قراءة في رواية ( الذئاب على الابواب ) للكاتب أحمد خلف

تعتبر هذه الرواية نقلة نوعية في تطوير لغة السرد الروائي  , بتقنياتها المتعددة الاساليب في الحبكة الفنية الحديثة . وحتى التطوير في منصات الضمير المتكلم , الذي يجمع  صوت السارد والمسرود  وصوت الكاتب . اي هناك تداخل بين صوت بطل الرواية او الشخصية المحورية , وصوت الكاتب او  ( السارد العليم ) والمنولوج الداخلي في حواس المشاعر الداخلية  . هذا  التنوع بالصياغة التعبيرية وأدواتها السردية . وظفت في براعة متناهية  اسلوب التداعي الحر . الذي يسلط الضوء الكاشف على العالم الداخلي في الشخصية . هواجسه في التوجس في القلق الحياتي الذي يلفها بالخوف والرعب  , أو كشف كابوس  الحالة النفسية والسايكولوجيةلهواجس الذات  . في تدفق الاحداث الجارية وفي صراع الذات  ,  ان الرواية استخدمت , حركة استرجاع الماضي في خزين  شريط الذاكرة ( فلاش باك ) والنافذ التي  يطل من خلالها   على الواقع ومنصات تداعياته الجارية , اوفي  العالم المحيط به , يراقب ويرصد ويلاحظ تحولات الواقع والشارع . في مؤثراته , في صياغة الوضع العام القائم  للواقع . اي اننا بصدد الزخم في اعطى الوصف والتصوير العالم الداخلي والخارجي ,  بهذا الكم الهائل من الاحداث الجارية والمتلاحقة  ,  في اسلوب توظيف التداعي الحر الذي يكشف بانوراما الحياة والواقع  ,  فأن الفضاء الروائي اعتمد على ركيزتين .  بناء الديكور الداخلي للشخصية المحورية او بطل الرواية ( يوسف النجار ) , في كشف العوالم الداخلية , من خلال الاستبطان والاستنطاق والاستقراء والتحري الداخلي  . اوبالاختصار  بما في جعبته الداخلية . اما الديكور الخارجي هو العالم المحيط بالشخصية وبالواقع في مجرياته وتداعياته  . لذلك نجد التمازج والانسجام بين صوت الشخصية المحورية , وصوت السارد . وصوت الكاتب نفسه , الذي وضع بصماته بشكل واضح في المتن الروائي .  ونجد تحولات في الازمنة المتعددة في التنقل  , بين الماضي والحاضر , او بشكل ادق ما  قبل وبعد عام 2003 . لذلك الاحداث تلاحق الشخصية المحورية ( يوسف النجار ) حتى في منولوجه الذي يغطي حالته النفسية والسايكولوجية . من خلال تسليط الضوء الكاشف على طبيعة  النظام الشمولي , الذي يتميز بالعسف والاضطهاد والانتهاك . سواء قديما وحديثاً ,  والمرحلة ما بعد عام 2003 . التي تتميز في سمة الفوضى العارمة أو الخلاقة الى الاسوأ  , العابثة بالحياة , والتي تدفع او تصرع  الانسان الى مراتع  الخوف والقلق من المجهول القادم .  تجعل الانسان يعيش شرنقة كابوس المغلق بالقلق والخوف والتوجس والشكوك  . هذه افرازات النظام الشمولي بتعدد صياغته واسالبيه وسلوكه وممارساته . لكن تبقى السمة البارزة في هذه النظم الشمولية . هو الانتهاك والخوف والتوجس , وعدم الثقة في فزاعة الشكوك والظنون التي تولد الريبة , عالم قائم على الخوف والفزع  . هذه دلالات النص الروائي في رواية ( الذئاب على الابواب ) يعني الذئاب التي تترصد الابواب ,  تتحكم في مصير الانسان وتترقبه عند الابواب لتقوده الى المجهول .  ان الرؤية التعبيرية في المتن السردي . تدلل على محنة الانسان ومعاناته , هذا الترميز الدال . وفق هذا المنطق , فأن شخصية ( يوسف النجار ) هي شخصية كل مواطن عراقي ويمكن القول بأن ضمير المتكلم يمزج بين ( انا ونحن )   تحت قبضة النظام الشمولي .  فأن الشخصية المحورية او بطل الرواية , يحمل مظاهر عامة , كما  هي مظاهر ذاتية وخاصية , رغم ان الرواية تدور عن المحنة الحياتية لسيرة حياة ( يوسف النجار ) لكنها محنة حياتية عامة . من حيث الكابوس الحياتي العام , من حيث الاستلاب والانتهاك . من حيث زرع الخوف , من حيث وضع الانسان تحت مجهر المراقبة والترصد والملاحقة . من حيث الخوف من المجهول , يعني ان المحنة ذاتية  عامة , المتعددة الجوانب. بأن تكون الحياة رخيصة . وتعمق الحياة  الى الازمة الوجودية وخاصة , وخاصة  بعد عام 2003 . حيث كثرت الذئاب على الابواب , تعمقت المعاناة اكثر من السابق , دلفت الحياة الى شرنقة  شريعة الغابة  . ولكن لابد ان نسجل النقلة النوعية , او التحول النوعي في حياة بطل الرواية ( يوسف النجار ) هو استعداده الشجاع في تمزيق الكابوس  , في مواجهة الذئاب على الابوب بالعزيمة الشجاعة وبالتحدي  , ونزل من شقته , وهو في كامل الاستعد للمواجهة ( تيقن من وضع سلاحه تحت طيات ثيابه , قام بفحص السلاح الناري قبل الهبوط نحو الاسفل تأكد من وجود الاطلاقات داخل السبطانة , أعاد مسدسه الى وضعه , ورتب هندامه , أغلق الباب وراءه وهبط لملاقاة الرجلين , أستجابة لتحديهما العنيد ) ص327 .

