شذرات من ذاكرة الإحتلال الامريكي

لا أعلم من أين جاءت الإشاعة التي انتشرت بين المتعلمين وغير المتعلمين على السواء بأن

أهالي العراق سيغطون في سبات عميق نتيجة القنابل الأمريكية التي ستسقط على العراق استعداداً لإحتلاله والسيطرة عليه. بل ذهب البعض أبعد من ذلك بأن معظم العراقيين سيحصدهم الموت نتيجة الضربات الامريكية. وبالفعل جاء البعض  من طلبة كلية طب بغداد , حيث كنت ضمن الهيئة التدريسية آنذاك,  ليلقي عليّ كلمات الوداع لاقتناعه بأننا سوف لن نلتقي بعد. وبصراحة كنت أستقبل كلماته بابتسامة يُفهم منها عدم قناعتي بما يعتقد.

ألمهم وقعت الحرب وحصل الذي حصل. شاهدت بأم عيني امتعاضاً ومعارضة من ناحية, واستقبالاً وزغردات من ناحية اخرى.

هنالك الكثير من المناظر المؤلمة التي افرزها الإحتلال الامريكي شاهدتها بنفسي . أذكر منها مشاهدتي لمواكب المدرعات تجوب محلات بغداد  برفقة ضباط من دول الخليج يوجهون تعليماتهم بصيغة الامر إلى الأهالي باللغة العربية ذات اللكنة الخليجية.... مجاميع السلب والنهب تجوب شارع فلسطين جيئة وذهابا بين السوق المركزي ومدينة الثورة, وقد أخبرني أحد معارفي من هناك بأن "السيد" أوعز بجلب خُمس المسروقات إلى الجامع كي تصبح السرقة حلالاً ...يا سلام على هذا الحلال... ما أحزنني اكثر عند عودتي بعد بضعة أيام للدوام في الكلية إيقاف سيارتي بالقرب من مدينة الطب من قبل عسكري من الحلفاء يرافقه أحد أطباء المدينة الشباب الذي همس بإذن العسكري فتركني أكمل السياقة إلى موقف سيارات المدينة.  ورغم ذلك تملكني إحساس أليم وشعور عميق عن مدى الإساءة التي تعرضت لها في بلدي من قبل غريب دخيل مدجج بالسلاح يستوقفني ويستوقف هذا وذاك من المواطنين ... إنها حقاً مرارة الإحتلال الذي لا يطاق... وزاد حزني عند مشاهدتي كافة الأوراق والسجلات والأضابير وكل ما يخص عمادة الكلية وإدارتها مبعثرة على الأرض, وقد عثرت من خلال تجوالي بين تلك الأكوام الورقية والكارتونية على ختم عمادة الكلية الذي سلمته بفرح يشوبه الاسى إلى إدارة الكلية.

نصب أحدهم بعد الإحتلال من نفسه محافظاً للعاصمة بغداد أو القائم بأعماله. أعلن عن توفر فرص مغرية للعمل. إتخذ من أحد الفنادق المعروفة مقراً له. تقدم المئات بل الألوف من الذين أفقرتهم سنوات الحصار العجاف للتقديم علماُ أن كلفة استمارة التقديم  مائة دولار للشخص الواحد على ما أتذكر. إستمر الحال على هذا المنوال لأيام عديدة جمع " الدعي" ما خطط له واختفى عن الأنظار مع الإستمارات والدولارات وخاب ظن المساكين من سليمي النيات... ورد إسم هذا الدجال ضمن قائمة المليارديرية التي نُشرت مؤخراً... فأهلاً بالإنتفاضة على الفاسدين.

كنت ممثلَ الطبابة العسكرية في لجنة إستيراد الاجهزة والأدوات الطبية لأمراض القلب التي مقرها في وزارة الصحة, واستمرت عضويتي في اللجنة بعد نفل خدماتي إلى وزارة التعليم العالي, وحتى بعد دخول الحلفاء. قدّمت إلينا عروض لإستيراد أجهزة قياس ضغط الدم. جاءنا إيعاز بأن الأمريكي الذي يقوم بمهام وزير الصحة آنذاك يطلب من اللجنة اختيار الآلات الهوائية للقياس فقط  ويرفض الزئبقية. لم يرق للجنة وأنا أحدهم مثل هذا الأمر.  تم مناصفة العرض بين الهوائية والزئبقية. طلب "الوزير الأمريكي" مقابلتنا. أصر على رأيه وفعلنا نفس الشئ بالمفابل. أخبرنا أنه لن يصادق على قرارنا إطلاقاً, وأخبرناه وجهاً لوجه بأننا لن نغير ما اتفقنا عليه. كان لكل طرف وجهة نظره ولم يستطع أي طرف إقناع الآخر. علمت بعدها من المسؤولين العراقيين في الوزارة بأن " الوزير الأمريكي" نفذ ما اراد... بصراحة, لم يصادفني مثل هذا الإجراء التعسفي لا من قبل وزراء الصحة العراقيين ولا من أي من المدراء  طيلة السنوات الطويلة التي عملت فيها في اللجنة المذكورة... إذن من يحكم حالياً لا بد وأن كان بيدق شطرنج تحركه الإدارة الأمريكية التي سلمت البلد بعد فترة وجيزة لمعممي إيران يفعلون به ما يحلو لهم... فما احلاك أيتها الإنتفاضة على العملاء الفاسدين.

