هامش على البيان الختامي وتوصيات السينودس الكلداني

يذكرني البيان الختامي للسينودس الكلداني الأخير ببعض الامور التي تعلمتها خلال خدمتي الطويلة في الجيش العراقي الاصيل. أذكر خلال السنوات الأولى من خدمتي حيث كنت آمراً لإحدى المستشقيات العسكرية الصغيرة في كردستان العراق, أن طرأت لي فكرة طلب جهاز شعاعي للمستشفى الذي لم يكن متوفراً فيها آنذاك. علمني أحد الضباط الأقدمين من ذوي الخبرة عن إسلوب الكتابة إلى المراجع العليا كي يتم الإستجابة لطلبي وإلا يهمل... ذلك أن أبدأ كتابة الطلب بجملة " بالنظر للظروف الراهنة والمرحلة الحرجة التي يمر بها ...إلخ. ثم أكمل ما اشاء وأدخل الموضوع من أوسع أبوابه. وبالفعل وافقت المراجع على تخصيص جهاز شعاعي للمستشفى مع نقل مصور شعاعي إليها وسط دهشة زملائي في القاطع. ألمضحك المبكي أنني زاولت استخدام نفس العبارة على مر السنين وعبر كل المناصب والرتب التي حملتها, ولم تتغير الظروف الراهنة وبقيت المرحلة الحرجة نفسها طيلة فترة خدمتي الطويلة في الجيش وبعدها, وربما لحد اليوم, وقد يكون حالها الآن أسوأ من السابق.

أتذكر ايضاً كيف كانت تختتم المناقشات حول سير التمارين العسكرية التي كانت تُجرى هنا وهنالك بدرج "الدروس المستنبطة والتوصيات". أما مدى الإستفادة من الدروس المستنبطة وكم من التوصيات تم تطبيقها على ارض الواقع؟ فذلك يعتمد على الآمر أو القائد, وفي معظم الأحيان تذهب هباءً منثورا سواء بوجود القائد أو بعد نقله. ألمنظرون كثيرون, لكن الفعلةَ قليلون.

ما يُلفت النظر, وخاصة في الطبابة العسكرية التي كنت أحد العاملين فيها أن هنالك مراجعة لما جرى. فمثلاً عند العمل لعقد مؤتمر طبي, تتم مراجعة ما تم تثبيته من ملاحظات عن المؤتمر السابق, وهنالك مراجعة لمحضر الإجتماع السابق عند دراسة موضوع ما من قبل اللجنة المعنية.

كنت أتمنى أن ألاحظ في توصيات السينودس الأخير مراجعة لتوصياته للعام السابق للوقوف على نسبة التنفيذ الفعلي لها, ولكي تكون الرعية على بينة من مصداقية وجدية الإجتماعات السينودسية, وليست مجرد لقاءات تقليدية تسطّرفيها مقترحات مثالية لتنظيم العمل الكنسي ولخدمة الرعية, وتُطرح فيها حلول تنظيرية لقضايا مصيرية, وتتخللها فترات ترفيهية لا تخلو من التقاط الصور الهوليودية وتناول ما لذّ وطاب من المواد الغذائية, وتعقب كل ذلك مقابلات إعلامية للإشادة بما حصل خلال المحاورات الأخوية وخاصة بحضور الوفود العلمانية كتجربة ناجحة تشجع الجميع على تعزيزها في لقاءات السينودس المستقبلية.

لفت نظري مشاركة ممثل عن الرابطة الكلدانية, بالإضافة إلى ما جاء في التوصية تسلسل 12 "ضرورة دعم الرابطة الكلدانية الساعية لجمع شمل البيت الكلداني والدفاع عن حقوقه وإبراز هويته".

