قراءة في رواية ( هزائم وانتصارات ) للكاتب محمود سعيد

تتميز الرواية في براعة السرد وتقنياته وآلياته المتعددة الاساليب والاشكال  في بنية النص الروائي , في التوسع والتمدد في  المتن السردي , الذي يلاحق ويرصد ادق تفاصيل الاحداث المتن  الروائي , بهذا التزاحم المتلاحق والعاصف , لكن بترتيب وتنسيق مدهش في تناسق بنائه الروائي  , في الغوص في عوالم الاشياء الحياتية بالتفصيل والتوسع المشوق , في اشكالية متطورة من التعبير والصياغة , وفي الاستيعاب الهائل لمسار الاحداث وتتبعها في أدق التفاصيل , في ابراز مضامين البارزة في  الارهاب والحرب , في ثنائية الموت والجحيم . التي مارسها النظام السابق ,  واشعاله نار الحرب , فالرواية تتحدث عن فترة الثمانينات القرن الماضي ,  أبان الحرب المشتعلة بين العراق وايران , والتي اصبحت  تحصد الهزائم في جحيم خنادق الموت المرعبة , تجعل الحياة في ظل هذا الجحيم والمعاناة لا تطاق ولاتتحمل . لان الجندي يعتقد انه وقود في استمرارية  المحرقة . ولا خلاص إلا بالمجازفة والمخاطرة والمغامرة في حياته  , طالما الحرب تلعب لعبة الموت والحياة , المنتصر هو الموت والخاسر هي الحياة . هذا ماكشفه الابداع السردي الروائي  , ولابد من ذكر ابرز معالم  السرد  , هي البراعة المدهشة في فن التصوير الملهم والخلاب . كأن الروائي يحمل كاميرا التصوير , ويصور ويصف الاشياء في محركات المتن الروائي في عدسة التصوير  . كأننا  امام دليل سياحي يصف ويصور معالم الاماكن السياحية  في دهشة التصوير , يجعل القارئ ينشد اليها بتشوق مرهف وجذاب . يجعلة كأنه يعيش هذه الاماكن السياحية , في ادق  مهارة وبراعة في عدسة التصوير . هذه التقنية المتطور في اسلوب السرد وحثيثاته . ولا يمكن ان يكون الوصف والتصوير بهذا الشكل الباهر  , إلا من عايش وشاهد هذه الاماكن . ولا يمكن من كشف حالة الغربة واللجوء , وشحتهما القاسية , إلا من عايش معاناة الغربة واللجوء , لذلك جاء المتن الروائي بهذه الدقة في تسليط الضوء على قسوة معاناة الغربة ,والصعوبة الشاقة والمرهقة في الحصول على هوية اللجوء . كأنها اختبار لطاقة التحمل والتحدي , رغم شحة الحالة المادية وفقرها ويباسها التام , اضافة الى الحياة القلقة والخوف من المجهول , والخوف من عدم وجود ملاذ  آمن يبدد مخاوف اللاجئ , وتفززه هذه المعاناة القلقة , تجعل اللاجئ والغريب في حالة بحث دائم  بتعب مرهق , في وجود ماؤى موقت , حتى تسنح له الظروف  في الحصول على اللجوء من البلدان الاوربية , لذلك يسعى بجهد  في الحصول على جواز مزور حتى يطير به الى دول الهجرة واللجوء . كما أن اعين عملاء النظام من ازلام سفاراتهم , تلاحق وتطارد العراقيين , حتى تجعل حياتهم جحيم لاتطاق ,  حتى يرجعوا الى العراق خائبين , او ايذائهم او كيل التهم اليهم او اختطافهم . يعني بكل بساطة ان حياة العراقي في الغربة هي جحيم  المعاناة . بين الحياة والمجهول . هذه الحالة افرزتها الرواية ( هزائم وانتصارات )  ,  وسلطت الضوء على معاناة العراقيين في الغربة واللجوء . انها مخاطرة ومجازفة حياتية . بدليل بطل الرواية ( سامر ) نجى من الموت المحقق سبع مرات في اماكن متعددة ( العراق , كردستان شمال العراق . ايران . باكستان . الهند . تايلند . النيبال ) . ان الحدث المتن الروائي يشير بأن ( سامر ) من الموصل هرب من جبهات الموت او من  خنادق الموت , حين صدم بوجود مجندين صغيرين وفي اولى ساعات وجودهما خلف السواتر , واذا بقذيفة صاروخية , تحيلهما الى  أشلاء مبعثرة ومتفحمة . هذه مآسي الحرب , الكل يفكر بالموت القادم اليه عاجلاً أم آجلاً , لا محالة . لذلك هرب مع صديقة ( ياسين ) النائب الضابظ . كاتب الفرقة , الى شمال العراق , ثم اجتاز الحدود الى أيران ,  ووجد الحالة الايرانية لا تختلف على الجحيم العراقي , ويفرض عليهم التجنيد في جبهات القتال , او السجن والتحقيق , لذلك جازفا بالمخاطرة في حياتهم في الهروب الى باكستان . وحصلا بالمشقة على هوية لاجئ . واخذ يتنقل ( سامر ) في البلدان المجاورة للباكستان , بهوية أيرانية مزورة وبعد ذلك  اشترى جواز سفر يوناني مزور ,تنقل فية في المحطات التالية (  باكستان . الهند , تايلند , نيبال ) وكل محطة يتجرع الشقاء والمعاناة والمجازفات الخطيرة , عاش حياة التشرد والقهر كلاجئ يبحث عن مستقر موقت قبل ان تسنح له الفرصة في الانتقال الى اوربا , بجوازات مزورة , لذلك اتقن عملية التزوير . وساعد الكثير في الحصول على جوازات مزورة  , يبعها الاوربيين حين يفلسوا ولكي يشتروا المخدرات بالفلوس الجواز , ثم يذهبون الى سفارات بلدان حتى يسفرونهم الى بلدانهم مجاناً . وكان يتخذ من عملية التزوير لتخفيف معاناة اللاجئين العراقيين  , حتى تسنج  لهم السفر الى البلدان الاوربية بهذه الجوازات المزورة . ومنهم صديقه ( ياسين ) ارسله الى الدنمارك . فقد برز ( سامر ) كناشط أنساني وجماهيري ,  يقدم خدماته بتعب وارهاق الى الذين يحتاجون فعلاً الى المساعدة  , كأنها واجب انساني صرف . لتخفيف من جور الحياة المرهقة والناشفة والشحيحة . لذلك كان يسعى الى تقديم العون , ويفضح اساليب سفارات النظام ضد العراقيين الى المنظمات الانسانية والحقوقية العالمية . وكان يرفض ان يتلوث بافعال والاعمال الشائنة واللاشرعية , حتى يحافظ على قيمته الانسانية رغم الظروف الصعبة التي يمر بها . والرواية قسمت الى ثلاث اجزاء  وهي :

