المسالة القومية بين التضخم والتراجع

تنوعت المجاميع البشرية وتباينت ثقافاتها وتقاليدها وتجارب حياتها ومظاهرها الخارجية ولغاتها وعقاءدها بعد ان تعرضت لظروف مناخية ومعيشية مختلفة وعاشت أحداثا وتأثرت بهجمات وغزوات الغرباء أو اثرت هي عليهم. من البديهي ان يميل الإنسان إلى التقارب والتعاطف والاحتماء بمن يعتبرهم قريبين من مشاعره واحاسيسه ومفاهيمه ويشاركونه وسيلة التخاطب وخزين العقل والصفات الجسمية الظاهرة. وهكذا تشكلت وحدات قومية سواء كانت كبيرة أم صغيرة. يتضامن ويتكاتف هؤلاء لحماية الذات وصيانة المصلحة الجماعية ومجابهة التحديات.

اتخذت الأقوام عناوين أو تسميات لها من اسم زعيم منتصر أو رمز أو حدث تاريخي أو معلم جغرافي أو امر طارىء. مثلا اتخذ الآشوريون تسميتهم من ملكهم أشور واتخذ الرومان اسم آللاتين أولا من كلمة اطلقها الاغريق على منطقة قريبة من رومة ثم سميوا رومان تشريفا لملكهم روميروس. دعي الأتراك هكذا تخليدا لقاءدهم توروك. كندا وكنديون كانت جواب احد السكان الأصليين ردا على سؤال عسكري فرنسي وآجاب كانادا أي هناك بلغة الهنود الحمر. في بعض الحالات أعطيت تسمية للقوم من طرف خارجي. سكان قارة امريكا الأصليين لم يسموا أنفسهم هنود حمر بل اطلقها عليهم المستكشفون أو المستوطنون الأوربيون. القيصر الروماني يوليوس سمى الأقوام على حدود إمبراطوريته بالجيرمان أي مثيري المشاكل بلهجته العامية واستمرت التسمية طبيعية لهذا اليوم. يقول بعض علماء التاريخ واللغة بان اقوام بلاد ما بين النهرين اطلقوا على الأقوام غربهم تسمية معرواي أي غربيين بالآرامية وبمرور الزمن تحورت الكلمة الي عرباي أي العرب. ليس في كل هذه التسميات نقيصة أو إساءة.

مفردة القومية وبالاانكليزية ناشينالتي مشتقة من للاتينية ناتوس التي تعني محل الولادة أي انها تشير إلى البشر الذين يولدون في وطن تقرره عوامل الجغرافية والتاريخ والاقتصاد والمصلحة والمشاعر الجمعية.

تاريخيا لم يحتفظ أي قوم بحجم أو حالة ثابتة بل تغيرت وتضخم القوم أو تهجن أو تضاءل لأسباب عدة منها الحروب التي أدت إلى الصهر والانصهار والإلحاق والالتحاق وبروز هوية قومية واختفاء أخرى. ينبغي الا يغيب عن بالنا بان عملية زحف الاقوام التي حصلت لأسباب وعوامل كثيرة خلقت وفرضت واقعا قوميا مختلفا وأدت إلى تضخم قوم وتقزم اخر. كل انتفاخ أو تضخم قوم يكون في معظم الحالات على حساب صهر أو إلحاق اقوام مندحرة تفقد مرجعيتها السياسية واللغوية وثقلها السكاني وتتحول حقيقة الانتماء القًومي الأصلي إلى مشاعر وحنين وممارسة بعض خصاءصهم وفنونهم الشعبية وربما التحدث بلغتهم بانغلاق ووجل. بالإضافة لذلك توظف الإمكانات الفكرية والمادية للقوم المتراجع لصالح المنتصر والناهض. يقدم لنا التاريخ الصادق أمثلة على تضخم اقوام اثر ابتلاع اقوام أخرى. انتفخ قوم العرب مثلا على حساب اقوام بلاد ما بين النهرين وانتفخ قوم الترك نتيجة انصهار العديد من مكونات الانضًول واسيا الصغرى والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.

قد توفر الظروف المحلية والدولية والحالة الجغرافية والثقل السكاني الفرصة لقوم متراجع إلى النهوض والتطلع لتأكيد ذاته وإيجاد مرجعية سياسية وثقافية وتعليمية ولغوية رسمية خاصة به. في حالات أخرى قد لا يكون أمام القوم المتراجع أية فرصة للنهوض والازدهار بسبب أمور تتعلق بالقوم نفسه أو خارجة عن ارادته. لذلك تتحول قضيته إلى استءناس تاريخي والحنين إلى الماضي والفخر والاعتزاز بأمجاده.

من حق أي مكون اجتماعي ان يرفض الظلم وتقليل الشأن وعدم المساوات ولكن شحن النفوس والعقول بمشاريع وطرح تطلعات قومية لا تحتمل التحقيق امر غير مثمر. التطلعات القومية لا تتحق بوضع الأمور باكبر من حجمها ولا باستخدام الديماغوجية والاستناد إلى معطيات التاريخ بل بتوفر مقومات النجاح. هل تتوفر الفرصة أمام قوم يتقلص عدده بسبب الهجرة المستمرة وتتقطع جغرافيته ويفتقد وحدة الكلمة والاتفاق على تسمية مقبولة للجميع؟ لندع مثل هذا القوم يمجد تاريخه ويعتز بما انجزه الأجداد في عصرهم الذهبي ولندعه يحتفل بمناسباته الدينية والدنيوية الخاصة ويمارس فنونه الشعبية ويتحدث بلغته وان كانت لا تفي بالغرض آل بعد ترقيعها بلغة الأكثرية. لندع هذا القوم يخلد ذكرى رموزه الأولين العظام ويوفي فضلهم عليه باداء الزيارات للمتاحف الوطنية والعالمية التي تعرض آثارهم وتروي قصصهم.

نجيب اسطيفانا

  كتب بتأريخ :  السبت 19-10-2019     عدد القراء :  1096       عدد التعليقات : 0