أتمنى ان يظل الدكتور فارس كمال نظمي نجماً متألقا

قرأتُ بإمعانٍ ، مقالة الصديق الدكتور فارس كمال نظمي ، المعنونة ( الشيوعيون الميدانيون في قلب الحراك الثوري التشريني) على صفحات الفيسبوك يوم ٤ شباط ٢٠٢٠ ، كما هي عادتي بقراءة اغلب مقالاته ، حيث اجد فيها خصوبة قلب و عقل انسان أكاديمي ، محب للحرية، يمارسها تضامناً مع جميع المواطنين العراقيين المناضلين من اجل الحصول عليها منذ قرن من الزمان ، كمالاً و استكمالاً لنضال عدد من المناضلين المعروفين من عائلة عمر نظمي ، حيث ربطتني صداقة متينة مع بعضهم ، بديع عمر نظمي ، ساعدي الأساسي في سجن نقرة السلمان قام بترجمة عدد من مصادر إنكليزية عندما احتجتُ اليها في تدريس طلابي موضوعة ( الاقتصاد السياسي) . كما عاونتُ صديقي الدكتور وميض عمر نظمي، في مهمات نقل تبرعات الادوية من المنظمات الخارجية و توزيعها في العراق ، خلال فترة الحصار الاقتصادي على العراق . و قد اسعدني جداً، حين صبّ الدكتور فارس كمال نظمي جهده النبيل، حين أصرّ على مساهمتي المتواضعة في كتابه الصادر قبل سنوات ست عن (الرثاثة في العراق المعاصر)

نظم الدكتور فارس أفكار مقالته على أساس الدفاع عن موقف الحزب الشيوعي العراقي من تحالفه مع ( كتلة سائرون ) البرلمانية ، الخاضعة الى ( قوة) و ( نزعات) خالقها مقتدى الصدر . حيث مارس و يمارس سياسة من نوع مضطرب هو مزيج دينامي، كي ( مغلق ) و ( متقلب). هذا النوع أدّى الى خلافات عديدة ، متنوعة الأشكال و الرؤى ، داخل الكتلة البرلمانية و خارجها بسبب سلوكية السيد مقتدى الصدر ، الذي امتازت أخلاقياته منذ عام ٢٠٠٣ حتى اليوم بالاستعلاء الناتج عن تركيب سيكولوجي لا يساعده على التوجيه القيادي على وفق معايير الزمان و المكان و علاماتها السياسية .

كنتُ ، بعد نشره مقالته المشار اليها آنفاً وقبل قراءتي لها ، قد وجهتُ نداءً إليه و الى القيادي الشيوعي الدكتور جاسم الحلفي والى المناضل الشاعر احمد عبد الحسين ، طالباً منهم اختبار تجربة تحالف ( سائرون) بممارسة النقد و النقد الذاتي، لتحقيق الممكنات الصائبة في هذا التحالف و تثبيت لحظات الاخفاق فيها و أسباب المأساة الجاثمة فيها بتدخلات متقلبة مارسها زعيم التيار الصدري من خلال وجوديته الدينية - المذهبية على هذا النوع من التحالف ، الذي كنت من المعارضين له ، خلال استنطاق صوتي من قبل قيادي شيوعي عراقي ، إذ فضلتُ، آنذاك ، التحالف مع التيار المدني . كنتُ و لا زلتُ اعتبر ان هناك جدراناً عالية في تحالفٍ يجمع بين حزب شيوعي يريد جذب (القوى الدينية) الى (عالم المدنية ) مع جمعٍ دينيٍ يريد جذب الشيوعيين الى مملكة الله و الى العالم الديني المغلق. ربما كان من الصواب ان تُبنى علاقة سياسية لمواقف موحدة متكتلة بمشاركة و محبة للوطن و الشعب و حركتهما. لكن عناصر التقلب في هذا الحلف سرعان ما انطوت على استقالة النائب الشيوعي رائد فهمي و النائبة الشيوعية هيفاء الأمين من عضوية البرلمان و قد كان لي شرف مناشدتهما برسالتين علنيتين على الفيسبوك الى تقديم هذه الاستقالة .

