ما تخشونه هو منقذكم الوحيد!
بقلم : علي وجيه
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

هل ما زال هناك مُتّسع للكلام مع أحزاب السلطة؟ الأخلاق تقول "لا"، والسياسة تقول "بلى، في كلّ وقت"، وهنا سأجرّب التغاضي عمّا حدث من شهور مرّة منقوعة بالدم، وسنين تشبهها، دمويّة قاسية، محشوّة بالفساد، وجميع أنواع الخيانات.

لكن، لو كنتُ للحظةٍ قائد حزبٍ "عريق"، من أحزاب ما قبل 2003 المُعارِضة، جاءت الدبّابة الأمريكية فتعلّقتُ بها، ثم دخلتُ بغداد فاتحاً وملتهِماً لكلّ ما وقعت عليه عيناي، أكون جزءاً من حربٍ أهليّة سنّية – شيعيّة، وحربٍ عنصريّة كلاميّة عربيّة – كرديّة، ثم جزءاً من حربٍ شيعيّة – شيعيّة بين السلطة والقاعدة الشعبية التي أسرفتُ بتنويمِها، وما استعنتُ بها إلاّ بمعاركي أو انتخاباتي، أقول لو كنتُ قائداً، أو عنصراً أساسياً في حزبٍ حاكم، شيعيّ أو سنّي أو كرديّ، وكنتُ أحمل ربع تفكير ستراتيجيّ، لقفزتُ فوراً فيما أخافه وأرتعبُ منه: الدولة!

فكرة حالمة؟ ولِمَ لا؟ لكنها قابلة للتحقيق، والأهم من هذا، أنها ستحفظُ مكتسباتي بطريقة براغماتيّة محضة، ولكلّ الدماء التي سالت أقول: كنتم ضرورة، شكراً!

إنّ أحزابنا العريقة أجادت الانتماء إلى ما تمثّله تفكيراً دون الستراتيجيّة، أي بمعنى: ظلّت "الدعوة" وأخواتها حبيسة تلك السرديّات العتيقة التي تعرّفوا عليها في ظلام نهاية السبعينيات والثمانينيات، من نصوص سيّد قطب وأشباهه من الشيعة، وكذا الحال مع النسخ السنّية الحزبية، التي تمظهرت إلى قوى طائفيّة راديكاليّة، اتسمت بالعنف بعد 2003، فضلاً عن سرديّات الأحزاب الكرديّة التي لا تختلفُ عن مثيلاتها.

هذه الأحزاب، واهمةٌ إن ظنّت، حتى إن عاد المتظاهرون إلى بيوتهم، أن الأمر انتهى، فثمّة جيلان شابّان ولد دون "نظام أبوي"، أيّاً كان هذا النظام، العشيرة، الدين، الحزب، الدولة [بسبب ضعفها]، وغيرها من أنظمة أصغر وصولاً لنظام العائلة. الاحتجاج الأخير حقّق الـ"أنا الجمعيّة" لهذين الجيلين، وسيكونان طريقةً للتعبير عن الذات، بسبب خلوّ المجتمع من مبرّزات الذات وتجسيداتها، فالشاب من مواليد 1995 فما دون لم تتحقق ذاته بأيّ مجال سوى بالتظاهرة، تلك التي صنعت منه بطلاً، فحلاً، مُغيّراً، شُجاعاً، يقاوم الرصاص الحيّ ولا يخاف منه، فهو خارج الإطار هذا مجرّد كائن حيّ، مفلس، بلا مستقبل، وبلا أمان، إذن: الاحتجاج سيكون مستمرّاً، ويتمظهر بحالاتٍ كثيرة.

لا مُنقذ لمكتسبات هذه الأحزاب، سوى الحفاظ على جمهورها من جمهور السلطة، الذي جلبوه بالدم تارةً، وبالتخويف من الآخر تارةً أخرى، وهذا الجمهور بدأ بالانفراط تدريجياً، فهو حتى إن لم يكن مقتنعاً بالاحتجاج، لكنه لم يعد مقتنعاً بالحزب نفسه.

ثمّة خبرة سياسيّة بإدارة الجموع لدى هذه الأحزاب، يمكّنها العمل على توسيع ما يكون، لكنها مُجبَرةٌ على الأخذ بالترياق المؤذي: الدولة!

والدولة، ستقصّ بعض المخالب، لكنها ستحفظ وجود هذه الأحزاب، والشخصيات، والمُكتسبات، وما تخافه الأحزاب، هو المنقذ لها، على شرط الامتثال لشرطه، وأن الدولة القويّة العادلة، هي النظام الوحيد الذي يُمكن أن يحفظ هذه الأحزاب من أيّ حالات عنفيّة فيما لو تمظهر الاحتجاج إلى مظاهر أخرى، فهم أمام جموعٍ بشريّة، تُحرق مقرّ حزبٍ حتى إن لم يشترك بالحكومة، ثم تحرق منزل المسؤول، وتشتمه في السوشيال ميديا، وتهتف ضدّه في الساحات.

هذه الثمرة المُرّة التي تتذوقها الأحزاب حالياً هي زراعتها، فالفرد لا يشعر أن لديه دولة ليحافظ عليها، وأن ما موجود هو سلطةٌ مركوبة من قِبَلِ مَن لا يستحقها، فلا ضير من تدمير كلّ شيء.

لو قرّرت هذه الأحزاب بناء الدولة فعلاً، ستجد شعباً غفوراً رحيماً ربّما، لو حاسبت القتلة، لو أنها سمعت أبناءها، لكن "لو" شقيقة "ليت"، وعلى حدّ تعبير الجواهري "زرعٌ بصخرِ"، لن ينبت أبداً!

  كتب بتأريخ :  الخميس 06-02-2020     عدد القراء :  176       عدد التعليقات : 0