×× أحداث المتن الروائي :

الشخصية المحورية ( يوسف النجار ) يعيش حياة صعبة وشاقة , بعدما نسف الارهابين بيته وقتلوا زوجته وابنته الوحيدة . فقد ظل منعزلاً يعاني سأم والحزن  الحياتي  بعد فقدان عائلته , ويعيش حالات الخوف والكابوس , بأنهم ارسلوا رسائل تهديدية ,  بأنه سيكون الضحية القادمة , او القتيل المنتظر  . ويحاول صديقه ان يواسيه ويشد من عزمه (  - لقد كشفوا عن انفسهم بالاعتداء على بيتك

- ولكن لا أظن أن لي أعداء يكرهونني الى درجة الانتقام من أسرتي ؟

- عليك بالصبر وألا تبدو أمامهم ضعيفاً خائر القوى , انهم ينتظرون تلك اللحظة التي تتهالك فيها الى الارض , كي يملأ الحبور صدورهم الخاوية . حذار . حذار من لحظة الانهيار تلك ) ص13 . هذه الديموقراطية الهوجاء والعرجاء التي بشر بها المحتل الامريكي في العراق  . حين جعلوا المواطن يبحث عن ملجأ من الرعب الحياتي, والعبث في الحياة , والخوف من القادم بالمعاناة والانتقام , وتصفية الحساب بالقتل والاختطاف . اصبح الواقع يعيش الارهاب والاجرام , في دولة الفوضى . كأن الحياة تعود الى الماضي البغيض , بعد فشل انتفاضة الشعب عام 1991 . , حيث اصبح الكل مطارد وملاحق بالسجن والتعذيب والاعدام . هكذا يطل من شريط خزين الذاكرة ( فلاش باك ) وهو يتطلع من خلال النافذة . تلك الحياة آنذاك , حياة البؤس والمعاناة , معاناة الحروب والارهاب والانتهاك والاهمال , فبعد تخرجه من الجامعة سيق الى  الجيش كضابط احتياط . وارسل الى جبهة منسية من الله والانسان  . لا احد يسأل ولا احد يزورهم . كأنهم في سجن اختياري , او في منفى  في ارض منسية . ولكن بعد انتهاء فترة التجنيد , كون حياته , رغم انه كانت لديه مغامرات جنسية مع الفتيات من خلال استوديو التصوير . . ولكن بعد الاحتلال تدهورت  الحياة الى الاسوأ , في تردي الى الفوضى . والحكومة والمسؤولين ليس عندهم حاسة الاصغاء  , لا يحركوا ساكناً , كأنهم ليس لهم علاقة في حماية الناس , وليس لهم علاقة بالفوضى الجارية , من القتل والاختطاف  أمام الموت المجاني  , امام القتل على الهوية , أمام السطو المسلح , امام الرعب في الشارع  . كل هذا والحكومة غافلة عما يحدث سوى انهم انفتحت شهيتهم على نهب المال العام ,  استولوا على المال ودمروا البلاد  ( - لا يمكن لهذا ان يحصل أمام انظار المسئولين في الدولة , ولا يردعهم الموت المجاني , الذي أكل الاخضر وألتهم اليابس ) ص30 . بأن الامور انفلتت عن السيطرة . الفقراء يموتون جوعاً ’ بينما الاغنياء واللصوص يعيشون في ثراء فاحش بالتخمة . اصبحت الحياة تليق بالحيوانات السائبة , وليس ان تليق بالبشر . و ( يوسف النجار ) يأكله القلق والخوف , من رسائل التهديد التي يرسلونها بالاقتناص من حياته بالقتل ( لن يطول اختفاؤك عنا , ايها الواشي الرخيص ) ص187 . ( لن تفلت من ايدينا , نحن اقرب اليك من حبل الوريد , أيها الماجن ) ص209 . ويتعرف على زميلته في الكلية ( عبير ) بعد حوالي ثلاثين عاما . فكان في البداية يتوجس منها ,  بالظنون والشكوك بأنها مرسلة منهم لتجسس عليه , او مدسوسة منهم , لكن بعد ذلك تبددت الشكوك حين عرف معاناتها الحياتية والعائلية , واقترب اليها في علاقته , ليبدد الوحشة والانطوى . في واقع لا يحمل الثقة والاطمئنان من الاخرين . في واقع