بصراحة, ما لفت نظري يحتاج إلى نظرة تأملية. ما هو تفسير حضور ممثل الرابطة؟ ألمعلوم أن هنالك علماني واحد من كل ابرشية. فهل ممثل الرابطة الذي هو أيضاً علماني يحضر كممثل للبطريركية؟ أما إذا كان حضوره كممثل عن إحدى مؤسسات المجتمع المدني, فلماذا تعطى للرابطة الأولوية وتهمش بقية مؤسسات المجتمع المدني التي هي أكثر فاعليةً وأشمل خدمة وربما أقدم بكثير من الرابطة؟, وأقرب مثل على ذلك هي مؤسسة الجالية الكلدانية في مشيكن. قد يدعي من يدعي بأن لمشيكن ممثل علماني عن أبرشيتها. ولكن أليس لأبرشيات الوطن الجريح ممثلين عن الأبرشيات المنتشرة هنا وهناك؟ للأسف الشديد أن السينودس الكلداني ساهم بقصد أو بعفوية في التفرقة بين مؤسسات الرعية الواحدة وبين أبناء الكنيسة الواحدة أيضاً, وجعل من البعض من أعضاء الرابطة أسوداً على بقية أفراد الرعية لا لشئ إلأ لكون الرابطة الكلدانية هي الوليد المدلل للبطريركية, وهنالك البعض من منتسبي الرابطة من ذوى المركب الناقص يتخيل نفسه خليفة غبطته في تلك البقعة, ولتذهب بقية المؤسسات وجماهير االرعية المتبقية إلى حيث.

ولا بد أن اذكر أن القلق قد دبّ ولا يزال عند بعض الآباء الافاضل حيث هنالك من همس بإذنهم بأن الترشيح للمطرانية لا يتم إلا عبر الرابطة الكدانية, ومن لا تربطه علاقة مشاركة أو ود مع مسؤوليها سوف لن يرى رتبة  المطرانية ما دامت البطريركية نفسها هي المتواجدة على الساحة, وبالفعل هنالك من القسس من انقلب 180 درجة عن موقفه السابق مع الرابطة ً تحسباً من تنفيذ تلك الهمسة القاسية... لا يا مطارنة السينودس الافاضل ما هكذا تُرعى الإبل.

أما ما جاء في التوصية تسلسل 12, أرجو السماح لي بالقول: من صاغ تلك التوصية إما هو ساذج, أو يعتقد بأنها توصية موجهة للسذج. سبق وأن كتب العديد عن عقدة التفوق التي تلازم البعض من فئة الإكليروس, ولا أبغي الإضافة, لكن لا بد أن اكرر القول من يعتقد أن أبناء رعية اليوم سذج, لا بد أن يكون ساذجاً بامتياز ومن الضروري أن يعيد النظر في سذاجته باسرع وقت.

سوف اسمح لنفسي تجزئة التوصية وتفنيدها جملة وتفصيلا.

جاء في التوصية: "دعم الرابطة الكلدانية".

بالنسبة لي هذه توصية مبطنة بالتهديد. أي ما معناه من لا يدعم الرابطة الكلدانية من الآباء الكهنة سوف يظل بجلبابه الأسود ولن يرتقي إلى رتبة أعلى إلى أن يسير في الدرب المرسوم من قبل المرجع الروحي الأعلى. مما لا شك فيه أن الدعم الاساسي والفعال يأتي من راعي الكنيسة وليس من أبناء الرعية, حيث بدعم الكاهن سوف ينقاد عدد لا بأس به من رواد الكنيسة للإنتماء إلى الرابطة التي يعزف عنها معظم الكلدان لسبب أو آخر. هذا إضافة إلى التسهيلات التي تحصل عليها من الراعي الذي يخشى الذئاب المستقواة بسلطة البطريركية.

وتستمر التوصية بعبارة "ألساعية لجمع شمل البيت الكلداني".