اليوم ، أرجو من أفضال الصديق الدكتور فارس نظمي ان يسمح لي في سطوري ، هذه، أن تكون بعض التعابير القلقة ، بمقالته، ذات معانٍ وجدتها مالكة شعوراً حاداً ليس من صفاته الأكاديمية .

أرجو ان يسمح لي ان تكون النقاط التالية مركز الصدارة في مناقشته:

١- تحييد الخصوم.

قال الدكتور فارس في مقالته ( ان أفضل ما يمكن عمله على درب الشيوعية الطويل وفي زمن الرثاثة و الدين السياسي الفاسد هو تحييد الخصوم و تمهيد الطرق غير المعبدة سعياً لفتح ثغرات في جدار الوعي الزائف الشاهق مع ما يرافق ذلك من نجاح و اخفاق). ربما هذا التعبير يمكنه ان يكون مقنعاً الى حدٍ ما. لكن لا يحتمل ان يخلو من مصدر من مصادر القلق ، خاصة و ان الدكتور فارس أعفى نفسه من تحديد او ذكر ( الخصوم) الذين ينبغي تحييدهم. من هم و ما هي خططهم، التي ينبغي تحييدها او تحاشيها . كما لم يذكر نوع ( الخصومة) وهل هي متوترة او متنازعة ، متعارضة او متضادة. هناك فرق واضح في عملية البحث عن معاني و أساليب التحييد . كان افلاطون قد أوجد تحييداً في العصر اليوناني و كان الحلاج قد مارس التحييد في العصر الاسلامي الوسيط ، كما مارس القديس اوغسطين نوعاً ما من التحييد ، كذلك مارس ونستون تشرشل قضية ( التحييد) خلال زمن الحرب العالمية الثانية من خلال دراسته عقلية الخطط الهتلرية .

من الصعب جداً ان عملية ( التحييد) قد لا تفلح بجعلها مذهبا سياسياً مفروضا، بينما نجح كارل ماركس و فريدريك أنجلز و لينين بلمسات سياسية خاطفة وبوادر حزبية لامعة ان يجعلوا ( التحييد) تياراً واضحاً من خلال دراسة القوى الرأسمالية بكل تفاصيلها دراسة عميقة. من دون الدراسة الماركسية تظل روح ( التحييد) خاوية .

بالإمكان القول ان تاريخ الحزب الشيوعي العراقي منذ ٨٦ عاماً كان مليئاً بـ ( التماسك و النبل و طول الأناة و المثابرة و الإصرار و التمسك الواقعي المناور و المرن و الثابت) كما جاء في أوصاف مقالة الدكتور فارس لكن هذه الصفات من جانب واحد لا تبرر التحالف مع التيار الصدري حيث قيادته تفتقر الى التماسك و النبل و طول الأناة ، بل هي قيادة متقلبة الاهواء كل ٢٤ ساعة.

لذلك اجدد الدعوة الى الدكتور فارس كمال نظمي الى اعادة الصفات و الأحوال ، الكلية و الجزئية ، التي أقام عليها تبريره النظري في اصطلاح ( الكتلة التاريخية) ووجودها العيني المتحقق.

هنا اجد ضرورة تذكير الدكتور فارس نظمي ، باعتباره مفكراً ذاتياً ، بضرورة المباشرة في اعادة دراسة زمان و مآل مقولاته الموضوعية حول تأسيس ( الكتلة التاريخية ) ، قبل حوال السنتين . ان مخاض تجربة كتلة ( سائرون) لم يكتمل ديمقراطياً ،حتى بنسبة واطئة. السبب الرئيس هو ان (مذهبها ) لا يتحكم به أعضاؤها ، بل يتحكم به (فرد ) يعاني ، دائماً، من داء الانقلاب على نفسه و على الاخلاقية السياسية لكتلته التاريخية ، نفسها ، مما يجعلني ادعو الدكتور فارس نفسه الى اعادة التفكير الذاتي بتجربة التحالف الشيوعي - الصدري ، حيث كان هو من أوائل الناظرين إليه، منظّراً عنه، كشكلٍ مقبولٍ تاريخياً من أشكال الحياة السياسية.

