طبول الحرب ومفتاح بغداد

لا يمكن وصف زيارة رئيس الوزراء العراقي للملكة السعودية، بأنها إعتيادية، في ظل تصاعد الأزمات وإحتدامها في المنطقة، ومالها من إنعكاسات دولية، وربما تكون أشبه بتلك الزيارة الخاطفة التي أجراها الى طهران، بعد أزمة الناقلات البريطانية والإيرانية، ولكن هذه الزيارة أشمل وأوسع، رغم أن الأولى لا تخلو من أرتباط أحداثها بما يدور في المنطقة.

بات من الواضح أن أسرار اللعبة في الشرق الأوسط والخليج، واضحة وسرها لا يختلف كثيراً عن علنها، وما عاد لأطرافها التذرع بمجهولية الجاني وهي تهتمه جهاراُ نهاراً، أو صنعت لنفسها عدو كي تلقي عليه كل أسباب مشاركتها في هذه الأحداث بصورة مباشرة وغيرها، ولكن ليست كل الأطراف تعرف من المستفيد أو تغض الطرف خوفاً من إنهيار تحالفات تعقدها، ضامنة لسياساتها، ولا تريد أن تضع نفسها في عداد الخاسرين، الى درجة التورط والعزة بالإثم.

الأفكار التي تقود المنطقة للتهاوي؛ عميقة كعمق الخليج وإستراتيجيته، ولكنها كانهر الجاري ببطيء، لا يرى أحد جريانه ولا يسمع له صوت، كما هي الأحداث التي كالأمواج المتغيرة، التي تظهر أكثر وضوحاً ولها أتجاهات، منها تعرف من أين القوة التي تدفعها وتخبرنا عن الجريان.

ليس أمام المنطقة خيارات كثيرة متاحة، وقد أستنفذت معظم قواها ما تملك من أعلام وإستعراض عضلات، وأن قبلت النتائج فخياراتها من مر الى أمَرْ، سيما بعد الضربات الإسرائيلية للعراق وسوريا ولبنان، والضربات التي تعرضت لها شركة أرامكو السعودية، وأن لم يُفصح عن الجهات الجانية، ولكن هناك دلائل تؤشر عليها.

في ظل كل هذه التطورات كانت للرئيس العراقي برهم صالح كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأوضح حجم المشكلات وضرورة نوعية الحلول، التي تتمحور على الحوار المباشر، وللعراق تجربة سابقة بجمع رؤوساء برلمانات الدول المجاورة له، ونجح بهذه المهمة وأتت الدول المختلفة وجلست على طاولة واحدة، وليس من المستحيل أن تكون قمة على مستوى الرؤوساء في بغداد، التي تسعى للوساطة وموثوقة من جميع الأطراف، ولا تختلف أو تتقاطع أو تتمحور لطرف.

لم تعد الخلافات والإتفاقيات دولية فحسب، بل معظمها يتعلق بملفات، وليس بعيداً عن كل ملفات العراق وسوريا وتركيا واليمن والسعودية وايران والخلاف الخليجي، وكل هذه الدول تختلف وتتفق في ملف بينما العكس في ملف آخر، ولكنها معنية بها جمعاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفيها لم تعد فقط الأصابع تشير للإتهام، وإنما الجزم وشدة الإحتدام،ووضع اليد على الجُرح.

يرى العراق أن له القدرة على جمع الأطراف في بغداد، وبمشاركة الأمم المتحدة، وليس مستحيلاً أن يجتمع الكبار على طاولة حوار، وفي الملف السعودي الإيراني اليمني كل الأطراف خاسرة، بل واقفة على هاوية الإنهيار، ولا أحد يتكهن أو يراهن على إنهيار الآخر قبله، فاليمن يخسر عشرات الضحايا يوميا، وإقتصاد أيران يتراجع مع شد الحصار الإقتصادي، وشركة أرامكو السعودية أوقفت نصف إنتاجها، وطلبت ما يتجاوز مليار دولار، وما قادم على هذه الدول سيكون أعنف وستنفذ الذرائع، وكل شيء واضح، وربما يُجبر طرف على الرد المباشر وتكون الكارثة.

إن الشرق الأوسط قلب العالم والعراق قلبه، ويسعى لإقامة مؤتمر يضم كل الأطراف، يضم بجانب دول الخليج ايران واليمن وسوريا وتركيا والاردن والامم المتحدة، ليضع حد فاصل لحرب اليمن وتسوية الخلاف الخليجي الايراني والخليجي الخليجي، والازمة السورية، وتناول مسألة أمن الملاحة في الخليج وبحماية الأمم المتحدة، دون تدخل أطراف أجنبية، ويأتي هذا التحرك بإتفاق الرئاسات العراقية الثلاث، وسبقه لقاءات مع سفراء الدول المعنية، وتشاور مع الأمم المتحدة، وأمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا، والتي أبدت رغبة في أخراج المنطقة من الأزمة وتفادي التصعيد.

بعد زيارة عبدالمهدي الى السعودي، أشار بعد لقاءه العاهل السعودي وولي عهده، أن كل الأطراف لا ترغب بالحرب، وبما أنها كذلك، فلابد لها أن تضع حد لإستنزاف المنطقة وتوترها، وقد يأتي الوقت الذي يجف البترول أو يستنزف، وكما يصرح الحلفاء أن لا أحد يقدم خدمة مجانية، وأن الدول العظمى ليست مؤسسات خيرية، وبهذا يكون العراق خير وسيط وأوثق صديق لكل الدول المختلفة، وأن القراءة تقول أما أن ترغبون الحرب، فأن الساحة مفتوحة والنتائج معروفة، ومن تتهمون علنياً أمامكم، أو تعودوا الى بغداد، لأن الخلافات في الشرق الأوسط ليست أعقد من الحروب العالمية، التي حلها الحوار المباشر، وقناعة كل دولة بمساحتها وحجمها، وجار صديق خير من ألف جار عدو، ولا تدقوا طبول الحرب، لأن المفتاح في بغداد.

  كتب بتأريخ :  الأحد 29-09-2019     عدد القراء :  112       عدد التعليقات : 0