في الذكرى الأربعين لرحيل والدي سليمان حنا برنو بعيداً عن جفون الوطن

لقد رحلت يا أبي بتاريخ  25 أكتوبر 2019 ولكني حسبتك راحلاً يوم إقتلعوك من جذورك المعطرة بأريج تربة الوطن الأم ،هنا تكمن المأساة، ولكنها يقيناً ليست مأساتك وحدك، إنها مأساة و آلام شعب عريق منذ يوم سقوط الحضارة في بلاد النهرين.

الذي يعرفك يا أبي يعرف أن عالمك كان صغيراً جداً لا يتعدى حدود بلدة القوش العريقة، على ترابها أبصرت عيناك النور و فيها كانت فلاحتك، كنت تجوب أزقتها،  جبالها ، وهادها ،حقولها سيراً على الأقدام، هناك وجدت حياتك، و ليس عبر حدودها.

مرت الأيام والسنين بهدوء إلى أن حان وقت سوقكَ إلى المحاكم بسبب جور و تَنمّر شقيقيك عليك مستغلين طيبتك  بل ربما ضعفك بغاية الاستيلاء على الدار الذي أفنيت سنين عمرك لتكون فصلاً مهماً في تاريخ حياتكَ.

و من ثم  رحيل الوالدة و هنا بدأت مأساتك الشخصية، لقد رحلت عنك و عنا شمعة دارنا،  رحلت تلك المرأة المفعمة بالنشاط والمتميزة بفيض حنانها و حب الناس، جميع الناس، إذاك أصبحت وحيداً بلا شريك ولا أنيس، لقد فرغت الدار وأوصدت الأبواب وبقيت الزهور بلا ساقي ... ، ترى مَن يسقي الزهور سوى عطر حنانكِ يا أمي و مَن ذا الذي يُطعم العصافير سوى نفسكِ الكريمة وعشقكِ لكل شيء جميل  يا أمي!

لقد أجبرت على الرحيل يا أبي  إلى  شمال أمريكا حيث إستقر أبناءك العشرة، في أرض الشتات

أقول أنك أجبرت على الرحيل يوم طارت بك الطائرة بعكس الإتجاه لتحط في ما وراء البحار بعيداً و بعيداً جداً.

لقد غادرت الوطن وتركت الذكريات و فا رقت تلك الوجوه المألوفة ، وجوه أولئك الذين كنت تجلس معهم أمام عتبة دارك المطلة على طريق دير السيدة، أولئك الذين كانت عشرتهم تزيح بعضاً من همومك

أنا أعلم أن الغربة قد أدمعت مقلتاك و قضت على آمالك، أخفت بسمتك لأن التربة ليست تربتك، و لا الهواء فيه عطر نسمات بلدتك، أما مسألة تأقلمك ... فتلك غدت مسألة مستحيلة!

أنا أعلم أنه  ساءك  أن تستبدل شهد الحياة في بلدتك بعلقم الغربة . كما إنني أعلم بأنه قد تم الحكم عليك بالإقامة الجبرية !

فارقت بلدك، عالمك الذي لم تبصر عيناك عالماً سواه، فارقت أولئك الناس الطيبين، فارقت تلك الحقول المليئة بسنابل القمح وزنابق الحقل، فا رقت آلاف العصافير الجميلة الني طالما إحتضنتها بكل حبور شجرة السرو  الشامخة وسط فناء الدار منذ عشرات السنين.

لقد فاضت روحك وكلك أمل أن تطير روحك لترفرف فوق قبور الأقدمين في ثرى أرض الآباء و الأجداد ،هناك حيثما كان يُفترض أن يكون مثواك الأخير.a

ما أحزنني و حزّ في نفسي ، أن توارى في تربة غريبة بعيداً عن جفون الوطن.

إبنك :   جلال برنو

  كتب بتأريخ :  الأحد 24-11-2019     عدد القراء :  208       عدد التعليقات : 0