لكي يكون أبو عبد الله \"الحسين في ضمائرنا\" حقا!

أول الكلام:

ياحسيـن بضمايرنـه- صــــحنه بـــــيك آمــــــنّه

لا صيحة عواطف هايْ - لا دعـوه ومُجــرَّد رايْ

هـذي مـن مبادئنـه - صِحـنـه بيــك آمــــــــــــنّـه

الى أن يبلغ الذروة :

لمسنه بيك أبوالاحرار - اعرفـــنـه المـوت حرّيـه

لمسنه التضحيه بشخصك – عرفنا الشرف تضحيـه

لمسنه بيك أبي ومَ تليـن - عرفــــنـا الـذل عبوديـه

لمسنه اعلى الكرامه اﮔضيت - عرفنا نريدها هيّـه

لمسنه ابذلت دم وحييـت - عرفنـه الدنيـا وقــــتيـه

لمسنـه قسـوة اعدائـك - عرفــــــــنـا احنـه فدائـيـه

عرفنه انظل بيدين يزيد - مـن ايـد لقــــسـاوة ايـد

هذه من أشهر القصائد الحسينة المكتوبة للترنيم (الردّ) الحسيني كتبها الشاعر رسول محيي الدين (1922- 2005) عام 1974 حين أرسل عليه مدير الأمن أن ينشد قصائد للحزب والثورة ويمتدح القادة وعرض عليه مبالغ كتبرع لخدمة الحسين، فرفض الشاعر وقال له: إذا كان الهدف خدمة الحسين فيمكنكم التبرع حيث يعلن من المنبر أثناء الرد، وتسلم التبرع للموكب الحسيني كما جرت العادة.. لان المناسبة حسينية ولا تقبل المدح لغير الحسين وآل بيت النبي.. فهدده المسؤول الأمني. وخرج الشاعر منزعجا، حينها كتب القصيدة ثم أكملها، فألقاها الرادود ياسين الرميثي في خرنابات من أعمال ديالى، في عاشوراء عام 1977، وبعد أسابيع تبنتها مواكب المُشاة (البيادة) من النجف الى كربلاء في أربعينية الحسين وكانت هذه القصيدة من بواعث الأصرار ومواصلة السير وتحدي السلطة، وقد طُوِّقت المواكب بخان النص وانضم اليها الآلاف من أبناء الريف، حيث حوصرت المواكب بالدبابات والمدرعات وحتى طائرات ميج 23 وراح عدد كبير من الضحايا المدنيين،  ونفذ حكم الاعدام بعدد من النشطاء بلغ التسعة وقتل أحد المشاة من السائرين عند خان النص، والحادثة معروفة..

تتسم القصيدة بسمة الشعر الملحمي الذي يمجد بطولة الإمام الحسين ومبادئه التي استقاها من قيم القرآن وسنة جدّه، وفكر والده في التصدي للظلم وعوامل الانحراف المتمثلة في السطو على الخلافة وتحويلها الى ملك عضوض من معاوية لابنه يزيد، وهو سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام.. وقد ضرب الحسين وأهل بيته ومريدوه مثلاً رائعاً في الصمود والثبات على المبادىء والتضحية..وتتسم القصيدة بلغة منسابة سهلة مؤثِّرة الوقع على السامع حسنة السبك عميقة المعاني لا تكلّف فيها، لكنها لا تخلو من تحريض، ودعوة للوقوف بوجه الظلم أياً كان مصدره.. زادها ذلك الترنم بلحن حزين يتماشى مع هول الواقعة ولا يخلومن حماس رغم هدوء الانسياب من خلال المد والترجيع الهاديء وجمال الانتقالات في المسلك الميلودي..ما أعطاها حيوية متصاعدة رغم طول القصيدة..

باختصار القصيدة هي امتداد لتراث الترنيم الحسيني عبر التاريخ من خلال شعراء كبار من قبيل  الحاج زاير وعبود غفلة الشمرتي و عبد الحسين أبو شبع وعلي التلال ورسول محي الدين وبأصوات جميلة ومؤثرة من قبيل السيد كاظم القابجي وفاضل الدليمي الرادود وعبد الرضا الرادود (حس الذهب) وحمزة الصغير ووطن و حسين الرميثي وياسين الرميثي...الخ ( للمزيد يمكن مراجعة: في التطرف وما يليه، سلسة من ست حلقات،الرابعة: وللحزن مجالسه!؛ الخامسة: وللنساء مجالسهن! والسادسة: ممارسات مسيئة وضارة!؛ لكاتب هذه السطور، نشرت في عدة مواقع قبل عشر سنوات).

