تحديات الاقتصاد السياسي في مواجهة مسار العراق التنموي -الإنساني
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

إن تحديد ماهية وأهمية التحديات الاساسية للاقتصاد السياسي يمكننا توضيحها من خلال معرفة طبيعة السياسات والخيارات الاقتصادية خاصة إنعكاساتها وتداعياتها على مسار التنمية الاقتصادية للعراق ضمن الصورة الاوسع لمنطقة الشرق الاوسط والخليج العربي .

لاشك بأهمية العلاقة المتبادلة والمتداخلة بين الاقتصاد والسياسة كونها تسلط الضوء على عمق الازمات التي مر ويمر بها العراق . الأمر الذي يضع في قلب الاهتمام الدور المتوقع لصناع قرارنا السياسي في ضرورة التدبر القيادي الحكيم والادارة الرشيدة الجيدة للموارد المادية والبشرية بصورة تكفل الوصول لإهداف التنمية البشرية المستدامة بصورة تعظم المكاسب وتقلل من الخسائر قدر المستطاع بحلول 2030.

في البدء يعنيني أن اشير ان المشكلة التي نحن بصددها لاتكمن في مجرد تبني نظريات الاقتصاد السياسي الحديثة في الدول النامية او المتقدمة حيث انها متماثلة في أهميتها ولكن المشكلة تأتي من خلال تباين تطبيقات السياسات ، الخيارات والنماذج الاقتصادية على اوضاع الدول .

الدول المتقدمة بما توفر لها من بناء نظري وعملي تحسن الخيارات والسياسات التنموية والعكس صحيح في الدول النامية حيث الضعف الواضح في الطابع المؤسسي . إن نقطة الانطلاق المجدي علميا وعمليا والتي تسهل لنا مهمة تحليل طبيعة ومسار التحديات الاساسية للاقتصاد السياسي العالمي تنبع من تبيان ما ورد من محاور رئيسة تضمنها تقرير المخاطر العالمية للعام 2020 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في مدينة دافوس السويسرية. التقرير أكد احتمالاً وارداً بل هو متحقق في مراحل مختلفة من التاريخ السياسي كونه مرتبط بظاهرة إحتدام الاستقطاب الدولي سياسياً وإقتصادياً "في ظل تنامي الحاجة الى التعاون بين قادة العالم ورواد الاعمال وصناع السياسات أكثر من أي وقت مضى لوضع حد للتهديدات التي تهدد المناخ والبيئة والصحة العامة والانظمة التكنولوجية." هذا وضمن سياق معرفتنا بأهمية الاقتصاد السياسي يمكن إضافة جوانب متنوعة من معطيات الاقتصاد السياسي ومشتملاته وتداعياته ومنها مثلاً علاقة الصراع والعنف السياسي باتساع مساحة الفقر والعكس صحيح أيضاً حيث أن تصاعد مستويات الفقر ستنتهي أيضاً إلى إرتفاع حالات الصراع أو النزاع بين الدول أو بين الجماعات المتنافسة على النفوذ والمصلحة في مناطق تتمتع بمزايا إقتصادية- جيوسياسية أو جيوستراتيجية .

العراق ولاشك يقع في بؤرة الاستقطابات والتوترات العنفية بين الامم أو الدول كون منطقة الشرق الاوسط معبراً ستراتيجياً لقارات العالم وتمتلك أكبر إحتياطات نفطية ومن الغاز الطبيعي وغيرها من موارد حيوية ضخمة. إلارقام الاحصائية الاخيرة للعام 2018 تشير إلى أن معدل الفقر في العراق وصل إلى 20% وفي تقارير أخرى الى 22.5% وهي نسبة وإن كانت أقل من سابقتها (30%) إلا أنها لازالت مرتفعة آخذا بالاعتبار أستمرار تصاعد معدلات الفقر في محافظات الوسط والجنوب حيث تتراوح النسب بين 38- 52%.