تعيس في ظل الحاكم المدني ( بول بريمر ) والذين من جاءوا بعده في الحكم . فقد فككوا المؤسسات الدولة  وباعوها في المزاد العلني . واهملوا المواطن بالحرمان  , ان يصارع من اجل البقاء في كفاحه اليومي , في هوس الحياة العابثة . كأن الانسان يعيش وسط ذئاب كاسرة  لا ترحم , في هوس الشعارات المزيفة بأسم الدين والمذهب والشريعة . ويقودون الفقراء الى الجحيم , بأسم الفضيلة والايمان والتدين  . تزهق الارواح البريئة  في الاحتراب الطائفي , وتنزف الدماء . بأسم الدين يشرع السحت الحرام والفرهدة والقتل على الهوية والاسم . لذلك يحير الانسان في وصف هؤلاء الشراذم التي تعصف في البلاد بهذا العبث الكبير ,  من اي صنف سياسي ينتمون ( لذلك يحير الانسان في تسمية أهل هم سياسيون . أم عصابات , أم مليشيات خارجة عن القانون . تعاديك لاسباب غامضة , لانك لا تستطيع الوصول أليهم , لتفهم منهم اسباب العداء ) ص156 . . ولكن يعرف الانسان أنه مطارد ومطلوب رأسه كحالة ( يوسف النجار ) الذي يرى الحياة عبارة عن كابوس , لذلك يشعر بالقلق من حياته وهو مطلوب منهم . ولا يعرف من هم , واي صنف وجماعات هم  , هل هم حقيقة بشر  أم وهميين . في هذه الغابة  , التي تعج بالذئاب بمختلف الاصناف والاشكال . هذه الحياة المزرية بالتدهور الى قاع الانحدار , اينما تذهب تشم رائحة الموت بالقتل اليومي العشوائي ( وطالت التفجيرات , أماكن لم يتوقعها يوسف أو سواه . فجروا المقاهي ودور السكن والاسواق , وبدأت مسيرة القتل على الهوية , وفرز الطائفة والدين والمذهب من خلال تحليل الاسم واسم الاب والجد ) ص233 . . والكل يتساءل الى اين المطاف في هذه المحنة الحياتية وما هي النهاية ؟ . الى متى تظل الناس تعيش الرعب الحياتي في واقعها اليوم  ؟ والنخبة السياسية الحاكمة ,  يبعون الوطن الى دول الجوار . انه زمن اللصوص التي تنهب  كل شيء من خيرات واموال البلاد  . ولكن حين يتكلم المواطن عن معاناته  ويرفع صوته , يأتيه كاتم الصوت ليخرسه الى الابد  , في سبيل تكميم الافواه بالارهاب الدموي , ومحروم عليهم النطق بعذاباتهم ومحنتهم. انهم يرريدون الانسان مسلوب الارادة ,  كالخرفان التي تقاد الى مسلخ الذبح . بهذا الاختناق يشعر ( يوسف النجار ) هكذا قتلوا واغتالوا المثقفين والمفكرين  البلاد الوطنيين , الذين رفضوا  الواقع المأزوم , هكذا كان مقتل  ( هادي الهادي , واغتيال كامل شياع واخرين غيرهما  لم اتذكر  , منْ يصدق أن المدينة أستجابت الى خرائب وفضلات تهيم فيها الحشرات والدواب ويختفي فيها اللصوص وقطاع الطرق في الليل ) ص272  . انه زمن اللصوص والقتلة  , ان تصبح الحياة لعبة الحظ والقدر . هؤلاء الذين يحكمون الوطن جاءوا من اجل كعكة الوطن وتقاسم الفرهود . لا يعنيهم من الوطن شيئاً . واصبح الانسان سلعة زهيدة , ازاء هذا الاختناق مزق ( يوسف النجار ) الكابوس القلق والخوف , واستعد للمنازلة في مجابهة الذئاب على الابواب .

× الكتاب : رواية الذئاب على الابواب

× المؤلف : أحمد خلف

× الطبعة الاولى  : عام 2018

× الناشر ؛ دار النخبة 6 شارع رجاء الرسول من شارع وادي النيل / القاهرة

× عدد الصفحات : 328 صفحة

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الإثنين 14-10-2019     عدد القراء :  96       عدد التعليقات : 0