سادتي الكرام في السينودس: عن أي شملٍ تتحدثون؟ هل الموجود في الوطن الجريح؟ أم المستقر في بلدان المهجر؟ سذاجة أيما سذاجة. من قال أن البيت الكلداني مشتت؟ إذا كان مشتتاً فمن المسؤول؟ من الذي يساهم في تسرب رواد كنيستنا إلى كنائس أخرى أو الإبتعاد عن الإيمان كلياً؟ ماذا عن دور الجمعيات والمؤسسات الثقافية والسياسية والإجتماعية والمهنية وما شاكل والتي ساهمت ولا تزال تساهم في لم الشمل الكلداني بمختلف أطيافه وأهوائه؟ هنالك العديد من فروع الرابطة التي أبدعت في أساليبها الملتوية لشق الصف الكلداني, وأخص بالذكر لا الحصر الفرع القابع في المدينة التي أسكنها . لا أريد أن استعرض بطولات الفرع في هذا المجال ولكن أذكر ما حصل أخيراً: بادرت جمعية تلكيف الفتية إلى دعوة الجمعيات الأخرى في المدينة معً فرع الرابطة والصالون الثقافي الكلداني لعقد اجتماع بغية تشكيل إتحاد يجمع ممثلين من الجميع لتوحيد القرار والعمل المشترك عند الضرورة مع احتفاظ كل جمعية باستقلاليتها. مقترح رائع يوحد الجهود لا شائبة فيه. ماذا حصل. إنسحبت الرابطة ومعها ثلاث جمعيات تحوي في الهيئة الإدارية لكل منها أعضاء في الرابطة التوحيدية المزعومة. يقال, والعهدة على الراوي, بأن مسؤول فرع الرابطة اتصل هاتفياً بجمعية تلكيف قائلاً: "تريدون تسحبون البساط من جوه رجلينا"... أسألكم أعزائي في السينودس: هل حقاً هذا الإسلوب يصلح للم الشمل؟ وهل حقاً لولا الرابطة لتبعثر الشمل؟ أرجو الإجابة بشهادة الروح القدس. ألمصيبة الكبرى عندما يشعر عضو الرابطة أنه محصن ومحمي من الحساب مهما فعل من آثام لأنه من العائلة المدللة ويعتقد أنه وكيل غبطته في المكان والزمان... نعم له كل الحق أن يعتقد ذلك ما دام له حضور في لقاء السينودس. لكن من المسؤول عن هذا الشطط؟؟؟

وتستمر التوصية" والدفاع عن حقوقه وإبراز هويته".

أكرر هنا عن أية حقوق وهوية يتحدث السينودس؟ عن الحقوق والهوية في المهجر أم في الوطن الغالي. أحبائي في السينودس والعديد منكم يسكن المهجر: هل ظلم أحدهم الكلدان هنا؟ هل سرقت الدولة حقوقهم؟ هل أسقطت عن أحدهم الهوية؟ أنا أعبر مرارا بين كندا وامريكا وألاقي ترحاباً مميزاً عندما يسألني الضابط الحدودي عن هويتي فأجيب نعم أنا كلداني. سبق وأن أبديت وجهة نظري أن المهجر لا يحتاج إلى رابطة كلدانية تدافع عن حقوقه لأن حق الكلداني هنا مصان حاله حال أي فرد آخر في المجتمع الجديد, يحيا حراً ومحمياً بالقانون الذي يحمي الكل على السواء. لا هذا يزيدي ولا صابئي ولا نصراني ولا ذمي ولا ولا ولا... أكرر أن ما يحتاجه الكلدان هو الرابطة الكلدانية الوطنية لا العالمية, وما معناه رابطة في الوطن الجريح تسعى للمحافظة على المتبقي من الكلدان, وتحاول حماية الوجود الكلداني من الإندثار, وتلتمس من كلدان المهجر الدعم بشتى الوسائل لتحقيق ذلك, وإذا كان لا بد من الإصرار على استمرار الرابطة الكلدانية العالمية , والذي حتماً يسر عشاق الذات والطامحين لبسط النفوذ الإداري والروحي وووو... عندها تكون من أولويات مهامها هو التركيز على ما يحصل للكدان خصوصاً وللمسيحيين عموماً من تعسف وظلم وتهميش في الوطن الجريح والتشبث مع الحكومات في المهجر للتدخل وحمايتهم. ألمضحك المبكي أن الرابطة العالمية لم تعمل هنا بجد من أجل فوز مرشح بلدي أو برلماني ولا أعتقد أنها ستعمل بهذا الإتجاه لضعف تأثيرها وعدم شعبيتها في المهجر, كما أنها أخفقت في صعود كلداني بحق وحقيق إلى قبة البرلمان العراقي بالرغم من التطبيل والتزمير وإلإسناد الكنسي اللامحدود, فمن صعد بدعم الرابطة المستميت وتشجيع البطريركية فإنه يخدم أجندات أخرى.

