في الفقير كنز ثمين

( … جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي) ” مت 42:25″

لأجل البحث عن المسيح والوصول إلى ذلك الكنز الإلهي الثمين علينا البحث عن الطريق الأفضل المؤدي إليه . لا نستطيع بلوغه بمواهبنا وطاقاتنا ، بل علينا أن نركز بعقولنا وقلوبنا بأقواله ووصاياه المدونة لنا في كتاب الحياة لكي نسير بثقة نحوه بخطوات ثابتة وصحيحة فنصل إلى مكان وجوده ، كما فعلوا الرعاة والمجوس ، فكان لقائهم مع ذلك الطفل الفقير المولود في حضيرة الحيوانات عظيماً .

قبل الأنطلاق يجب أن نعطي لأنفسنا القليل من الراحة والهدوء لكي نفكر بعد القراءة والصلاة والطلب من الرب لكي يكشف لنا مكان حضوره في هذا العالم لكي نذهب ونلتقي به ، وهذا البحث يحتاج إلى جزء من عمرنا ، وذلك بتخصيص لحظات كل يوم من أجل الوصول إلى ذلك الإله العجيب المتواضع الغني الفقير.

آيات كثيرة في الأنجيل المقدس تدعونا إلى البحث في مراعي الفقر . وللفقر أوجه كثيرة يجب أن نتعرف عليها ، كالفقر من المال ، والسلطة ، والكبرياء … وغيرها . كل إنسان يبحث عن واحدة منها ليكبر في هذا العالم ، لكن المطلوب هو أن يجتهد لكي يكون فقيراً فيها لكي يستطيع أن يجد الرب ويبعه ، كما قال الرب للشاب الغني . فمكان سكنى الرب هو في المساكين الفقراء ، فأذهب وبع ما لديك ووزعه على الفقراء ، وتعال أتبعني . هو المكان المفضل لحضور رب المجد . لهذا قال يسوع ( طوبى للمساكين بالروح ، فأن لهم ملكوت السموات ) ” مت 3:5 ” يعني بأن كنز الملكوت هو في الفقر . فعلينا أن نحب فقرنا . كما يجب أن لا ننسى حياة المسيح على الأرض ، كان فقيراً منذ ولادته في المغارة ، وكذلك عندما كان شاباً لم يكن له مسند يسند عليه رأسه ، وعندما رفع على الصليب سلبت منه حتى ملابسه الملطخة بدمائه ، فعلينا أن نقتدي بسيرته الطاهرة ، وهكذا يجب أن ننظر بجرأة إلى كنزنا المخفي وهو الفقر الذي يتواجد فيه المسيح . لا نستطيع أن نعيش حياة الغنى والفقر معاً ، فلا بد أن ننظر إلى طرف واحد من العملة ، الطرف الذي فيه صورة قيصر أم الطرف الذي نقرأ فيه أسم الله لهذا قال الرب ( لا يمكن لأحد أن يكون عبداً لسيدين ، لأنه أما أن يبغض أحدهما الآخر وإما أن يلزم أحدهما فيهجر الآخر لا يمكنكم أن تكونوا عبداً لله والمال معاً ) ” مت 24:6 ” .

علينا أن لا نخجل من الفقر أونعلن حبنا للفقير، بل أن نتباهى به لأن المسيح يعيش في الفقراء ، وقد علمنا نحن أيضاً بأن نعيش فقر الأنجيل . كما علينا أن نفرح عندما نلتقي بفقير أو محتاج أو سجين أو مظلوم أو غريب ونسمع إلى أخبار آلام الناس وأحزانهم لأن فيهم نستطيع أن نكشف الله ولا نتردد في مساعدتهم مهما بلغ الفقر فينا ، وحتى وإن نقسم بيننا الرغيف الواحد ، ولا نفكر بأن نقرضهم لكي يعيدوا لنا القرض ، وكما أوصانا الرب ( أقرضوا دون أن تأملوا أستيفاء القرض ، فتكون مكافأتكم عظيمة ، وتكونوا أبناء العلي ) ” لو 35:6 ” . عندما نقرض فقيراً فيعني إننا نقرض الله الساكن في الفقير ، وهكذا يصبح الله مديون لنا وسيوافي دينه لنا ويباركنا دون أن نشعر في هذه الدنيا وفي الآخرة .

إذاً الفقراء يملكون كنزاً ثميناً معروضاً على قارعة الطريق أو في الأحياء الفقيرة أو خلف القضبان وكنزهم هو أنهم لا يستطيعوا أن يعيدوا لنا أفضالنا ، وهذا ما يدفعنا إلى نكران الذات من أجل محبة الآخر والتضحية من أجله  . لهذا أمرنا يسوع قائلاً ( ولكن إذا أقمت مأدبة فأدع الفقراء والكسحان والعرجان والعميان ، فطوبى لك إذ ذاك لأنهم ليس بإمكانهم أن يكافئوك فتكافأ في قيامة الأبرار ) ” لو 14: 13-14″ . ومن هنا نفهم بان أجرنا محفوظ والأموال التي صرفناها لهؤلاء الفقراء مخزونة لنا في كنوز السماء . إذاً الفقير هو الذي يغنينا وهو الذي يفتح عيوننا إلى المسيح الفقير ، هذا هو ما يعطيه لنا الفقراء . هكذا يعيش المسيح في وسطنا وفي كل منا فنتحد به أتحاداً خفياً وندرك بأنه يعيش من خلالنا ونحن ندرك ونشعر بأنه بيننا ويريد أن نكون معه جسداً واحداً ، فنعلم بأن في الفقر غنى ، لأن الرب يكافئنا ويباركنا في هذا العالم وفي حياتنا الأزلية معه ومع القديسين والأبرار .

ولطفل المغارة الفقير المجد دائماً .

  كتب بتأريخ :  الأحد 15-12-2019     عدد القراء :  544       عدد التعليقات : 0