٢- أفكار المنافي الدافئة

كشفتْ مقالة الدكتور فارس نظمي نقداً موجهاً الى (المدنيين ) و (اليساريين ) القاطنين في (المنافي الدافئة ) موجهاً لهم تهتمين : الاولى انهم يشددون حملات السخرية و التخوين و التأثيم ، معتبراً انهم يظهرون خطايا الشيوعيين الميدانيين في (الداخل) .

ليسمح لي الدكتور فارس ان اقول ، ان عينه المتأملة قسّمت الشيوعيين العراقيين الى قسمين : أحدهما ( شيوعيين في الخارج ) المتنامية بالمنافي الدافئة وثانيهما (شيوعيين في الميادين الداخلية) معنى هذا ان تصنيف الشيوعيين الحزبيين جرى على لون سحاب المدينة و لون ارض الشقة، التي يعيش فيها المواطن العراقي المغترب حيث لا يغيب عن ذاكرته وطنه الضائع منذ الفجر حتى اخر الليل .

من المستحيل ان يكون هذا التقسيم صائباً لأن كل تأسيسات و مكونات الشيوعية في العالم اجمع و أحزابها ، بكل زمان نشوئها و مكان نشاطها ، هو وجود شيوعيين في (الداخل) و (الخارج) احد جانبيها يكمّل الآخر من دون ان يتقاطع معه . كان الألماني كارل ماركس مقيماً في لندن .. عاش فيها ردحاً طويلاً من الزمن ثم مات و دفن فيها . كان لينين يعيش في سويسرا و قد عاد الى بلده بعد ثورة أكتوبر . روزا لوكسمبورغ ناضلت في ألمانيا و اغتيلت فيها ودفنت تحت ترابها. يوسف سلمان يوسف و عاصم فليح و غيرهما من مئات الشيوعيين العراقيين كانوا قد تنضجوا ، فكرياً و تنظيمياً و نضالياً و و واقعياً ، بسكناتٍ طويلةٍ في عواصم ( المنافي الدافئة) . حتى الجنرال ديغول ، احد قادة البورجوازية الفرنسية اضطر الى العيش في (المنفى اللندني الدافئ) فترة من الزمن الى حين عودته منتصراً على النازية الهتلرية . ليس من الصعب ان توصف أربيل ، الان، بأنها منفى دافئاً ، ايضاً، لكل عراقي يشعر بتجاوز معاملة خطيرة على حياته في اثناء عيشه ببغداد فيضطر ان يضمن خلاص نفسه في دفء المنفى الاربيلي.

المطلوب من الدكتور فارس ان يعود الى حقيقة الأوضاع الإرهابية حيث يضطر شيوعيون و مدنيون و يساريون الى تفضيل وجودهم بالمنافي الدافئة، صابرين على معاناة الغربة و الاغتراب، بانتظار ان يثمر نضال المنتفضين السلميين و جميع المناضلين العراقيين بما فيهم الشيوعيين تحت شعار (نريد وطن) . املي ان يشجب توجيه الاهانة الى ٤ ملايين عراقي مضطرين الى العيش في المنافي الموصوفة بـ( الدافئة) لمجرد انهم يعيشون في بلدان توفر الطاقة الكهربائية و الكرامة الانسانية في ظل حكومات بورجوازية .

أتمنى من الصديق ، الدكتور فارس، ان يتخلى عن كبريائه بعدم اهانة زملائه و رفاقه، الذين يعانون آلام الغربة، وهم يعيشون حياة رتيبة في بلدان الشتات ، داخل امواجٍ متدفقة من الشعور الواعي الحزين بضياع وطنهم عنهم و ضياعهم عنه ، تحت ضرورات الغربة القسرية . ليس من الصحيح غضّ البصر عن هروب القائد الفعلي لتجمع ( سائرون) و لجوئه الى مدينة ( قم ) الإيرانية ليحرّك منها عصابات ( القبعات الزرق) لتنفيذ مشروعه في الذبح و الجرح بالسكاكين (الوطنية - الداخلية ) إسكات صوت الطبيعة الانسانية العراقية .

