ألمشورة والإستشارة في قرار ظهورغبطة البطريرك مع التظاهرات الشبابية

أعترف بأني مع الإيمان بالرغم من الشكوك التي تراودني بين فترة وأخرى, ومن حسن الحظ انني لا أستسلم للشكوك بل أبحث من خلالها عن الحقيقة التي تجعل كفة الإيمان عندي هي الراجحة وخاصة عندما أرى الشمس ساكنة في موقعها لا تقترب مني ليذيبني شعاع حرارتها ولا تبتعد عني فأجمد من فقدان دفئها. إذن, من خلال هذه الملاحظة الحياتية أقر بلا تردد بأنه لا بد وأن يكون هنالك مصمم يتحكم بتوازن هذا الكون اللامحدود للمحافظة على الكائنات من الزوال ويبعد العالم عن الفناء. كما أعترف بأني لست من المتعمقين في التدين, وأن معلوماتي اللاهوتية متواضعة. لكن رغم ذلك أرى نفسي, في أغلب الأحيان, ميالاً لسماع ومطالعة ما جاء في الكتاب المقدس من نصوص, وتستهويني أكثر قراءة سيرة القديسين والرسل التي أقف مبهوراً أمام سعة عطائهم وعظمة تضحياتهم من ناحية, ومحبطاً لما آلت إليه الفضائل المسيحية والخصال الإنسانية عموماً من ناحية اخرى.

من خلال ما ذكرته يتراءى لي من وجهة نظري الشخصية بأن الإيمان المسيحي وبالذات الكاثوليكي منه يتوسط مثلثاً متساوي الأضلاع قاعدته التطويبات كما جاءت في موعظة المسيح على الجبل (متى 5: 1-12), ويتمثل أحد أضلاعه الجانبية بمواهب الروح القدس كما ذُكرت في كتاب أشعيا النبي (2:3-11), وعلى الضلع الجانبي الآخر تستقر ثمار الروح القدس بحسب الرسول بولس (غلاطية 22:5). وتقف وصايا الله العشرة على الزاوية العليا للمثلث, وترتكز إحدى الزاويتين لقاعدة المثلث على قيامة المسيح, والأخرى على بتولية مريم العذراء. هل هنالك أعظم من هذا المثلث الإيماني؟ وكيف يا ترى سيكون موقع الفرد تجاه خالقه من جهة وأمام مجتمعه ومع نفسه من جهة أخرى لو التزم بحيثيات ومعاني مثل هذا المخطط ؟

سوف أسمح لنفسي, بعد هذا العرض التمهيدي, أن أناقش بنظرة محايدة وإسلوب مجرد مبادرة غبطة البطريرك الكاردينال الكلي الطوبى لويس ساكو وظهوره الفعلي سواء خلال زيارته لجرحى المظاهرات أو مشاركته السلمية مع حشد المتظاهرين والفرحة تغمر وجهه الباسم حسب اللقطات المنشورة في الإعلام.

تستوجب المناقشة تحديد معنى "المشورة" التي هي واحدة من مواهب الروح القدس  التي أوردها النبي أشعيا. لا يسعني إلا أن أعبر عن امتناني لمجلة نجم المشرق (تحديث 2 تموز 2014) التي تناولت موهبة المشورة كما يلي:

موهبـة المشورة : من خلال هذه الموهبة يلهمنا الروح القدس ما الذي يجب قوله وما الذي يجب السـكوت عنه، ما الذي يجب علينا فعله وكيف يجب علينا القيام بـه، ما الذي يجب علينـا اختياره وما الأمر الذي يجب علينا التخلّي عنه، ليس نظريًا ولكن في الأوضاع الواقعية والعملية في الحياة.

تحفزنا الهامـات الروح القدس باسلوب هـادئ وبدون عنف لنقوم بالأعمـال الصـالحة ؛ وطالما نستسلم لإلهامـات الله ونطيع توجيهـاته الحكيمة سوف نرى الحقائق بوضوح ونشعر بالراحة والطمأنينة.

من حسن حظي بأن راعي الكنيسة قد تناول في الإسبوع الماضي شرح موهبة المشورة بإسهاب خلال ساعة دراسة الإنجيل الإسبوعية التي أحضرها شخصياً بانتظام قدر الإمكان. ما استنبطته من تطرقه بأن موهبة المشورة تحل من الروح القدس على من يطلبها خلال صلاته العميقة داخل الكنيسة, وبذلك تقوده للمضي كما جاء في مقال مجلة نجم المشرق أعلاه.

لا أشك إطلاقاً بأن غبطة البطريرك قد انفرد في صلاته كي يلهمه الروح القدس ليقول غبطته أو يفعل ما هو مناسب وصحيح... بصراحة أتردد كثيراً في الإقتناع بهذا الرأي وذلك من خلال مطالعتي لتاريخ الكنيسة وما أفرزته من شرور ودمار وإبادة خلال الألفين سنة من الزمان, وكم من المرات تبوأ على قمة الهرم الكنسي العام او الخاص ولحد اليوم من هو الشيطان بسلوكه وربما أسوأ. لذلك أشعر بأن الروح القدس قد أنهى مهامه بعد أن حل على التلاميذ والرسل في يوم العنصرة, وأشك كثيراً إن يكن قد حل على أي من رعاتنا الأجلاء مهما كان الظرف والمكان مع خالص احترامي وتقديري لهم جميعاً. كما أن المعلومات الواردة في الكتاب المقدس تشير بأن الروح القدس يحل بهيئة رمز معين, فاحياناً كالحمامة, وأخرى كألسنة من نار ولهب, وربما هنالك المزيد. لم تسجل أية حالة في عصر ما بعد التلاميذ والرسل أن ادعى احدٌ أن الروح القدس قد حل كرمز ما كالسابق سواء عند اختيار البابوات أو انتخاب البطاركة أو الترشيح للمطرانية والأمثلة تطول. كل ما يقال هذه الايام عن حلول الروح القدس مجرد شعور إيماني يفتقد حتى إلى الدليل الرمزي الذي عاصر أيام المسيح وعهد الرسل... ولا يمكن أن أتهم الروح القدس بما حصل سابقاً وما يحصل حالياً من سلوكيات أبعد ما تكون عن المثلث الإيماني أعلاه. فهل يعقل أن يزرع الروح القدس بحلوله ما يفعله الشيطان لإغواء بني البشر بمكره ودهائه ؟ أجيبوني...

