شذرات من ذاكرة الإحتلال الامريكي – ألجزء الثاني

يتذكر الكثيرون وعود الرئيس الأمريكي قبل الإحتلال بانه سيصدر الديمقراطية إلى أرض الرافدين, وسيتمتع أهاليها بنعيم الحرية بعد حرمان طويل...ربما كان الشعب في ذلك الحين مؤهلاً لتقبل النظام العلماني على الطراز الغربي, وإن لم يكن من قبل الاغلبية فلا شك أن هنالك شريحة واسعة كانت تحبذ هذا الإتجاه.

جمعني نقاش مع عدد من الزملاء بينهم الشيعي والسني. قال احد الشيعة بأنهم لا يمانعون بأي عراقي يحكم العراق حتى لو كان مسيحياً بشرط أن يكون عادلاً. إذن العدالة شرط أساسي للحكم وليس الإنتماء الديني أو المذهبي أو القروي وما شاكل. وعلى النقيض من ذلك, هنالك من الشيعة أنفسهم من كان يخطط لإحتواء كافة المناصب في الوزارات لإشغاله من قبلهم متشبثين بالرأي " ما يؤخذ اليوم لن  يُسلم غداً". هنا تظهر النعرة الطائفية الإحتكارية بوضوح وذلك ما تم تطبيقه بالفعل والذي أدى إلى حصول ردود أفعال متشعبة وخلق واقع غريب أدى إلى إقتراب الوطن من الهاوية, إن لم يكن قد سقط فيها بالفعل.

يتبادر الآن السؤال التالي: هل كانت نية الأمريكان حقاً إحلال نظام يمنح الحقوق لكافة أطياف الشعب بالتساوي بدل الحكم ذي النزعة الفردية والسيطرة المناطقية؟ ألجواب,بحسب وجهة نظري المتواضعة, نعم في بدء الإجتياح...لكن أثبتت الوقائع بأن ذلك الهدف قد تم تأجيله لحين تدمير البلد ثم البدء من نقطة الصفر.

بزغ إسم الجنرال الأمريكي"جي كارنر" بعد سيطرة الحلفاء على دفة الأمور, وتم تنصيبه كمدير لما يسمى " دائرة إعادة الإعمار والمساعدات الإنشائية في العراق", والذي بمثابة الحاكم الفعلي لسلطة الإحتلال في البلد الجريح. لقد كانت شخصية الجنرال معروفة عند العراقيين وخاصة في كردستان العراق حيث يشاد له بدوره المميز في إرساء ما ألت إليه منطقة كردستان العراق وقتئذ وما يلاحظ عليها اليوم.

باشر الجنرال المتقاعد مهمته في شهر آذار من عام 2003. والحق يقال, بادر في رسم الطريق الصحيح لوطن أنهكته الحروب, واتخذ من مبدأ الإعتماد على التكنوقراط منهجاً أساسياً  لتسيير أمور البلد, وبالفعل اجتمع في أكثر من مناسبة مع مجموعة منهم. أبدى وجهة نظره بأن العديد ممن انتسب إلى الحزب الحاكم حصل ذلك بهدف تأمين مستقبل مهني معين, فلا مشكلة له مع هؤلاء بل المشكلة مع كل من أساء وساهم في جرائم النظام على حد تعبيره. وبالفعل ابقى العديد من الحزبيين في مناصبهم بعد ان اشترط عليهم التنكر للحزب واستنكار أعماله. أتذكر جيداً زميلاً لي مشهوداً له بالكفاءة وحسن السيرة ممن كان يشغل منصب "مدير عام" لإحدى دوائر وزارة الصحة واستمر في مهامه لحين إنهاء خدماته بعد رفضه الإذعان للشرط أعلاه.

ومن خطط الجنرال أيضاً إجراء انتخابات خلال 90 يوماً , وسحب القطعات الأمريكية بسرعة من المدنً. وظهرت حسناته البعيدة عن الطائفية عند اختياره خمسة أشخاص للقيام  بدور الوزارة والذي أغاظ الإخوة الشيعة كما يشاع لشعورهم بأن تمثيلهم في الحكومة دون المستوى المطلوب ولا يتناسب مع نسبتهم العددية مقارنة بمجموع السكان,  حيث وقع إختيار الجنرال على شخص شيعي واحد فقط,  وثلاثة من السنة, والخامس نصفه شيعي.