***

لظلتِ الترانيم الحسينية أو الرد يتسم بجمال وصدق المشاعر في المناسبات الحزينة، وحتى المبهجة مثل مواليد النبي والإمام علي والحسين، مما يشد السامع ويؤثر به أيما تأثير لتآلف القصائد واخضاعها لما يلائمها من أنغام وأصوات الرواديد (جمع رادود)، مما خلق قاعدة شعبية واسعة من المريدين والمعجبين حيث في كل مناسبة تخضع القصيدة لنقد الناس الذي يتسم بالإعجاب والكشف عن مكامن الجمال وشدة التنافس بين رواديد أطراف (أحياء) النجف العريقة حيث لكل حي رادوده؛ حين تابع الجمهور الذواق ويقارن بين الرواديد من ناحية النص واللحن والصوت! ومن المهم إن القصائد الحسينية تتسم بمناهضتها للحكام الظلمة إذ طالما حاربها الحكّام لسماتها الثورية والتقدمية!

رافقت المناسبات الحسينية طقوس متطرفة تتعدى المجالس والنوح والردات واللطم الى ممارسات ضارة منها، الضرب بالسلاسل المعدنية على الظهور، وشج الرؤوس بالنصول البيضاء حتى يسيل الدم مدرارا! والتحريض على هذه الممارسات باعتبارها من شعائر الله التي ينبغي لها أن تُعظَّم لإنها من تقوى القلوب!!  مارسها نفر من القراء والخطباء الذين يشيعون الكثير من الخرافات والذين أساؤوا للحسين (ع) من حيث لا يعلمون عندما يصورونه رجلاً يستحق النوح، دون أن يؤكدوا على المثل والقيم والمباديءالعظيمة التي ثار من أجلها الحسين ولا على الشجاعة التي ضرب فيها مثلا في التصدي للحكّام الظلاّم، ناهيك عن فقرهم في اللغة والمعرفة، والأنكى أن عددهم في ازدياد.

يذكر صاحب البداية والنهاية في تأريخه ( ترجمته ج16في أكثر من موضع وفي أعلام الذهبي ج-10ج481 )، أن عضد الدولة عندما زار بغداد والتقى بالعلماء شكوا اليه الفيضانات، والمشاكل التي تحدث بين اتباع المذاهب، فتعهد لهم ببناء السدود وكري الأنهار وأصلاح نظام الري وبناء أعظم مستشفى وهو المستشفى العضدي وغيرها ، اما المشاحنات المذهبية فأوصى بمنع الخطباء والقراء الجهله الذين يثيرون الفتن، وفعلا حسن الحال وعرفت بغداد الإستقرار لفترة خمس سنوات وهي التي حكم فيها عضد الدولة ! وعندما يتابع المرء أكثر الخطباء الشباب في هذه الأيام يسمع عجبا ،(علما ولغة ) إذ كثيراً مايشيعون الجهل والخرافة ظانين أنهم يخدمون المنبر الحسيني- كما ذكرت سابقا- دون رقيب ولا حسيب، فهم لم يسمعوا بفن الإلقاء وهم لا يخرجون الحروف من مخارجها ولا يعرفون الشمسي من القمري ولا القطع ولاالوصل ولا الإدغام ولا المد ولا الشد ولا الوقف ولا الحد المعقول من النحو والصرف ولا..ويرسلون ما يعنّ لهم كلاما مرسلا رسَلا!

ولأجل هذا فإن على المراجع أن تضع حدا لهذه الظاهرة، وأن يشكلوا لجنة تختبر المتقدمين بكل العلوم والشروط الواجب توفرها بالخطيب وتجيز من ينجح فقط ، حتى تعود الخطابة الى عصرها الذهبي فليست الخطابة بكاءً وإبكاءً فقط !

ثار الحسين من أجل إحقاق الحق ومكافحة الظلم والانحراف المستشري كما اليوم من قبل شيعة الإسلام السياسي، فحريٌّ بنا أن نستلهم من ثورة الحسين مكافحة الظلم والفساد واستغلال المناصب للأهل والأقارب، الذين اغتنوا على حساب الأغلبية المسحوقة؛ وأساليب النفاق حين يخرج علينا السرّاق والفاسدون ليجعلوا من مناسبة عاشوراء فرصة لتبييض صفحة أعمالهم ويخدمون المشاة المتوجهين لزيارة الحسين عن طريق تقديم الطعام والماء! وآخر بدعة ظهرت أن يقوم البعض بغسل أقدام المشاة من الزوار وتنشيفها لأنها من شعائر الله ولأنهم من أحباب ومحبي آهل البيت!!

إن مظاهر الإسراف في تقديم الطعام ومظاهر التسرب من الخدم والواجب الوظيفي بحجة الزيارة لأمر يدل على سوء الفهم وعلى التحايل والتهرب من الواجب وهذه أمور لا يرضاها الحسين الذي تربى في حضن والده ولطالما سمعه يردد هذه الآية:

( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) القصص38

والذي أوصاهما بأن يكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً... والا يسكتا عن الحق!

فأين نحن من مبادىء وقيم الحسين، أين؟!

السادس من أيلول/سبتمبر 2019

  كتب بتأريخ :  السبت 07-09-2019     عدد القراء :  56       عدد التعليقات : 0