحداً وجهاً لوجه ، ولكنني أعطيت الأوامر بالقصف المدفعي على بيوت آهلة بالسكان ، لانهم في خندق الطائفة التي اعتبرناها (بالمعادية) ...كنت اشعر عندما أخلو مع نفسي ، وبين بقايا أعمدة الدخان وصيحات الاستغاثة ، والبكاء والعويل ، انني لست ذلك الذي كنت الى فترة قريبة ازور أصدقائي في البيوت التي استهدفها الآن ،أو الذين كنت معهم الى وقت قريب ، على نفس مقاعد الدراسة ، اشاركههم الاكل في نفس صحونهم في المناسبات الكثيرة ،العامة والخاصة ...

المجتمعون كان لهم رسالة ، وهي عندما يتمكن الانسان من اكتشاف عوامل الخير التي ترفعه الى البحث عن الفضيلة ، عندها يكون للحياة معانيها الحقيقة ، فهذه عودة ، وان جاءت متأخرة للاصطفاف مع الهوية الانسانية ... والجميع يعترف ان بين المحافظة على ضبط النفس ، والهبوط الى الهاوية ، خيط رفيع ...

سيادة الأسقف اردف قائلاً ، فبعدما سلكتُ درب الكهنوت ، جابهتُ اصعب امتحان لذلك الدرس الذي تعلمته من عقيدتي ، وغرسته عمتي الراهبة في طفولتي الحزينة ، هو( المغفرة ) ،حينما واجهوني بالسؤال ( هل تغفر لقاتل والديك اذا وجدتهم وجهاً لوجه الآن ؟) ، يقول ،كأن هناك شلالاً من الماء البارد تدفق فوق رأسي ... هنا جاء دور البذرة الحقيقية الصالحة المغروسة في أعماقي ، وهكذا طاوعت نفسي في ان اقبل التحدي الذي يضع الخطوات الاولى لنجاح اجمل تجارب الإيمان ...وأردف قائلاً ، تغلبت على الالم ، لأخلق منه الامل الجميل ، والبعد الملموس لما يتطلعه كل منا وما يستطيع تقديمه للآخر ليضمد جراحه ، فلحظة الصحوة الحقيقية تسد كل منافذ الكراهية ...

وفِي خطوة جريئة شاركت لاحقاً بتاسيس جمعية تعني بتقريب المسافات بين مختلف الطوائف والأديان، نضمّد جراح الماضي ، نخلق الجسور ، وتتبنى المحبة والعطاء ، نمدّ يد العون لمن هم في فاقه ، حتى مع أعداء الامس ...

بالمقابل الفريق الثاني ، الذي هو من طائفة دينية اخرى ، تلك التي صرّح قائدها في الندوة ، ان مجموعته كانت تقاتل بشراسة وتستخدم كل انواع المدفعية وأدوات التدمير في الحرب ...بدأوا صفحة جديدة ، تجد في السلام نورٌ ، وفِي المحبة خلاص ، وفِي التسامح طريق ليس فيه حفر ومطبات مهلكة ، فكانت لهم مؤسسة تعني بكلما يبتعد عن النزاعات والكراهية ، تخلق فرص العيش ، تزرع في النفوس، مبدأً ، خلاصته ان الوطن يزهو باطيافه الجميلة ، والمواطن الزهرة المتعددة الالوان ،يستحق ان يعيش بمودة وسلام ، وهذه اعتمدت كأهداف نبيلة تعلمت من الحرب دروس قاسية لا تعوضها الا فتح صفحة اخرى لا يندم أحداً للتعلم منها ، وإن جاءت متأخرة ...

في أتون حروب الطوائف التي يدور إوارها في المنطقة ، ، تلك التي لم تبقِ في معظم مدنها حجر على حجر ، وطمرت آلاف مؤلفة تحت ترابها ، فيما هجرها الملايين ....متى تصحو ضمائر الذين بايديهم القرار ، ليتعلّموا من تلك الفصول الدامية ، ان ما من حربٍ حققت ما يستطيع السلام تحقيقه، ولا يمكن للجهلاء والمختبئين وراء الأقنعة ، ان يصمدوا امام الثقافة والعلوم والمعرفة ، مهما حاربوا او اغتالوا رموزها ...انه السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عليه الا الذين يرغبون في تعلم الدرس رغم كل المؤثرات وكل اجنحة الظلام ...

اذا توفرت الرغبة في ان يستعيد الانسان هويته الحقيقية ، وهي ليست إِلَّا الوطن الذي منحه إياها ، والشعب الذي فيه يجد مكانته وقيمته في الكون ، ويتحرر من وصاية الذين يتخفون وراء شعارات وطنية وطائفية ، (كظاهرة زمن ربيع الثورات الان ) ...،هم الذين تاجروا بوطنه ونهبوا ثرواته...

في هذه الحياة القصيرة ، نستحق ان نعيشها دونما ان يصادر ارواحنا حقد اعمى ...

نستحق ان نرى أوطاناً مزدهرة ، تنمو فيها أشجار المحبة الباسقة ، لا تلغى فيها إرادات الناس على خلفياتهم الطائفية ، ولا تسود واحدة على أخرى ...

ويستحق كل انسان ان يتنفس هواءاً نقياً خالياً من الاحقاد ومن رائحةالدم والبارود ...

ويستحق الناس ان يحتفلوا باعياد المحبة وانتصار الرحمة ، فهي اسمى من كل الانتصارات الاخرى ....

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 12-06-2019     عدد القراء :  696       عدد التعليقات : 0