شاءت الصدف أن أتجاوز عن غير قصد عجلة عسكرية خلال قيادة عجلتي برفقة عائلتي في منطقة ضباط "زيونة". شعرت فجأة بأن عجلتي تُسيّرها عجلة أخرى والمارة ينادون عليَّ: (دير بالك, إنتبه, إطلع من الطريق, سيارة أمريكية وراك). إستدرت بسرعة  نحو الرصيف وتابع الأمريكي طريقه بجنون. أنزلت عائلتي على الرصيف ولحقت العجلة الأخرى حيث أحسست بحدسي العسكري المتراكم من الخبرة بأنه سيتوجه نحو مقر وحدته العسكرية, وهذا ما حصل بالفعل. وما أن شاهدني داخل وحدته حتى جاء نحوي يصرخ  بوجهي بعصبية قائلاً بالأمريكية: ألا ترى سيارة عسكرية أمريكية أمامك؟ كيف تتجرأن تتجاوزها؟. أهملته وتوجهت إلى ضابط يبدو عليه الهدوء فسألني عن الأمر. شرحت له ما حدث وقلت له بالحرف الواحد: لقد استقبلكم العراقيون بالورود, ولكن لو تستمرون بهذا الاسلوب عندها سيودعكم العراقيون بالقشور. إعتذر مني وأعطاني ورقة كتب عليها ما يدل على تصليح الضرر الذي لحق بالعجلة على حسابهم وفي أحد الورش المعتمدة من قبلهم... قد يصدق القارئ الكريم أو لا يصدق بأنني لم أذهب إلى الورشة وأبقيت سيارتي كما هي, وتم بيعها مع "الدعمة". سألني زملائي في القسم عن سبب عدم تصليحها على حساب الامريكان وهذ حق من حقوقي؟ أجبتهم سأبقيها وصمة عار بجبين المحتلين ... فتباً للإحتلال مهما كان وأياً كان.

تم اختياري في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الطبي الأول الذي انعقد في قصر المؤتمرات ببغداد برعاية الأمريكي القائم بأعمال وزير الصحة. لم أحضر الإجتماع الاول ولا الثاني. إتصل بي أحد الزملاء المخولين مستفسراً. أخبرته انني مشغول وليس لي وقت. بالطبع هذه كانت مجرد حجة حيث لم أحضر أي من جلسات المؤتمر ولم أشارك لا كمستمع ولا كمساهم. إستغرب زملائي في الكلية عن ذلك وأنا المعروف بينهم بمشاركاتي المنتظمة لا كمستمع فحسب بل كباحث في معظم الاحيان. أخبرتهم أن هذا المؤتمر واجهة من واجهات الإحتلال وينعقد تحت مظلته ويكرس وجوده لذلك لا ارى نفسي جزءً منه... غادرت الوطن إلى المملكة المتحدة. إتصلت بي إحدى الزميلات التي كانت معي في القسم قائلة: نتذكر موقفك من تصليح العجلة وموقفك من المؤتمر دائماً ونقول (كيف أن صباح المسيحي فهم الفلم فقاطع المؤتمر ونحن هرولنا بدون عقل نحوه واكتشفنا غايته بعد فوات الأوان), علماً أن زميلتي من المذهب السني وكان الحديث يدور بين الزملاء السنة... فأهلاً بالإنتفاضة على الطائفية.

ما قيل أعلاه غيض من فيض, ولا يمكن تغطية كافة الوقائع بمقال .

لا بد من الغشارة أن ما بدأ في الأول من تشرين الأول هو امتداد لما كان المفروض به أن يحصل بعد سيطرة الحلفاء وبالذات أمريكا على دفة الامور في أرض الرافدين. ألذي أقصده هو أن إرساء أسس الديمقراطية وترسيخ مبدأ العدالة بين أبناء الوطن الواحد وبناء عراق نموذجي تحتذي به دول المنطقة جميعاً ويتباهى به الامريكان على مر الأزمنة, كان لا بد أن يحصل في البدء, ولكن تم إرجاءه لغاية بل غايات متعددة... لقد تعمد الامريكان تدمير العراق وإيصاله إلى أدنى مستوى من الفقر وانعدام الأمان وتهجير النخبة المتميزة من أصحاب العقول في شتى مجالات الحياة. لقد شعرت أمريكا اليوم بأن العجينة قد اختمرت وأن أوان التغيير وتحقيق ما كان معداً سابقاً... يتبع

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 26-11-2019     عدد القراء :  224       عدد التعليقات : 1

 
   
 

صباح قيّا

أعزائي القراء
للتنويه فقط:
إحدى الورش بدلاً من أحد الورش
لا بد من الإشارة بدلاً من لا بد من الغشارة
ألمعذرة عن السهو غير المقصود
تحياتي