٣- منصات التواصل الاجتماعي

استغربتُ كثيراً جداً وجود الفقرة التالية ضمن مقالة الدكتور فارس كمال نظمي : ( هؤلاء يستميتون للبحث عن دور مفقود او هوية غائبة بعثرتها الأيام عبر محاولة إظهار أهميتهم المفقودة بتبخيس قيمة الآخرين الفاعلين حقاً في الميدان ، مستخدمين منصات التواصل الاجتماعي لممارسة التشهير التسقيطي لبعض الأسماء او التكفير الايديولوجي الضمني دون ان ينتابهم اي شعور بالذنب يدفعهم لترك حياتهم المستقرة و الالتحاق بالميدان حيث قنابل الغاز و الرصاص الحي و التغييب و غرف التعذيب ..! ).

اول شيء أقوله ، تعقيباً على هذه الفقرة ، ان ( المدنيين) و (اليساريين) المغتربين في أوربا و أمريكا لا يبحثون عن دور مفقود او هوية غائبة ، كما يظن الدكتور فارس. لأن غالبيتهم كانوا قد تمرمروا، في النهار و الليل، بآلام العذاب و التعذيب في سراديب السجون المظلمة . ما زالت بقايا امراض تعذيبهم تلازمهم في غربتهم الدافئة. انهم كانوا و ما زالوا محافظين على دورهم ليس في البقاء وحده، بل في تحريض و تعبئة المجتمع الدولي للوقوف الى جانب انتفاضة الشبان . قبل لحظات وضعت توقيعي ، مثلاً، على مذكرة موجهة الى الأمين العام لمنظمة الامم المتحدة مع مجموعة كبيرة من المدنيين و اليساريين العراقيين لشجب الوسائل غير الانسانية في موقف الحكومة العراقية من الأصوات الانسانية المرتفعة بساحات الانتفاضة السلمية . ربما الدكتور فارس لا يدري ان اهم خالق للنشاطات اليومية للعراقيين المغتربين في القارات الاوربية و الامريكية و الأسترالية تتصدرها منظمات الشيوعيين العراقيين، الذين وجدوا دورهم و هوياتهم إلى جانب غيرهم من منظمات المغتربين العراقيين بأفعال يومية دائبة داخل الرأي العام العالمي ، بقصد إلحاق الهزيمة بكل قوى الظلام في بلادنا واولها ظلامات احزاب الاسلام السياسي ، المغرور بقوة سادته في جمهورية ايران الاسلامية ، المتداخلة بحلقة دينية - مذهبية- طائفية على حركة الدولة العراقية خلال السنوات اللاحقة لعام ٢٠٠٣ .

لا شك ان المدنيين و اليساريين سيجدون حتماً تحليلات ادق و اكثر جرأة و علمية بقلم الدكتور فارس كمال نظمي ، بقادم الأيام ، لسد كل احتمال في التفرقة بين المدنيين و اليساريين ، في الداخل و الخارج لأن فلسفة التطور واحدة عند الجميع ، كما اعتقد .

املي في الختام ان يتقبل الصديق العزيز الدكتور فارس نظمي ندائي ، ان يظل كما عرفته حياً في عقول قرائه و محبيه و ان يستخرج أدواته العلمية الجديدة من دراساته النقدية العلمية لواقعية الاسلام السياسي العراقي و دوره الآثم في قمع حركة المدنيين - اليساريين و جزر حرياتهم باعتبارها الطاقة الخلاقة للمناضلين ، جميعاً، داخل العراق و خارجه.

تيقّن ، يا صديقي، أن العراقيين المغتربين عاهدوا انفسهم و شعبهم و العالم ، كله ، انهم لا ينتمون إلاّ الى دجلة و الجبال المحيطة به وإلى الفرات ونواعير الصحارى المعانقة له.. وإلى نخيل شط العرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

  كتب بتأريخ :  الخميس 13-02-2020     عدد القراء :  488       عدد التعليقات : 0