بيت المرحوم شمعون صادق ديشا

ربما لأول مرة بعيداً عن بيوت تقتني الاغنام، ربّت عائلة جيراننا كلباً ضخماً، اطلقت عليه اسم" جيمي" فملأ شارعنا ضوضاءً وصخباً، كنا اطفالاً نخشاه ونتحاشى التقرب من بابهم، حين نمارس العاب الطفولة المتنوعة، لم تمض فترة طويلة حتى اصيب الكلب بمرض، واصبح نباحه مضطرباً، وقتذاك وربما حتى الان لم تجد مستوصفات معالجة الحيوانات الأليفة، فربط احدهم حبلاً في عنقه، وسار به الى بيادر محلتنا. هناك ربطه في صخرة مرصوصة مع غيرها، وبينها مسافات لتشكل حدود كل بيدر مع البيدر التالي. شرع الرجل يرمي " جيمي" الأحجار بعنف، تألمت للموقف وانا ليس باستطاعتي عمل شيء، فيما صبية آخرون شاركوا الرجل رمي الحجيرات، حتى تعالى عويله متألماً، وسالت الدماء منه، ليركن بعدها في سكون أبدي!

شمعون وزوجته صلحة وابنته فكتوريا

القوش تلك البلدة الناشرة جناحيها كالنسر امام جبل بإسمها، كانت بين فترة واخرى تقوم باعمال لها فائدة عامة، وفي احدى المرات كان بعض الاهالي يبغون إزاحة صخرة من مكانها فحفروا حولها، وعبثا حاولوا زحزحتها، بالرغم من آلاتهم اليدوية المستخدمة، مثل المعول، العتلة، والمجرفة( ܩܵܙܡܵܐܘܡܵܓܼܒܵܝܹܐܘܓܵܪܘܫܬܵܐ) . ما ان رآهم العم شمعونيعانون هكذا، توجه الى بيته ومعه بعض الأولاد، فحملوا رافعة آلية( الجك) الى المكان، وثبتوها جيدا تحت تلك الصخرة الصلدة، وشرعوا بالضغط البسيط والمتكررعلى نتوء في الآلة، لتعوم الصخرة من احد جوانبها بعد وقت قصير، اصبح التعامل معهاوقلبها سهلاً، وسط فرح وتهليل الحاضرين.

جارنا القديم حكمت ابو عمار، هو آخر الاخوة الراحلين الى دار البقاء وهم: عابد، جورج، بطرس، ادور، فكتوريا، والشهيد الخالد فؤاد. في عام 1958 انتقلنا الى بيتنا الجديد وبعد فترة من الزمن قدمت عائلة شمعون( شمّو) وزوجته صلحة توما حميكا من كركوك، غداة احداثها الدامية، فسكنوا بالايجار مع اولادهم في بيت عيسى ياقونا المجاور لنا، فدبت حركة غير عادية في محلتنا،تزامنت مع انتقال كراج سيارات الأجرة من الشارع المجاور الى الساحة( ܒܸܕܪܵܐܕܒܝܼܥܲܪܲܒܘܹܐ) مقابل بيتنا تماماً.

شمعون صادق ديشا

لقد جلبوا معهم عدداً من المكائن والآليات والعُدد التي لم نألفها، وفتحوا محلا للّحام عند الكراج المكتظ بالسيارات والسواق والمسافرين والمارة، ودب النشاط وصخب الآلات على ايديهم الماهرة كلهم ومع والدهم دون استثناء، قدموا خدماتهم بقلب مفتوح للبلدة ولمحلتنا، كانت والدتي تصف كل اصبع في يدهمبصنعة.

صلحة توما حميكا وولدها الاصغر حكمت في كركوك 1955

كان شمعون واولاده يجيدون الحرف اليدوية، والاعمال الميكانيكية، وقيادة الآليات من الحاصدة، الى التراكتور، الى اللوري، تصوروا احدى حاصداتهم( درّاسة) كانت بمقودين( لاول مرة ارى هكذا ماكنة) وكانت تسحب بواسطة التراكتور، فإهتزت محلتنا اضافة الى الكراج ومحل التصليح الميكانيكي لصاحبه صبري بطرس نكارا. باختصار شارعنا اصبح نقطة تجمع للمسافرين والموظفين والطلبة والفلاحين والعمال وحركة دائمة ومتواصلة.

