قراءة في المجموعة الشعرية ( حين عبث الطيف بالطين ) الشاعرة نجاة عبدالله

شاعرة امتلكت حضور شعري متميز . في الساحة الثقافية والشعرية , وشاركت في المهرجانات الشعرية بصورة مكثفة , ولاقت الاستحسان , في صوتها الشعري الواعد بالعطاء والتألق  . بصوت شعري يحاول ان يثبت اركانه بكل اقتدار ابداعي , وان يتوجه الى الحداثة الشعرية , من خلال تجربتها  ,  كما تجلت مظاهره في العديد  من المجموعات الشعرية التي اصدرتها . شاعرة من جيل التسعينيات , رسمت لوحتها الشعرية , بصياغة تثير الكثير من التساؤلات الجدية , في معاني الايحاء والرمز الدال , المرتبط بالصميم بالواقع بالارض بالاهل , بالحنين الى البلد البعيد , المرتبط بلواعج الغربة والاغتراب ومعاناتها , بالوجع والانين الذي ينهش الوجدان بطيف الذكريات الاليمة والموجعة التي تعبث بالطين , وتضعها ساخنة  في نار الحنين والشوق . شاعرة تمتلك الاداء المقتدر بالصياغة الفنية والتعبيرية , وقدرتها  في صوغ تداعيات فعل  الصدمة ,  وفعل الالم الموجع , الذي يحمل اوجاع الوطن , بالاحساس الوجداني المتربط بجوانحه الهائجة للبعيد , الذي يعاني القهر والمعاناة  والتفتت . هذا الحزن العميق الذي اختمر من تجربة  وجع الغربة . والذكريات الاليمة التي تركت ندوب جريحة لاتشفى , في الوطن الذبيح . لذلك احتلت قصائد هذه المجموعة ( حين عبث الطيف بالطين ) هذا الوجع الانساني , في دلالاته الايحائية والرمزية البليغة  . التي تهز القارئ بالشجن والشجون , بصرخات مكتومة تفيض بوجع الروح الى حد الصوفية ,  في الحنين والشوق . بهذا الطوفان الذي يعبث بالطين , على الايقاعات صارخة بالحزن العميق   ,  وتفتح وجع الروح في عوالمها الداخلية والذاتية , والتي خرجت بهذا الطوفان من  القهر والمعاناة , في زمن الهشاشة الذي  تعبث به الرياح والعواصف وتقلبه على كل اتجاهات  الانين .  في الشوق الملتهب الى البعيد . هذه الصياغة الشعرية في هذه المجموعة , في توظيف مقتدر بين المعنى والمعنى المضاد , في جدران العتمة والليل الطويل , في رحلة العذاب في تجربة الغربة . المرتبطة بحبلها السري للبلد البعيد , في طيف ذكرياتها التي تعبث في خلجات الوجدان الى ( العراق الذي يبكيني . ويرسم وجهي بتضاريس غيابه ) في حرقة السؤال والتساؤل , التي تقرع بأجراسها .

ضوء خافت

يتلألأ خلف سؤالك

من أنت !!

تعقد كفيك

وتنصت لأنين النار

----------

شمعة ...

يحترق صمتك ,

مطرٌ

هذا الكلام

المحتشد في فمك الميت ,

علكَ تراني تفاحة تصهل خلفي

-------------

يهبط الغيم حزينا لسؤالكَ

منطويا على دمعته

أهذا العمر لكِ أيتها الأخطاء ,  / من قصيدة ( خطيئة آدم )

وجاءت عصافير المعنى ,  مليئة بالايحاء والرمزية  الدالة في العمق  ,  لتعابيرها لترسم لوحة الحزن العميق, كأن الخريف يهجم على بلد  الامهات في وجع الانين , والعصافير تهرب وراء السراب , وتسقط دمعة سوداء  من العاشق والعاشقة  .

الخريف

بلد الامهات

جاء وحيدا

يُقبَل الابواب .

