في اربعينية الاستاذ الراحل سالم تولا

تحديداً يومَ الجُمعة الموافِق 17- أيار 2019، غادَرنا بهدوء الأستاذ والكاتب المعروف سالم عيسى تولّا، المولود في القوش عام 1929، كانت والدتَه المرحومة كِتّي يوسف خِتّي( المُتوَفّاةُ عام 1960) تنجُبَ البناتَ، فطلبتْمن القديس شمعون ساوا، ان يَشفُعَ لها عند الرب فيُرزِقُها بِوَلدٍ، فرُزِقَتْ بمولودٍ ذكرٍ سُمِّيَ( ساوا) ، ثم غُيِّرَ الاسمُ بعدئذ الى سالم، وهوسليل مَكْسَبْ( بيت مَكسابو) المارديني من شمال بيث نهرين، والتي وَطَئَتْ اقدامُهُبلدَتُنا في القرن السادس عشر الميلادي،فيما استوطنَشقيقُه جليل(بيت الجليلي) الشهير في ارضِ الموصلِ. عَشِقَ سالم منذُ نُعومَةِ اظفارِهِ المطالعة ومن ثم الكتابة، ونال درجةَ المعلِّم التي كان لها وَقعُها واهميتُها في الماضي. في الأربعينات اتفقَ مع شباب آخرين، ولأولِ مرة في القوش بإنشاءِ مكتبة عامة، حيث تقرر ان يَهدي كل مهتمٍّ عدة كتبٍ،أُركِنَت في احدى غرف بيتهم، تدريجيا تسلّلت بعض الكتب اليسارية اليها، ونظرا لحصول حملاتِ التفتيش بَحثا عنها، وعن مُعتنِقي فِكرُ اليسارِ، خُبِأتْ الكتب في الجبل، فأتتْ عليها عواملُ الطبيعةِواتلفَتها.

كانت تلك انطلاقتهُ، ثم واصلَ القراءةَ والبحثَ بِنَهمٍ، خصوصاً بعد انتقالِه الى بغدادَ،عاصمةُ العلمِ والثقافةِ، فيما بعدإقترنَ بشريكةِ حياتِه الست ليلى شكوانا، التي عاضَدته ُوساعدتهُ بغزارةِ معارِفِها، وقد أسعَفهُ ايضاً، في شَقِّ طريقِهدون مُعاناةٍ، تجنُّبِه مزاولةَ السياسة، فوقف على الحيادِ مُحترماً نفسهُ، والآخرين من شتى الميولِ والاتجاهاتِ. كانت له مكتبةٌ في بغدادَ تعَبَ كثيراً في جمعِ كُتبِها، ونظراً للظروف القاهِرة التي مرّ بها العراق، ترَكها خلفَه وتوجَّه الى اميركا، في اوائلِ الألفيةِ الثالثة للميلاد، ليستقر في ولاية مشيكان، وحتى انتقالِه الى دارِ البقاءِ.

تعرفتُ عليه عند قُدومِه، وتوطَّدتْ علاقتي معه بسرعة، فكانت فترة السنوات القليلة، التي عِشناها عن قُربٍ( 2002- 2005) ، من أزهَرِ وأثمرِ فتراتِ حياتي الكتابية، حيث ازدادت كمّأ ونوعاً بفضلِ تشجيعِه، ومراجعتِه لكلِّ ما جادَ بهِ القلمُ، لقد كان نِعمَ الصديق والاستاذ، والناصحِ والمُصَحِّحِ، الفكري قبلَ اللُغوي. في عام 2001 اصدرتُ كتابي الاول بعنوان( الرئاسة في بلدة القوش) ، ولم اعرفَ قيمتَه الحقيقية الا بعد ان نشرَالأستاذ سالم في مجلة القيثارة، استعراضاً للكتاب فكانتْ فرحَتي كبيرة، علما بانّه لم يجامِلُني قط، بل كان استاذاً صارِماً،مُدقِّقا يزنُ الأمورَ بِرَوِيّةٍ وحِكمةْ، وممّا كتبَه"موضوعه شيّق لم يسبقه اليه احد من قبل. دخول المؤلف مجال الكتابة، واختياره موضوعاً شائِكا كهذا، هو دخول متواضع، خجول، متوجِّس، وهي من الصفات الحميدة، التي يتصف بها الكاتب" .

عندما كتبتُ موضوع بعنوان( يوسفﭘولاآخر رؤساء القوش) عام 2004، وصف لي الرجلَ الذي لم أرَهُفي حياتي قائلاً: كان العم يوسف"طويلُ القامةِ، مهيبُ الطلعةِ، خمريُّ الوجهِ، ذو عينينِ واسعتين" فادرجتُما سمعتُه حالاً  في موضوعي،يُذكرُأنّ والدَه عيسى تولا كان يملُكُ دكاناً في سوق القوش، بجوارِه دكانالعم يوسفﭘولا اسمرو.