   إعتاد العم شمعون يخرج منذ الصباح الى سوق البلدة القديم، ويتزود بما لذّ وطاب من المسواق، فيطبخوا افخر الطبخات التي اجادوها في كركوك، من خلال العلاقات في شركة النفط( آي- ﭘي- سي) حيث جاورتهم السكن اجناس وملل شتى بعاداتها ولغاتها وتقاليدها منهم، الانكليز، الهنود، الارمن، الاكراد، العرب، التركمان، الشبك، الاثوريون. من الخالة صلحة وكنّاتها تعلمنا الكثير من الاكلات تلك، وبخاصة( ﭼلفراي، الأومليت) وانواع المربيات التي كانوا يجيدون صنعها.

لأذكر عوائلهم آنذاك: عبد وزوجتهسليمة واولادهما كلادس، زكي، وجانيت، جورج وزوجته فخرية واولادهما سمير، سميرة، وذكرى، بطرس وزوجته كرجية واولادهما سلطانة وسلام، اما ادور وزوجته سوريةيونس قيا التي كانت مديرة مدرسة البنات، فقد تزوجوا حديثا وانجبوا فيما بعد. اولادهم زادوا شارعنا بهجة وفرح، اذكر ما بقي في ذاكرتي صديق المدرسة سمير، الذي تبادلنا التعرف على انواع طلقات البنادق، وانواع الاسلحة التي ازدانت وازدادت في ذلك الزمان، مع امتشاقها واحداث الشمال بعد ايلول 1961.

   

اولاد شمعون ديشا: عبد، جورج، ادور، حكمت

في تلك الفترة من حكم الجمهورية الاولى، انتخبت الخالة صلحة رئيسة لرابطة المرأة العراقية فرع القوش، فصارت نساء البلدة الديمقراطيات يقصدن دارهم الواسعة للاجتماع، في تلك الفترة وصلت رسالة من ابنها فؤاد وكان لا يزال يعمل في كركوك، فقرأتها امام الدار، وقد رُصفت الكراسي التي لم تكن محلتنا تعرفها( وقد تستغربون ذلك) ولكنها حقيقة، كانت تقرأ الرسالة بصوت عالٍ، ليتسنى للعم شَمّو(شمعون)سماعه، وحتى تختصر الرسالة بقولها: انه يهنئني بانتخابي رئيسة رابطة المرأة، هكذا كانت تقول بزهو( ܗܘܠܝܒܗܢܘܝܼܝ) .

لم يطل الوقت كثيراً حتى وقع انقلاب 8 شباط 1963 فإلتحق كل من عابد، جورج، بطرس، فؤاد بثوار الجبل من مختلف تلاوين الشعب الزاهية. بعد عدة اشهر استشهد فؤاد في ظروف غامضة ولم يعثر على جثته ابداً، كان فؤاد شابا جميلاً ممتلئ الحركة والنشاط في كركوك ثم القوش، ومن القلائل الذين يملكون رشاشاً نوع" بورسعيد" . اذكر جيدا كيف وصل وفد الانصار من مقرهم في وادي دير الربان هرمزد الى بيت شمعون، وهم يحملون صورة فؤاد محاطة بالأوراد، وكان بقيادة المرحوم توما توماس، قدموا عزائهم الحار، والقى المعلم الراحل عابد جمعة كلمة مؤثرة، ومما قاله" ان روح فؤاد تحلق فوقنا". وبعد مدة قصيرة وصل المرحوم هرمز جكو مع مسلحيه في ليلة ظلماء الى بيتهم لمواساتهم. كانت والدتي تتحس امنيتي في رؤية هرمز ومجموعته، فاجلستني من النوم وذهبنا الى بيت شمعون، لأرى هرمز أول مرة في حياتي.

الشهيد الخالد فؤاد

في شهر كانون الاول من نفس العام ونظرا للمظالم التي كان يرتكبها مركز الناحية والشرطة تقرر احتلاله، فقاد البطلان توما توماس وهرمز جكو الهجوم عليه ليلاً، لكن الهجوم فشل في تحقيق هدفه، ومع اقتراب الفجر وخوفا من وصول طائرات الحكومة، فكلف رجلان بالهجوم على مدخل المركز، وحين قذف احدهم قنبلة يدوية على المبنى ارتدت بسلك التلفون وانفجرت بهم ، فاستشهد المقاتل حجي خورما من قرية شيخكا الأيزيدية واصيب بطرس شمعون اصابات بالغة في صدره ويده، استطاع بطرس رغم جراحه حمل بندقيتين والزحف مبتعدا عن المكان الى حيث الامان النسبي، فأُخلي ليتعالج وبعدها اصبح معوقا في يده اليسرى.

