رثاء الى الفقيد بدري هرمز قس يونان

غادرنا في الليلة الماضية الى دار الخلد والنعيم، رجل شهم هو بدري هرمز قس يونان المولود في القوش والمتوفي فيها، انه اكبر من جيلنا بحوالي 20 سنة، لهذا ننظر اليه نظرتنا الى ابائنا، وجيلهم الذي تحمل صعاب ومشاق لعقود متتالية، دون ان يلوح في الافق امل في تحسن تلك الظروف، وخصوصاً وطأتها الشديدة على شعبنا المسيحي الذي عانى من اضطهاد مزدوج.

كنت ارى بدري في الستينات والسبعينت، ففي اواخر الستيناتبرز هذا الرجل في رفضه للظلم والاضطهاد المزمن الذي تعيشه القوش والمنطقة، ففي عام 1969بعد وقوع معارك مفتعلة بين اهالي القوش والقرى المحيطة، كانت الكفة لا تميل لصالحنا من ناحية التسليح، وما ان انتهت بثباتنا في بلدة الآباء والأجداد، حتى انتشر الغيارى بين الناس لتشجيعهم على شراء الاسلحة، وكان المرحوم بدري على رأسهم، وركز حملته على الميسورين من البيوت اما الفقيرة منها فقد استثنيت.

انذاك كان السلاح الروسي الآلي قليل ونادر وبدري واخيه المرحوم عابد، كانوا من اوائل من اقتنوه وكان غالياً يكلف قرابة ال 300 دينار، هكذا حملوه في اعمالهم الزراعية كفلاحين نشطاء في عقار البلدة. عند اشتداد المضايقات على الشبيبة والطلبة صيف عام 1971من قبل مركز الشرطة وجهازه الأمني الذي شرع بالعمل منذ اوائل عام 1970، وفيما التوتر على اشده في سوق البلدة، أشعل بدري الشرارة الاولى، لمعركة مشرفة بالايدي على اثنين من رجال الامن السلطوي، وخرج الشباب منتصرين فيما اخذ الجهاز المقيت جزائه الذي استحقه، وكان حاضرا الواقعة المرحوم توما توماس.

ما ان اندلعت الحرب العراقية- الايرانية الظالمة، وشرعت ماكنتها الحربية تلتهم الشباب العراقي من كل المكونات، ارتآى الكثير من ابناء القوش ترك جبهات الحرب والالتحاق بفصائل المعارضة المسلحة في الجبال، وكان رزكي ابن بدري احدهم، اضافة الى العديد من ابناء عمومته وابن اخيه. انتقمت السلطة من بدري اشد انتقام بخطف ابنه الآخر حسيب من عقار القوش،ومن فوق جرارته الزراعية وهو يقوم بواجب الفلاحة، وضيعته الى يومنا هذا ليكون مفقوداً، وقد اثر ذلك كثيراً على بدري وترك اثره البالغ عليه فحزن مع  زوجته المرحومة حبي حنطية وكل اهالي بلدته على هذا الشاب الذي ظل مصيره مجهولاً، وكان قد انهى امتحان المتوسطة وعمرة فقط 15 ربيع.

توالت نكبات العراق من الحصار الظالم على الشعب، وحتى سقوط الدكتاتور في عام 2003، بعد ذلك بدأت صفحة الصراعات واضطراب الامن والاغتيالات والقتل الرخيص في اغلب مدن العراق، فاصبحت الناس تبحث عن ملاذات آمنة، فترك الكثيرون من اهالي القوش وغيرها ومن ضمنهم اقرباء بدري بيوتهم واملاكهم، هنا شعر بدري بانه فقد الكثير نتيجة تلك الظروف، فتدهورت صحته تدريجياً وصار يضعف وفي السنوات الأخيرة قطعت ارجله نتيجة المرض اللعين، فصار يركز بعيونه على المحيط، يضرب كفاً بكف، وقد رحلت زوجته قبله بعدة سنوات، ثم وافاه اجله الموعود هذا اليوم،فالتحق بقوافل الراحلين الى دار البقاء.

خسرت القوش في بدري رجلاً شجاعاً، وفلاحاً جباراً، وصاحب معشر، ونخوة نادرة،ذلك الطود الشامخ،طويل القامة، عريض المنكبين، كث الشاربين، عندما يمشي يوحى اليك بانه يسير على اصابعه وكأنه النمر، اضافة لكل ذلك كانت له شخصية قوية، يفرض احترامه على المقابل، وكان موهوبا في طرافة حديثه وافعاله مع كل من عرفه صغاراً وكباراً، لو يجمع احد ما خلفه بدري من تلك الطرائف شديدة الوقعة لأصبحت تملأ مجلداً. الالقوشيون المنتشرون في بقاع الارض منذ عشرات السنين، يتناقلون ما يفعل بدري، وما يقوله فيبقى شغلهمالشاغل لفترة طوية، ويتسائل الجميع ما هي اخر نكات او طرائف بدري، وبدري كذا وقال كذا وحدث لبدري كذا، بدري، بدري، بدري.......... حتى ودع الى مثواه الاخير في مرقد اعز الناس اليه، في بلدته الصامدة امام جبلها الأصلب.

هو من مواليد 1933، وابن المرحوم هرمز شمو قس يونان، والمرحومة اسومة سليمان جيقا، وزوج المرحومة حبي عيسى حنطية، ووالد كل من رزكي، نبيل، سدير، نبيلة، ميعاد، سحر، لبنى، رندة والفقيد حسيب.تلك الشخصية قليلة التكرار، اطلبوا معي لبدري قس يونان الرحمة من رب العالمين، ليسكنه في جناته الواسعات، ويضيء قبره نور يهزم الظلام المُسدلِ.

8 كانون الاول 2019

  كتب بتأريخ :  الإثنين 09-12-2019     عدد القراء :  1272       عدد التعليقات : 0