ومضات من الماضي ...

في هذه الايام التي نستذكر فيها ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة ، كتبتُ عنها الكثير وكتبَ عنها آخرون اكثر...استعيد من أجوائها خواطر وذكريات القت بظلالها على مجمل مسيرة الحياة ...

كنّا آنذاك ، مجموعة من الأصدقاء في المرحلة المتوسطة، تطغي على يومياتنا ، العفوية والبراءة ، وجدنا أنفسنا منتقلين الى عالم اخر ، لم نكن نفهم ماذا حدث ، ولكننا تدريجيا ، بدأنا نردد الكثير من الكلام الغير مفهوم ، وشعارات جديدة غير مألوفة ، نتباهى بها امام الآخرين ، ننخرط في الاحتفالات اليومية مع الجماهير نصرخ ونصفق ونرقص معهم ، ونحن نعالج العرق المتصبب من اجسادنا في حر تموز اللاهب ، وجفاف حناجرنا المبحوحة من الصياح ، ومن التحرر من الخجل احيانا ...فالانطلاق والاندماج بكل تلك المهرجانات التي استمرت لتغطي الكثير من الفصول وايّام الدراسة ايضآ، باتت متلازمة وظاهرة اعتيادية ، اجتاحت كل العراق وليس بلدتي وحدها ...

مرت الايام ، وكبرنا ، لا محدودية للاحلام ، توسعت حلقة الصداقات ، منهم من سحرته تلك المبادئ التي لم يتمكن فك رموز شفرتها الا بالمزيد من القراءة والتثقيف الذاتي ، جذبته ، فسار في المشوار الى نهايته ، قليل من نجى بجلده ، وكثيرون من استشهدوا في ساحات الوغى يقارعون الظلم والطغيان ، اختلطت

دماء اهلنا مع اخرين من طوائف اخرى، بقناعة رخصت معها الحياة أمام حب الشعب والوطن ...والبعض تعاطف مع الطروحات القومية ، وفريق لم يستوعب ما جرى ، ففضل استمرارية فروض الإيمان وجعله منصة الدفاع ضد حالة الطوارئ الجديدة ...

ولكن كل تلك التناقضات الفكرية ، أدارت الرؤوس ولكنها لم تكن أثيرةٌ اكثر ،ولَم يأسرها حب أقوى من محبة بلدتي ، ولَم يخطر ببال احد ان يراها في المستقبل القريب او البعيد الا حرة تعانق كل محبي الخير ، لترافق أبدا كل القنوات الانسانية التي تليق بها...

غادرنا الى العاصمة لإكمال الدراسة ، ولكننا كنّا مرتبطين روحيا ببلدتنا الحبيبة القوش ، متألمين لفراقها ، نتحين الفرص للرجوع الى أحضانها في كل فرصة وكل عيد ، عيد لا يكتمل الا باستنشاق هواءها الفريد ، ورؤية لوحة الازل التي تجلت فيها معانٍ اختلط فيها عنفوان تاريخها ، وهالة صنعها لها ابناؤها اختاروا ألوان قوز قزح ممزوجة بسديم ارواح شهداؤها الابرار الذين سالت دماءهم لتعمذ كل ذرة من تراب الوطن ...كل الوطن ...قناعاتنا الوحيدة ، انها ملكة قرار لا يُمس ، وكيان أقوى من كل الزلازل والعواصف ...

...هكذا كانت الحياة فيها ، ومثلها في كل القرى والقصبات في سهلنا الحبيب ، سهل نينوى ، بماضيه الذي جمعنا على مبدأ واحد ، هو الإخلاص والمحبة والتفاني والتسابق في نكران الذات ...كانت الغالبية ترى الثورة تجربة جديدة ملهمة ، وحلم حفّزَتهُ تلك الشعارات المفعمة بالآمال البراقة، في رؤية شعب متآخٍ يبني مستقبله ويضع أسس البلاد القوية ، بالعلم والعمل الدؤوب ، والمعرفة والقانون والمساواة ، يشعر ان مدنه كلها مشرّعة أمامه ، سهوله وجباله ،شماله وجنوبه ...