بطرس شمعون ديشا

كان بيت شمعون يقصده الضيوف والاصدقاء ولا ننسى سكن المرحوم بطرس نكارا والد صبري وفخري المعروفين في احدى غرف بيتهم مع زوجته الثانية الموصلية، معروف عن ابو صبري ثقافته الواسعة، ولطالما استمعنا اليه انا وصديقي نافع جولاغ والى حكاياته الجميلة خصوصا اعتراضه الثابت لإقامة اية جبهة مع الحزب الحاكم، كان في خريف عمره وقضى بعد عدة سنوات. في فترة عصيبة واولاد شمعون في الجبل اعتقلت الشرطة ابنه الصغير حكمت لعدة اشهر في الموصل وبعد خروجه من السجن لم يترك قضيته بل خسر مدرسته، ولمحته مراراً فوق سطح بيتهم وبيده كتب يقرأ فيها، فدفعني الفضول للسؤال عن ماهية تلك الكتب، سيما انه مفصول من المدرسة، فقيل انها كتب ممنوع تداولها يطالع فيها للتثقيف الذاتي. كذلك رأيت مرارا امرأة بملابس الثوار مسلحة فوق سطح بيتهم وعند سؤالي عنها من المحلة اجيب بانها احدى النصيرات من بلدة عنكاوا واسمها ماري يوسف حسيني وزوجها ايضا كان نصيرا في جبل القوش واسمه عبد دنحا دخوكا.

هكذا دفعت تلك الاسرة ثمنا باهضا لنضالها، فقدمت شهيدا وآخر معوقا كما وخسرت اموالها التي جنتها بالكدح المضني في كركوك، ولم تستطع الاستمرار في العيش في بلدتها، فتركتها بين فترات الى بغداد ليستقروا جميعا فيها، ولم تمض الا فترة قصيرة حتى برزوا في ميادين العمل والمقاولات، واخذوا على عاتقهم عمل ولحام خزانات ضخمة، واسترجعوا مكانتهم الصناعية بقوة خصوصا في فترة السبعينات. ومع انتكاس الوضع الاقتصادي والامني في العراق جراء الحروب العبثة للنظام الحاكم، وحلول فترة الحصار الأظلم في البلاد، مما حدى بهم لترك العراق تباعا لينتشروا في بلدان الجوار والمنافي البعيدة في شتات المعمورة.

عابد شمعون وزوجته سليمة

عندما بلغ العمر عتيا في الوالدين شمعون وصلحة رجعوا الى بلدة ابائم وسكنوا قرب السوق، هناك عكفت المرأة على المواظبة في الكنيسة، لا ينكر انها تغيرت كثيرا منذ استشهاد فؤاد وظلت تبكيه بمرارة وتندبه ما تبقى من عمرها. في باب الكنيسة اعترض طريقها احد الكهنة فسألها بشماتة" اين اصبحت الرابطة وكيف رجعت الى الكنيسة" فاجابته: رابي ان الله يغفر التائبين" ܐܲܠܵܗܵܐܟܫܵܘܸܩܠܬܲܝܵܘܝ" فانسل مبتعدا لا يعرف ماذا يقول. وبعد عدة سنوات انتقل الاثنان الى رحمة الرب ربما بفارق ايام بينهم، طالمها سمعتهم يقولون نتمنى ان نموت في نفس اليوم.

اخيرا عائلة ديشا التي منها الشهيد فؤاد شمعون، قدمت شهيدا اخرا وهو حميد الياس حنو الذي صلب قرب مزار مار قرداغ عام 1963 على ايدي الحرس القومي، كذلك في مطلع الثمانينات اعتقل الشاب خالد يوسف ديشا وشقيقته الشابة تماضر يوسف ديشا من قبل النظام الدكتاتوري، ومنذ ذلك اليوم ضاع اي اثر لهما، حتى في المقابر الجماعية التي اكتشفت لحد الان لم يعثر على رفاتهم.

U.S.A Jan.30, 2020

  كتب بتأريخ :  الجمعة 31-01-2020     عدد القراء :  432       عدد التعليقات : 0