بالرغم من المخطط الصحي الذي رسمه الجنرال المتقاعد عن كيفية بناء العراق من جديد, تم استبداله  بلا سابق إنذار بالسفير "بول بريمر", وقد باشر الأخير في منتصف شهر مايس تقريباً كحاكم لما يسمى حسب ما أتذكر بسلطة الإئتلاف الإنتقالية. ويظهر أنه قد تم تهيئته لإكمال تدمير العراق والذي بانت بوادره عند إلغائه كل المؤسسات التي تتولى المهمات الدفاعية أمام الهجمات الخارجية, وأيضاً المؤسسات التي تحافظ على الأمن والنظام في الداخل. أدى هذا القرار, كما هو معروف, إلى خلق مواكبً طويلة من العاطلين من جهة, وإلى بروز الجريمة بأنواعها نتيجة التسيب وغياب القوات الأمنية من جهة اخرى... وحصل الذي حصل.

منطقياً, لا يمكن قبول أي مبرر لإصدار مثل هذا القرار التدميري. لقد تحولت كل الدول الإشتراكية التي كانت تحت قبضة حكم الحزب الواحد إلى أنظمة ديمقراطية متعددة الأحزاب بطريقة سلمية ودون إراقة الدماء باسثناء رومانيا...  وهذا بالضبط ما اراد تحقيقه "جي كارنر" والذي لم يرق لواشنطن في حينه رغم كونه,  حسب اعتقادي, هدف أمريكا الأساسي, ولكنها أرجأت الهدف لغايات متعددة قد يحل رموزها الضليعون في ألاعيب ودهاليز الساسة الأمريكان. لقد ساهمت أمريكا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الوضع المأساوي الذي وصل إليه الوطن الغالي من كافة الجوانب بضمنها التشبث بالطائفية والمحاصصة وتسليم البلد لقمة سائغة إلى إيران الأجنبية, ناهيك عن الفقر المدقع وتسيّد المليشيات والعصابات الإجرامية الأخرى وووووو...

هل حان وقت التغيير؟ نعم, والأمل أن يتحقق ذلك بهمة الغيارى من أبناء الشعب البار.

كنت لا أزال هنالك بعد سيطرة الرعاع نسبياً على الشارع العراقي. أخبرت زميلاً لي من أهل النجف كنت مشرفاً على البحث الذي يعده كأحد متطلبات دراسته العليا. قلت له: تعتبر النجف بتاريخها الحديث ومواقف أهلها وثقافتهم مفخرة للعراقيين كافة, كيف تسمحون بسيطرة الرعاع اليوم على مقاليد الامور هنالك. أجابني: أستاذ, لتبقى ثقتك بأهل النجف كما هي. ألمثقفون يراقبون الامر بحذر ودقة, ولا تتوقع منهم أن ينزلوا إلى الشارع ليصطدموا بهؤلاء الرعاع, لكن ثق أنه سيأتي الوقت المناسب لخروجهم وسيطرتهم على الشارع.

نعم... أطلت بوادر ذلك وهي تقترب رويداً رويداً, والشرارة قد اصبحت شعلة الآن.

قد أكون مخطئاً, لكنه مجرد راي. ما خططت له أمريكا ومن معها, أرجأته لهذا اليوم. لقد انكشف للشعب كل شيء خلال الفترة من مايس 2003 إلى تشرين الاول 2019. لقد حل وقت التغيير عن قناعة. ألشعب مقتنع أن العراق يبقى العراق, أن العمائم لا بد لها أن تعود لأماكن العبادة والصلاة. أن الفاسدين وسراق قوت الشعب لا بد أن يرحلوا. لقد جاءت بهم أمريكا على ظهر دباباتها, وها هي قد بدأت بترحيلهم, ولكن كيف وتى نهائياً؟ سيقرر الشعب الثائر ذلك قانوناً...تجارب التاريخ تشير أن العميل نهايته على يد من استأجره للعمل كعميل, والأيام القادمة حبلى بالمفاجئات.

رابط الجزء الاول

http://www.alqosh.net/mod.php?mod=articles&modfile=item&itemid=42192

  كتب بتأريخ :  الجمعة 06-12-2019     عدد القراء :  760       عدد التعليقات : 0