وأخيراً لا آخراً لا بد أن أقول بأن مشروع الرابطة لن يكتب له النجاح لأسباب متعددة:

أولهما كونه مرتبط بشخص واحد هو غبطة البطريرك الكلي الطوبى, والتاريخ يشير بكل وضوح إلى إخفاق المشاريع المرتبطة بالأفراد كالماركسية واللينينية والماوية والناصرية والكاستروية وما شاكل. غالباً ما يحالف النجاح المشاريع المرتبطة بالأنبياء والمصلحين لأنها تقترب بالفكر من المشاعر الروحية الكامنة للأفراد. ألرابطة ليست ضمن هذا الإطار وغبطته ليس من الأنبياء أو المصلحين.

كما ان الرابطة غير مرغوب بها من معظم الإكليروس حيث المعروف عن آبائنا الأفاضل بمختلف رتبهم الروحية والإدارية ميلهم إلى العمل بإستقلالية تقترب من الدكتاتورية مصحوبة بوهم الغطرسة والتفوق. ويمكن التأكد من نفورهم الداخلي تجاه الرابطة بإجراء استفتاء سري بينهم. أتوقع النتيجة 80% على الأقل من لا يحبذ وجود الرابطة.

ومؤشر آخر على عدم نجاح  مشروع الرابطة هو ظاهرة عزوف الأغلبية الساحقة من الكلدان من الإنضمام إليها أو دعمها, ومن أهم أسباب هذه الظاهرة يكمن في تأصل غريزة الأنا عند البعض من مسؤوليها ووصولية البعض الآخر. هذا بالإضافة إلى الإنحراف عن إهداف الرابطة الأساسية بل ضبابية أهدافها أساساً بحيث تحولت الرابطة في بعض الأماكن إلى ما يشبه مكاتب للسفر والسياحة وتنظيم الحفلات الصاخبة لغرض تحقيق الكسب المادي لمسؤوليها من ناحية ومنافسة أصحاب الشأن من المسترزقين على مثل هذه الأعمال من ناحية أخرى.

بالإمكان اختبار مدى إيمان المسؤولين الحاليين بأهداف الرابطة وحقيقة تشبثهم بالهوية الكلدانية بجعل فترة المناصب الإدارية لمدة سنتين فقط قابلة للتجديد مرة واحدة فقط لنفس الفترة. لو تم تطبيق هذا السياق  فلا أعتقد سيكون بالإمكان إيجاد بدائل لمن تنتهي فترته والذي سوف يودع الرابطة حال مغادرته المنصب وربما إلى الأبد. ورغم ذلك من الأفضل إتباع ما ذكرته آنفاً لقطع الطريق على من يحاول أن يجعل من الفرع أو المكتب ملكية فردية من جهة, وكي يُسمح لدماء جديدة أن تظهر للساحة بأفكارٍ رائدة. فهل للرابطة الجرأة على الأخذ بهذ الإسلوب؟ أم أنها تشعر أن ذلك يعني ذوبانها وتحللها وإلى الأبد.

إذا اقتنعت الرابطة  أنها نجحت حقاً في مهمتها في تحقيق أهداف الكلدان ولم شملهم فلتجرب السياق الذي ذكرته إذن (سنتان قابلة للتجديد لسنتين أخريين فقط) . سوف لن توافق على الأغلب لأني على ثقة بأنها لو وافقت فسوف تحفر لها نعشها بيديها. أتحدّى والسبع من يقبل التحدّي.

  كتب بتأريخ :  الأحد 11-08-2019     عدد القراء :  416       عدد التعليقات : 0