1 - القط  ذو الارواح السبع

2 - مزيف أجوزة السفر

3 - مصائر متقاطعة

والمتن الروائي يتابع حياة ومسار الاحدث العاصفة التي يواجهها ( سامر ) في تنقلاته في البلدان , في جواز يوناني مزور . يجازف  بمجازفات خطيرة في اجتياز الحدود والتنقل بين البلدان  . ليقدم خدماته في مساعدة اللاجئين . وينخرط في الحياة العامة كبائع متجول في بيع التحفيات في الاماكن السياحية , ورغم شحة ظروفه لكنه لم يتوانى في تقديم مساعدته وخدماته في مهنة التزوير . نجى من الموت سبع مرات . واحب خمس مرات   من النساء اللائي دخلن في اعماق قلبه , بالحب العاصف بالهوى  , لانه يجد في الحب الامل في التغلب على صعاب الحياة , والامل في الحصول على اللجوء في البلدان الاوربية . فاحب بكل جوانح عقله ووجدانه , وكان على استعداد ان يضحي في حياته من اجل الحب والهيام , وبالفعل تبادلن معه بنفس الحب الوجداني العاصف , ماعدا البريطانية اللعوب ( سانتا ) التي ارادت ان تتخذ من منصة الحب , ان يشاركها في تجارة المخدرات , بحجة انها تدر المال الوفير والرفاه في الحياة والتنقل في بلدان الاوربية بسهولة , بدلاً من ان يكون بائع جوال في شحة المال والحياة , لكنه رفض بغضب واستنكار . بأنها لعوب وافعى لا تستحق الحب . وتتخذ من الحب ان يقترف جرائم ضد الابرياء بالمسحوق الابيض , الذي تعتبره اثمن من الجواهر وخفيف الوزن , وتساءلت في اعجوبة في رفضه القاطع بأن تجارة المخدرات رابحة بقولها  ( تجارة يا مجنون , فكر في ألفين دولار ربح صافي لكل رحلة مع جواز اصلي لأي دولة تختارها بأتيك الى مكانك ! من دون مجازفة ! الطريق ممهد ! نذهب معاً ونأتي معاً , أيوجد أحلى من هذه الحياة ) ص212 . لكنه هتف بها غاضباً وحانقاً  (أكل ذلك الحب تمثيل ؟

نهضت : أصول عمل . تساءل مستغرباً : أنكِ لم تحبيني !