يتبادر الآن السؤال التالي: هل انفرد غبطة البطريرك بقراره أم استأنس برأي أو أكثر؟ لا يختلف إثنان من العقلاء بأن ما يصدر عن غبطته ينعكس سلباً أو إيجاباً على مجموع رعيته خصوصاً وعلى المسيحيين في العراق عموماً. من لا يتذكر كيف أن ما قاله البابا المستقيل بنديكتوس السادس عشر عن انتشار الإسلام رغم واقع الحال إلا أن تأثيراته الجانبية طالت الكثيرين فأعقب التصريح تفسير. إذن ما يقوله أو يفعله غبطة البطريرك حتماً له أبعاد قد تصيب وقد تخطئ... هنالك حقيقة لا بد من الإقرار بها والتي تشير إلى كون العقلين أفضل من عقل واحد والثلاث أفضل من الإثنين وهكذا. هذا يعني أن الإستشارة سمة تقود بصاحبها في أغلب الأحيان إلى بر الأمان.  فهل أخذ غبطته بمبدأ الإستشارة أم لا؟...إن لم يستشر أياً من الرعاة فذلك يعني الإنفراد بالقرار وافتقاد غبطته ,حاشاه, لروح العمل الجماعي بالرغم من أن التأييد قد لا يكون عن قناعة لأسباب ودوافع متعددة, ونادراً أن يكون هنالك من تتوفر عنده الشجاعة لمناقشة ما قد لا يروق لغبطته. هذه من ناحية الإكليروس. أما من ناحية العلمانيين فإن أحجم غبطته عن استشارة أحدهم فذلك يدل دلالة لا تقبل الجدل بأن الحديث والتشبث بدور العلمانيين داخل الكنيسة ما هو إلى بدعة استهلاكية ليست إلا, وكذلك وجود ما يسمى بالهيئة أو اللجنة الإستشارية ما هو إلا حبر على ورق وأعضاؤها, مع الإعتذار, لا بالعير ولا بالنفير كما يقال... هذا من جانب. أما من الجانب الآخر, أي في حالة استشارة غبطته, فعندها كما أسلفت قد تكون مجاملة من قبل الإكليروس لا يمكن الإعتداد بها. لكن, ربما استشار غبطته مَنْ مِنْ خارج الإكليروس, هنا أتساءل من صاحب الحظ السعيد الذي لاقى هذا التكريم. إن كان من السياسيين الحاليين, فما عليّ إلا أن أندب حظ المسيحيين على مثل هذه الإستشارة. لماذا؟ ألجواب بسيط. لأنهم من نفس الطينة التي أججت المظاهرات الشبابية ولو كانت لأي منهم  ذرة من الإحساس لترك الكرسي ليقضي بقية عمره يكفر عن مدى الأذى الذي ألحقه بالشعب العراقي عموماً وبالمسيحيين خصوصاً. أما إن كان العلماني من غير السياسيين, عندها لا بد من إجراء حساب دقيق لردود الأفعال الإيجابية منها والسلبية كي يستند قرار المشاركة أو عدمه على الكفة الراجحة.

خلاصة القول أن جواب فردية اتخاذ قرار المشاركة من عدمه يكمن عند غبطته لا غيره. ومهما كان فإن الذي يتحمل مسؤولية تبعات المشاركة مستقبلاً سواء بالصالح أو الطالح على أبناء الرعية المساكين هو غبطته حصراً.

وأخيراً لا آخراً, لا بد لي أن أعبر عن رأيي حول الموضوع كفرد من رعية غبطته والذي لا علاقة له بموقفي من المظاهرات الشبابية بل يقتصر فقط على مشاركة غبطة البطريرك بشكل أو بآخر مع التظاهرات في البلد الجريح, ألا وهو: من الضروري جداً أن لا ينفرد غبطته باتخاذ مثل هذه القرارات الجسيمة التي هي كسيف ذي حدين, بل أن يستشير أكبر عدد ممكن من الإكليروس بالإضافة إلى البعض من العلمانيين من ذوي الخبرة والحصافة في الرأي ومن الذين يتمتعون ببعد النظر والتقييم الدقيق لكافة النتائج المحتملة.

أبشع خطأ يقع فيه الطبيب عندما يعتقد أن تشخيصه للمرض لا يقبل احتمال ثانٍ... واللبيب   من الإشارة يفهم.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 12-11-2019     عدد القراء :  320       عدد التعليقات : 1

 
   
 

صباح قيّا

للتصحيح فقط
أبشع خطأ يقع فيه الطبيب عندما يعتقد أن تشخيصه للمرض لا يقبل احتمالاً ثانياً