مواطنون .... لا ...... رعايا

ثمة تغيير بنيوي في العقل السياسي العراقي  أفرزته  التظاهرات الأخيرة  ، وكرسه الواقع في العقل الباطن  للانسان العراقي ، وهو الانتقال من مفهوم الرعية الى مفهوم المواطنة ،  فلأول مرة في التاريخ  يتمكن  العراقيون  من بلورة مفهوم سياسي  يتناسب مع حركة العالم المتحضر ، وينسجم مع مفهوم الديمقراطية الحقيقي، ويتجاوزوا عقدة  ثنائية الحاكم والمحكوم ، و عقدة السيد والعبد  الى ثنائية الوطن والمواطن .

فلا خطوط حمراء ولا تيجان رأس ولا شيخ ولا سيد ولا حجِّي ، كل هذه الالقاب والمصطلحات ستوضع في متاحف التاريخ لتشهد على حقبة زمنية انتهت صلاحيتها.

رفعوا شعار نريد وطن  أي نريد ان نكون مواطني ن  لا رعايا للطائفة او الدين او القومية ، فنحن لسنا سوى مواطنون عراقيون نلتقي على ارضية الوطن ، تتعدد مشاربنا طوائفنا قومياتنا ولكننا نلتقي  على بساطٍ واحد هو العراق .

ادركوا انهم مواطنون،  مختلفون عن كل الاجيال التي سبقتهم ، اختلفوا عن آبائهم وأجدادهم ، فقد انتهت فلسفة القطيع الذي يحتاج الى راعي يسيّره ، وبدأت حقبة الوطن الذي يحتاج الى القانون ولـ أبنائه الشخوص  المتساوون بالمواطنة الذين يعترضون على الباطل ويرفضون الذل ،  جميعهم مواطنون من الدرجة الاولى ، هم ملك الوطن وحده ، الخاضعون للقانون السيد ، الموالون لمرجعية الوطن ،  بدا ذلك واضحاً عندما رفضوا الجميع وبنفس الحجم والقوة ، رفضوا ايران كما رفضوا امريكا والسعودية ، ورفضوا عادل عبد المهدي  مثلما رفضوا الصدر والبارزاني  والنجيفي ، رفضوا الراعي كما رفضوا

الرعية  . اختطوا لأنفسهم مساراً جديداً ،يكونوا فيه مساهمين في سلطة السيادة،  بل هم سلطة السيادة  في رأي مونسيكيو  ، فهم جزءٌ أساسي وليس هامشي من هذا الوطن .  يقول

جان جاك روسو :  (( المواطنة  تعني المساهمة في سلطة السيادة )). وهذا يعني انهم مواطنون  يمتلكون رسم مستقبلهم ويقررون  مصيرهم.

المواطن له حقوق وواجبات،   هذه الجملة بمثابة مثل شعبي يتداوله الناس ،  فهي تختصر  فكرة المواطنة التي ساهمت في تطور المجتمع الإنساني على الصعيد الاجتماعي والقانوني والسياسي، وصولًا إلى الرقي بالدولة إلى مستوياتٍ رفيعة.

لقد ظهر مصطلح المواطنة للسطح على أنقاض الإمبراطوريات التي كانت تنصهر فيها النفوس البشرية كقطيع  باسم الرعية، رعيةٌ لا مشاركة لها في الحكم، ولا ضمان دستوري في الحقوق والواجبات، ولا اعتبار لرأيها أو توجهها.

ان نظام المواطنة لا يعترف بدولة الراعي الذي يهب ويمنع ويتفضل  ، بل هو نظام المؤسسات ، فالمواطن لا يقف امام بيت الراعي لـ يطلب منه  الوظيفة او السكن او التعليم . بل يأخذ حقه  بما يبيح له القانون وبعنفوان وكرامة .

ان نظام الرعية يسلب الكرامة والعزة من الانسان ويحوله  الى متسكع امام أبواب المسؤولين ، او ماشياً في الطرقات يسأل عن الواسطة  والسمسار  لإيجاد فرصة عمل كي يبقى على قيد الحياة  هو وعائلته  .

الموظف في دولة الرعية يُشبِع الناس ذلاً ومهانة  من اجل إكمال معاملاتهم  ولديه القدرة على عرقلة حياة الناس ،لكنه في دولة المواطن هو موظف يتقاضى راتبه من خزينة الوطن لا خزينة الراعي لا يتمكن ان يفرض الاتاوات او المزاجية على الناس  .

ان بسط ثقافة المواطنة تعني التمييز  والفصل بين العام والخاص ، بين مال الدولة ومال المسؤول ، بين الاستهتار والمسائلة ،  بين الحرية والانفلات ، بين الكرامة والقهر.

لقد ولى زمن الراعي والرعية ، فكل  الشعارات التي رفعت  والتي اختزنها العقل الباطن او اللاشعور للمتظاهرين  كـ (( نازل اخذ حقي ، نريد وطن ،  تشير الى ولادة وطن كامل الملامح  معافى من الأمراض .

ان مفهوم دولة الراعي والرعية يعني دولة الطغاة  والظلمة وحكام الغلبة والاستبداد والمحسوبيات دولة سلطة العوائل ، والشيوخ والمشايخ والإقطاعيات والبرجوازيات السياسية  .

ان ما تبحث عنه الشعوب اليوم  في ثوراتها بالعراق ولبنان والجزائر وتونس  هو العدالة والمساواة والمواطنة التي تضمن الحقوق بقوة القانون، فلا تفضيل ولا فضل لمواطن على مواطن إلا بالكفاءة  والإبداع.

فهم مواطنون بلا حدود بينهم مواطنون  لا   رعايا

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 26-11-2019     عدد القراء :  56       عدد التعليقات : 0