وعي وجهل يسوع الإنسان

عاش يسوع سر البنوة الإلهية ، فللبحث ما بين كينونته كإنسان وأبناً لله معاً ، نقول ، عندما كان إنسلناً فكان عليه أن يقبل كيانه من الله لكي يكون الله مرجعيته ليعيش إنسانيته بعيداً عن علاقته الأزلية مع الله كأقنوم الكلمة. لكن علاقة يسوع الإنسان مع الله تختلف حتماً عن علاقة أي إنسان مخلوق مع الله . لأن يسوع غير مخلوق ، بل أزلي متجسد ، ومن خلال حياته الأرضية ينكشف لنا علاقته الأزلية مع الآب . وبما أنه صار إنساناً فيجب أن يشبه الإنسان في كل شىء خلا الخطيئة ( عب 15:4 ) . هناك مسألتان يجب أن نتناولها بأهتمام في حياة يسوع الإنسان وهي وَعيّه وجهله للأمور .

ففي مسألة وَعي يسوع ومعرفته بالأحداث وحكمته وتعليمه ونبؤاته بالمستقبل كانت تنبع من وحدته الجوهرية مع الآب . فعلمه لم يكن من هذا العالم ، بل تعَلمَه من أبيه السماوي وبحسب تصريحه ( ليس تعليمي من عندي ، بل من عند الذي أرسلني ، ومن أراد أن يعمل مشيئة الله يعرف ما إذا كان تعليمي من عند الله ، أو أنني أتكلم من عندي ) " يو 7: 16-17" .

حياة يسوع كلها تشهد لنا بأنه كان واعياً بعلاقته البنوية مع الآب رغم كونه إلاهاً يعيش في الجسد . فسلطته في الكلام أثناء الحديث كانت تتجاوز سلطة المعلمين والأنبياء . سلطته كانت فوقية ومتميزة ، وكان يتميز عن باقي البشر عندما كان يدعو الله ( ابتِ ) فكان على وعيّ تام بأنه أبن الله الوحيد ، ولم يخفي حقيقته أمام الناس كلياً . كان يزجر الشياطين عندما كانوا يكشفون حقيقته وذلك لعرقلة خطته في نشر رسالته كلها في السنين المقررة ، لهذا نراه في أيامه الأخيرة وبعد أنتهاء رسالته  أصبح واضحاً أمام الجميع ، ترك أسلوب التحدث بالأمثال ، وبدأ يتحدث صراحةً بأنه هو المسيح أبن الله . عندما كان يعلن سر أقتراب ملكوت الله والذي جعله حاضراً من فترة تبشيره في شخصه وفي أعماله وكلامه ، فكان هدفه منها مصالحة بني البشر مع الله ، ومن ثم يهب حياته من أجل الكثيرين ( مر 24:14) . كان يسوع يعي بذاته بأنه مرسل من قبل الآب لأجل خلاص العالم ، بدأ به بصورة سرية فأحب جميع البشر وحتى الخطاة وأقترب منهم لكي ينقذهم من الهلاك الأبدي . أنه أحب الجميع رغم نقد قادة اليهود له ، لأنه أراد أن يبذل نفسه من أجل الجميع ( غل 20:2) .

وعن وعي المسيح وعلمه يتحدث عنه اللاهوت المعاصر ويعتبر الأخبار المنقولة لنا عن طريق الأناجيل من شهادات واضحة تخبرنا عن أسرار المسيح بشكل واضح ومفهوم .

أما عن جهله في بعض الأمور ، فالأناجيل تذكر لنا صراحةً أن يسوع كإنسان كان يجهل بعض الأسرار ، كقوله ( أما ذلك اليوم ، وتلك الساعة ، فلا يعرفهما أحد ، ولا ملائكة السموات ، إلا الآب وحده ) " مت 36:24" . كذلك ساعة مجىء الملكوت والتي هي مصير رسالته . وتذكر الرسائل وتقول : مع كون ابن الله متسامياً على الملائكة ، لا يعرف كل شىء ، ويسلِم أمره للآب في فعل طاعة تامة ( طالع " فيليبي 2: 5-11" و " عب 5: 10" .

وإذا كان تواضع المسيح وموته على الصليب شَكاً لنا ، ويمس الصورة التي تنسجها أفكارنا عن الله ، فمن شأنهما أن يدعانا نكشف الوجه الحقيقي له . وجه إله محب بيسوع الإنسان . لقد صرح بأنه لم يستطيع جمع أبناء أورشليم ( مت 37:23) ومن هذا الأخفاق وبالرغم منه بقي أميناً ، وبقي رجل الإيمان الذي قبل ذاته كهبة من أبيه الذي له الملك وإليه يعود تحقيق لمخطط الخلاصي .

أخيراً نقول ، يجب أن نربط بين وعي يسوع وجهله وسلطته . فيسوع من حيث هو ابن الله ، يقبل ذاته بكاملها من الآب إلى حد التألم والتمزق والموت على قمة الجلجلة . كان إنساناً خاضعاً لقوانين الله وبإرادته ومنذ حداثته ، يقول عنه لوقا البشير ( كان ينمو في الحكمة والقامة ) " 52:2 " لكن ذلك النمو لم يقتصر على ما هو للجسد فقط ، بل للروح أيضاً ، وكإنسان كان يملك وجهاً حقيقياً يتجلى فيه حنان الله للبشر . هذا الوجه تم تشويهه على الصليب ، وبذلك الوجه والجسد المطعون ينبغي أن نفتح عيوننا ونتأمل جيداً لكي نصل إلى سر محبة الله للبشر التي تتجلى في سر الفداء .

المجد الدائم ليسوع الرب

  كتب بتأريخ :  الأحد 16-02-2020     عدد القراء :  224       عدد التعليقات : 0