ماذا نريد من السيد السيستاني؟
بقلم : علي وجيه
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

كلّ صباح جمعة، ينتظرُ الجميع خطبة المرجعية، من الجلاّد إلى الضحيّة، ومن الأسود إلى الأبيض، ومن السياسيّ إلى الكاسب، فقط ليسمعوا ما يقوله الرجل الذي ينطق عن لسان الشيخ الكبير، الذي لم نسمع صوته، لكن صوته الأعلى في لحظتنا العراقية هذه.

ولعلّ دور المرجعية يبدو مركزيّاً في الأزمات، ويكاد لا يُلحظ في فترات الهدوء القليلة التي حظينا بها بعد 2003، لكن الآن يبدو أنّ هناك محرّكات قليلة بعد أحداث تشرين، لعلّ من أبرزها، بعد ساحات الاحتجاج نفسها، مرجعيّة السيد السيستاني.

المرجعيّة هي أمّ "قالب" النظام السياسي العراقي بعد 2003، أعطت الوعاء للناس، وقالت لهم: املأوه بما ترغبون. بعد أن قضوا نحو ثمانين عاماً بتهميش سياسيّ، وهنا أعني اختفاء الجماعة الشيعيّة سياسيّاً بعد ثورة العشرين. الوعاء صار بحوزة الناس، ملأوه بعد 2003 بعدّة أخطاء، قبل أن تقرّر الساحات تنظيفه مجدداً، بعد احتراق ورقة الإسلام السياسي إلى حدٍ كبير.

في هذه اللحظة، تبدو مرجعية السيد السيستاني، هي الطرف العاقل الوحيد في المعادلة العراقية، فضلاً عن كونها ربّما الرادع الوحيد لعدم إنهاء وجود شبابنا في ساحات الاحتجاج، رغم سقوط الضحايا، لكن بسيناريو افتراضيّ نستطيع أن نتصور صمت المرجعية فيما لو كان، وردّة فعل أحزاب السلطة ومسلّحيهم تجاههم.

لكن يبدو أحياناً إيقاع منبر الجمعة أكثر بطئاً من الأحداث الدائرة، وهذا الأمر يرفعُ اليأس في نفوس الشباب، الذين ينتظرون بعد كل اعتداء يوم الأربعاء والخميس، وقوف المرجعية إلى جانبهم، فضلاً عن السياسيين الذين يتعاملون مع المرجعية بأساليب مُضحكة، لكنها مُثمرة بإلقاء اللوم على لا أحد، فالمرجعيّة لا تشخّص، وبتشخيصها تصغر، ويكاد ينعدم تأثيرها، وهم يتسلّمون الجملة، ليطلقوها على غيرهم، كما حدث في "المُجرّب لا يُجرَّب"، وحتى في شروط فتوى الجهاد الكفائيّ.

تسعى المرجعية، عبر خطاب المرجع السيد السيستاني منذ 2003، إلى فكرة "الدولة"، والتي يشكّل نسقها المُضمر "نفوذ الطائفة"، وتمثيلهم، وتواجدهم، والحلّ الوحيد لهذا وجود "دولة" قوية، وكريمة، تُعزّ فيها العراقيين.

لكن الاصطدام الذي تواجهه خطب المرجعية هو التفسير والتأويل، نظراً لعدم التشخيص، الكلّ يعرفُ ماذا يقصد الرجل/المؤسسة، والكل يتجاهل هذا، ويقول "ما الدليل؟"، ولعلّنا نتذكر أزمة اختيار رئيس الوزراء في معضلة المالكي و"الولاية الثالثة"، حين ظلّ منبر المرجعية ينتقدُ "التشبّث بالمناصب" لأشهر، دون أن يهتزّ المالكي، بل هدّد بشكلٍ ما بعض الأطراف المقرّبة من المرجعية.

يتحرّك السيد السيستاني، ومؤسسة المرجعية، ضمن مساحة حدّدها وقالها عدّة مرات "النُصح والإرشاد"، فالرجل لا يؤمن بـ"ولاية الفقيه" العامة، ولا يتدخل إلاّ حين تستدعي الأمور التدخّل، لكننا بالأقل نكون أمام نصّ قابل للتأويل كلّ جمعة، من أطراف كلّها تشعر أن كلام المرجعية هو الأول في هذه اللحظة، والأشدّ علواً، وهذا الأمر صحيح إلى حدٍ كبير.

لا نمتلك "ولياً فقيها" في العراق، نمتلك مؤسسة تسعى لبناء دولة، وتؤشر على توجيهات واضحة بهذا الشأن، بل تؤشر إلى أنها "دولة مدنية"، يؤكدها السيد السيستاني بالصفات، بينما يسمّيها المرجع الفياض بالاسم، ولا بُدّ لنفوذ الطائفة بالاستمرار باتجاه أحزاب مدنيّة، ستحظى بدعم المرجعية مستقبلاً، بعد أن قام أبناء محاريب العبادة، بتخريب الدولة والمحاريب على حدٍ سواء.

وإن كانت الخطبة تلبّي ما نصبو إليه، وإن لم تكن بمستوى الانتظار، فليس أمام الجميع إلاّ انتظارها، ورؤية ما ترتّب عليها، بكلامها الهادئ وإيقاعها في التغيير البطيء، والإشارات، فهذا الأسلوب الذي لا يُرضي متظاهراً غاضباً ربما، ويمنحُ قوّة للسياسيّ المُخاتل، هو سبب قوّة المرجعية، ووضوح نفوذها، بشكلٍ أكبر ممّا لو صرّحت وتحدّثت كما نريد، فكثيرون يريدون أن يكون السيد السيستاني نسخةً من السيد الخامنئي، وآخرون يريدون منه أن يكون نسخةً من متظاهري الجمعة، لكن قوة السيد السيستاني هو كونه هو، كما هو.

  كتب بتأريخ :  الخميس 13-02-2020     عدد القراء :  216       عدد التعليقات : 0