" رحلة بنيامين الثاني في الشرق" عنوانُ كتابٍ من تأليف بنيامين اسرائيل جوزف، ترجمة وتحقيق سالم عيسى تولا، صدر في اميركا عام 2010،وهو في الأساس مَرجعٌ للباحثين، وقد طلبَ منّي بتاريخ 11 تشرين الثاني 2015، احد طلبة الدكتوراه في الجامعة اليسوعية في بيروت، واسمُه وليد البعاج من العراق،نسخةٌ من الكتاب يستعينُ بها في كتابة اطروحَتِهِ، فكان ان اجهدتُ نفسي بالاتصالِ بالمؤلِف، والحصول على نسخةٍ منه، أُرسِلتْ للطالب المذكور، من قبل اخي فريد في مشيكان.

استعرضتُكتابَه آنِفَ الذِكرِ، ونشرتُمقالاً بتاريخ 18 كانون الاول 2010، قلت فيه( ..... ويمتاز المُحقِقُ بالجدّيةِ، وقد منحَتهُ الحياةُ طولَ العمرِ في عبورِ الثمانين، ومازال في فتوةِ الشبابِ، كأنّهُ فَتى العشرين في انشِطتِه، وحُسن هيئتِه، وهِندامِه، كل ذلك لم يكن مُمكناً من دون زوجة رائعة هي ليلى موسى شكوانا التي تقفُ خلفَهُ بهدوئِها وثقافتِها وكذلك اولاده الاعزاء، اكتبُ ذلك لانني واظبتُ سنوات، في زيارة هذه الاسرة الكريمة، وفي كلِ مرةٍ كانوا يغمِرونني، بِآيات الترحابِ وبالأدبِ والاحترام.....) .

المرحوم سالم مع المطران الراحل( بطريرك فيما بعد) مار بولص ججو شيخو

كان للأستاذ دورٌ واضحٌ وبارزٌ، في صدور كتابالراحل نوئيل قيا بلوعام 2003، ( حوادث مهمة في تاريخ القوش الحديث) فراجَعَه وتبادلا دقائِقَ حوادِثِه، فخرجَ كما رآهُ القُرّاء، كتب مقدمة بعنوان( كلمة عن المؤلِفِ والمُؤَلفُ) والى بعض ما كتبه" انه تراثُ الآباء والاجداد الذين استطاعوا بما لديهم من القوة، والشجاعةِ، والذكاء....ان يجعلوا من قريةٍ صغيرة نائية، ملتصقة بسفحِ جبلٍ يابسٍأجْرَدُ،..... رمزاً للرجولةِ ومعهداً شامخاً لرجالِ الكنيسةِ.... " . وكذلك عندما عَزِمَ الأخ صبري، بكتابة ما يتذكرُه عن والدِه، المعروف بشجاعتِه، فاستعانَ بالأديب سالم، لمراجعتِه وتصحيح ما يراهُ مناسباً، فخرجَ الكُرّاس الموسوم( ميخا زراكا من ابناء القوش) بوضعٍ جيدٍ للقراءة، والاستمتاعِ بماضي ابائنا وأجدادنا.

يطولُ حديثُنا عن الراحِل،وقد كتبَ الكثيرَ في الصحف والمجلات العراقية، وآخرُ ما كتبه هناك، موضوع عن قرية( بهندوايا) في مجلة الفكر المسيحي. وتعمّقَ اكثرَفي المندائية في العراق، ومنذ التسعينات إرتبطَ بصداقةٍ مع المندائيين، خصوصاً المثقفين منهم، وصار يرفِدُ كلَّ عددٍ من مجلة( آفاق مندائية) بمواضيعِه، ونشر بُحوثاً في الصحافة المهجرية لا قَتِ الرُواجَوالتشجيعَ والاستِحسانَ، من المندائيين المقيمين في مشيكان وغيرِها، كانت ابحاثٌ رصينةٌ ومعمقةٌ،إستندَت على قراءةٍ جيدة في التاريخ، اضافةً الى أسانيدٍ ومصادرٍ بَحثية لا يرقى اليها الشَكُّ.

نُم قريرَ العينِ يا من فارقتَ اصدقائكَ ومُحِبّيكَ، وإطمئِن انّ ما تركتَهُ في أيدٍ أمينةٍ، لقد تَرَكْتَ عائلةً طيبةً، واولاداً كلُّهم عِلمٌ وأدبٌ وأخلاقُ، واحفادٌ يَملؤونَ البيوتَ ضحكاً، مَرحاً، وسُروراً، هذا يكفيكَ حتى ترتاحَ في رقدَتِك الأبدية، ولقد فاضَتْ روحُكَالى بارِئِها، تعانقُ السُحُبَراضيةٌمرضيّة.

ختاماً، لكل من يَسمَع كلِمتي اقول" استاذ سالم حَيٌ، لا تَقْل الأستاذ ماتْ... وهل يَجفُّ دجلة او نهرُالفراتْ" .

[email protected]

June 27, 2019

USA

  كتب بتأريخ :  الجمعة 28-06-2019     عدد القراء :  624       عدد التعليقات : 0