في سهل نينوى ارتسمت قيم الحياة في غزارة عطاء شعبه وتفانيه في البناء ، أينما توجهنا نجد بصماتهم وآثارهم ، قديمها وحديثها ، رسموا لأنفسهم صورة ناصعة مُشرِّفة في صفحات البلاد ،محبين للحياة ، باسطين أذرعهم لتكون عامل قوة لبناء وطن يتسع للجميع ، ليحتل مكانته اللائقة بين الامم ...ولكنهم لم يجنوامن ثمرة تضحياتهم ، واستبسالهم ، في مراحل ما بعد الثورة ، الاالجحود ، ومحاولة الاجتثاث ومحو وجودهم مؤخراً ، ومن ثم المساومة على أماكن وجودهم ...كماانهم لم يقرؤا جيداً الخيارات المتوفرة و أكثرها تعلقا بوجودهم ، الا وهي توحيد كلمتهم و قواهم للحفاظ على كيانهم ، وخلق من اختلاف الرأي، حكمة مضافة ، تماما مثل تلك المراحل الدراسية التي كان فيه الفتيان والفتيات ،متأثرين بقناعات جديدة ومتعددة ،تباينت بين هذا وذاك ، ولكنها لم تكن الا عاملا إيجابياً للاستيعاب والتعلم واحترام التباين ... لم يخطر على بالهم يوما ان بلداتهم وقراهم ستصبح في خبر كان بعد ان دبت فتنة الانقسام والتناحربدل الوحدة والوفاق ، وجدل بيزنطي لم ينته ...

ومن هذا المنفذ تبحلقت العيون وسال لعاب الطامعين لخلق الشروخ الكبيرة على مدى الزمن ، للوصول الى الهيمنة على مصير ومستقبل مدننا وقرانا ،و بكل مسمياتنا ، وخلق النظرة الشوفينية في علاقاتنا مع أنفسنا ... لم نبالِ او لم يكن لدينا قراءة صحيحة للمستقبل الذي زحفت علينا أيامه ليتركنا مشتتين مسلوبي الإرادة في الداخل ، متنافرين في الخارج ، إشداء في المنازلات على صفحات الإنترنيت ...

الم يحن ألوقت لان نتصفح الماضي ونتعلم من الأخطاء ، ونتوخى الحذر من مفاجآت المستقبل ؟ والاتفاق على رأيي الأكثرية في اتخاذ قرارات تحددها ملامح المرحلة القادمة التي ستقرر بوصلتها وجهتنا جميعا ، وبروح التعالي على المصالح الذاتية ... مطلوب منا اعادة تلك الصورة الجميلة التي تربينا عليها ،المشبعة بحيوية تجدد الثقة وتمازج الآراء ، واختيار ما يضفي لشخصيتنا الإيجابية دائماً كلما يَصْب في إعادة رص الصفوف ...فالكل يرتب اوراقه ويبحث عن مكان وموطئ قدم وحقوق غير ناقصة ، ونحن الاولى بكل ذلك ...

من روح ثورة تموز المجيدة نستمد القيم والأهداف الحقيقية التي وضعت للعراقيين أهدافاً عظيمة ، ترى في كل انسان ، ومن اية ملَّة او قومية او ديانة ، عراقيته المفعمة بالإخلاص والتآخي ، لا يتميز احدهم على آخر الا بالعلم والعمل والتفاني في خدمة الشعب ...

ومهما تناقص وجودنا ،، ومهما تأخر الوقت ، الا ان المواقف الشجاعة ، وصدق النوايا ، تخلق من النواة الصغيرة قوة هائلة ، تستحوذ على الكثير من الاحترام ، وتملأ الكثيرمن المواقع المتقدمة ...

  كتب بتأريخ :  الأحد 14-07-2019     عدد القراء :  296       عدد التعليقات : 0