------------------

قلبي بريء منكَ  

أيها الألم .... البياض ,

قرية سوداء

تُزين ذاكرتي بالعصافير ,

أقدام غرَة

تركض خلف السراب

------------

على الدمعة السوداء

ظلَّ العاشقة

التي

حلقت على كتفيها

النوارس

وبكت على جانبيها

الفراشات .       من قصيدة ( برج الحوت )

هذا الوجع يجعل الحذر يمشي في عروق القلق ,  في كل خطوة يخطوها . الحذر من بارود الصدفة . الحذر من الدبابيس قد تجرح عمرك . الحذر من الايام , قد تنسيك لعبة الفراق . الحذر من فمك قد يصرخ مرتجفاً في البراري .

إحذرْ

بارود الصدفة

قد يأخذك شيهدا

في دمية خاسرة

--------

إحذر الدبابيس

قد تجرح عمرك

وترديكَ حيا .

-----------

إحذر الايام

قد تنسيكَ

لعبة الفراق .

---------------

إحذر فمكَ

قد يصرخ مرتجفا

في البراري .           / من قصيدة ( محاذير )

هذا الوطن البهي الزاهي في معاناة الالم , , والعامر في وجع الانين الذي يقطع نياط القلب . لكن تظل الاشواق اسيرة ذكريات الحنين الى مراتع الطفولة الفقيرة . التي توخز الذاكرة , وليس غريباً ان تتنزه في وطن الوجع وتداعبه .

آه

أيها الوطن البهي

يا مِسَك نهر هائج

توجه إليَّ ألآن

في هذه الليلة

غير الموثوق بظلمتها

ضع قرب رأسي

زهرة الفجيعة

دون أن توخزني

بحرارة ذكراك .         / من قصيدة ( الوطن البهي )

حين عبث الطيف بالطين ,  وفزز الجراح الدامية , واستيقظ  الحزن العميق , لتأخذه رياح الشجن المؤلمة بالوجع لكي تلعب به , حين خرج السلام ,  من جثة الحرب , هذه الاوجاع المؤلمة في لعنة الحرب التي تأخذ الاحبة والاخوة ,  جوراً وظلماً , وتترك روح الاهل والاحبة ,  دامية على قارعة الفراق , هكذا  يتجول الموت بحرية في الحرب  , ليخطف الفسائل الخضراء  اليانعة ,  ويحرقها في العبث الحياتي نحو الموت  , لتجعل غصة الوجع لا تفارق مضاجع  الذاكرة , بل تصرعها بالانين .

ودمك الفائرْ

كنتَ تسدد الرمية

بدمعة كسولة

كنتُ حائرة كالدمية البريئة

حين عبث الطيف بالطين ,

كنت رصاصة تهربُ  منك

وكنتُ سمراء

حين هرب الاحياءُ من الجرة

كنت نحيفا

حين سار الليلُ الى الليلِ .

والنهار الى جثة الحربِ

وكنتُ حربا

حين صافحتُ وجهك الغضٍ

وكنتَ غصا

حين خرج السلام

من جثة الحربِ .           / من قصيدة ( حين عبث الطيف بالطين )

لا تقتل الفرح . في دمعة كهل حزين , لاتمرغ القلب برمال الحزن , بل اعطني قرنفلة افرح بها , اعطني معطف أمي اتدفئ به , لا تعوي بالريح في البلاد البعيدة المغلفة بالقهر والوجع الحزين. هكذا

كان الرحيل الصامت  بأوجاع مرتجفة .

رحلنا

صامتين

ترتجف أوصلنا

متى قلنا

ها إننا يفتتنا النداء ,

نقتسم براءة الطين

-----------

ريحٌ

تعوي في بلاد بعيدة

تقطف أزهارا  قبل أوانها

تغلق شبابيك

------------

في كل قلبٍ

فاكهة للشتاء

وصحراء نمضي بها

علَنا

نمسك غزالة

نعبر فيها

ما تبقى من العمر .           / من قصيدة ( في البلاد البعيدة )

× المجموعة الشعرية : حين عبث الطيف بالطين

× اشاعرة : نجاة عبدالله

× اصدار : سلسلة آفاق عربية / تصدر من الهيئة العامة لقصور الثقافة / القاهرة

عدد الصفحات : 176 صفحة

جمعة عبدالله  

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 24-07-2019     عدد القراء :  48       عدد التعليقات : 0