- بالطبع لا . مهنتي اختيارك . أعدادك للعمل . هذا تدريب لتأهيلك للمهنة !)

هتف بغضب ( أنتِ أفعى ) اكدت على كلماتها : لا . تاجرة ) ص212 .  طردها  وداس على حبها المخادع . أما الاخريات فكانت بريئات في حبهن النقي  , لكنهن وقعن في مصيدة المخدرات والادمان , بفعل غدر الحب من جانب الخليل والحبيب , الذي استثمر براءة الحب في تجارة المخدرات , وقعن في مصيدة السجن , مثل حالة ( هيلين ) استغل براءة قلبها بالحب واوقعها في مصيدة تجارة المخدرات وكان مصيرها السجن وهرب وانسل  منها كالشعرة من العجين . حاول ( سامر ) بجهوده المضنية في متابعة قضيتها وتوسط لها في اعادة محاكمتها لانها بريئة وضحية نصاب تاجر  المخدرات , واقتربت مساعية الى بارقة الامل والنجاح , بتسهيل اطلاق سراحها , لكنه اصطدم بالخبر المفجع والصادم في انتحارها في السجن , لانها  يأست من الحياة ولا يمكن ان تستمر سنوات طويلة في السجن . اصيب بالاحباط والحزن لم يصدق موتها وفقدان حبه , الذي كان يأمل به الخلاص والامل  والاستقرار في البلدان الاوربية ( أخذت الدنيا تدور , وتدور . أكنت تصدق  أتحبك أمرأة مثل هذا الحب العظيم , يا لك من محظوظ . يا لك من سيء الحظ ! .  تضببت الرؤية أحس بنفسه تغور في اعماق الظلام , كاد يسقط على الارض ) ص545 . كان يساعد الفتيات المدمنات على المخدرات في علاج  الشفاء , في ارسالهن الى ( بيت الاصدقاء ) وهو مصح يساهم في علاج من انهارت اعصابهن ,  نتيجة الادمان على المخدرات . كما رفض بشموخ وطني ان يجند نفسه ضمن المخابرات الامريكية بعدما عرضوا عليه الطلب , وعرض المغريات المالية , والدعم في تقديم طلب اللجوء الى اية دولة يطلبها . كما اشار له الموظف الامريكي , لكنه اجاب بالرفض القاطع ( في العراق يريدون منا أن نقتل الايرانيين . وفي ايران يريدون منا أن نقتل العراقيين . أينما نذهب يريدون أن يلوثوا أيدينا بالدم  ) ص 221 . وكان يعاني ارهاق الغربة وتعاستها الفادحة . لذلك لم تغب عن باله مسألة الشعب والنظام والحرب المدمرة , وحالة العراقيين البائسة في الغربة واللجوء , في المصير الاسود الذي يتجرعه العراقيين في الداخل والخارج , في صعوبات الحياة وانعدام الملاذ الآمن . وكل تحركاته ونشاطاته الانسانية والجماهيرية , هي في عيون الرصد والملاحقة من ازلام النظام في سفاراتهم الخارجية . لذلك يتلقى رسالة من العراق , تشير بأن أبيه اخذ الى السجن كرهينة وهو مصاب بمرض السكر , ولا يطلق سراحه إلا برجوعه الى العراق , يصيبه الاحباط والحزن . ولكن اصدقائه شدوا من عزيمته , بأن هذه الاجراء التعسفي في سجن والده , هي من ألاعيب النظام في الابتزاز النشطاء في  المعارضة , بهدف رجوعهم , حتى ينتظرهم .  الاعدام والموت . لذلك تتولى عليه المحن الحزينة , وبضياع الامل في موت ( هيلين ) , والتشاؤم في الحصول على فرصة اللجوء في البلدان الاوربية .

× الكتاب : رواية هزائم وانتصارات

× المؤلف : محمود سعيد

× عدد الصفحات : 545 صفحة

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الإثنين 16-09-2019     عدد القراء :  56       عدد التعليقات : 0