من الظواهر المرتبطة بمسار الفقر مسألة التفاوت الاجتماعي – الاقتصادي أو عدم المساواة بين الفئات المجتمعية بين الذين يملكون الكثير والذين لايملكون شيئا او القليل جدا ويعيشون على خط الفقر (1.90$ لليوم الواحد) . آخذا بالاعتبار الصورة الاوسع والاكثر دلالة عالميا نجد تحدي الفقر في ظل مؤشرات الاقتصاد السياسي العالمي تؤكد مفارقة مهمة وهي ان عام 2018 لم يشهد إنخفاضا في معدلات الفقر حيث اشار الكاتب مورتن وينديلبوا في مقالته " الجوع الخفي يؤثر في 2 مليار إنسان حول العالم ، هل من حلول؟" إلى إننا " لانزال بعيداً عن القضاء على الفقر خلال فترة حياتنا على الرغم من أن جميع الدول ال191 الاعضاء في الأمم المتحدة تعهدت في العام 2000 بإنهاء الفقر بحلول العام 2015".

لعل من دواع عدم صدق نبؤءة إنتهاء الفقر استمرار حالات الحروب وقضية التغيير المناخي التي عدت من الاولويات التي يمكن وصفها بتحديات الاقتصاد السياسي العالمي حيث تصاعدت نسبة المآسي الانسانية. علما بإن العراق واجه عبر تاريخه السياسي الحديث تحديات أخرى مهمة جدا تتلخص بثورة الشباب العراقي " جيل جديد" لاتتجاوز أعماره 15-25 عاماً إعداده مليونية مسلحة بفكر حر "لبرالي تحرري مستقل " يبحث عن تحقيق ابسط مستلزمات حياته (أمن ، عمل ، غذاء ومسكن) في ظل توجهات وإتجاهات وطنية تصاعدت لدرجة مهمة سمتها الحث على استعادة الوطن "العراق" من براثن وأنياب حكام من القلة الفاسدة التي تجاوزت كل الخطوط الحمر حيث سوء إدارة الدولة وتجذر الفساد الاقتصادي بل والفساد الاخلاقي والمعنوي "الضميري".

وعوداً للمقالة المهمة التي اوضحت أن الفقر لم ينته من عالمنا كليا نشير إلى أن الاحصائية الحقيقية لتفاقم أزمة الفقر عالمياً ومن ضمنها ما يحدث في العراق ومنطقتنا الشرق أوسطية تبين أن مايقارب من 2 مليار نسمة في العالم يعاني من المجاعة وبالذات مما يعرف ب"الجوع الخفي" كونه "لايظهر بجلاء مثل الجوع العام" ، الأمر يرجع في الغالب إلى حالة سوء التغذية وما يصاحبه من مشكلات صحية وبيئية خطيرة عنوانها "تكرر حالات التلوث البيئي في الهواء ، التربة والمياه " مع أزمات مرضية مجتمعية واقتصادية ترافقها أزمات حادة للطاقة لم يتم التعامل معها بصورتها غير التقليدية (طاقة متجددة ، طاقة نووية وغيرها) . ضمن هذا السياق يمكننا تقدير مدى صعوبة معالجة مثل هذه المهمة الشاملة التي لابد من إنجازها من قبل صناع قرار يتحلون بالرشد والمسؤولية في أهمية تأسيس نظام - غذائي –صحي –بيئي وتقني متوازن مستدام يخرج العراق من بؤرة التدهور الاقتصادي – الاجتماعي- الانساني إلى آفاق أكثر رحابة في التمتع بحياة حر عيش كريم في ظل بيئية صحية سليمة ترتقي بحياة العراقيين بشريا – ماديا وتقنيا بصورة تتطلب التكييف مع عصر الاقتصاد الرقمي الجديد. إن الانتقال من حالة تعطل الطاقات البشرية عن مسار العمل المنتج والاستمرار بإعمال محورها الاهتمام بالمزيد من إستهلاك الطاقة خاصة من الموارد القابلة للنفاذ خاصة "الطاقة والوقود الاحفوري : نفط وفحم حجري وغاز طبيعي" دون وجود تخطيط جيوستراتيجي سليم وتنفيذ حقيقي للخطط التنموية المعدة زمنياً وبصورة تتناسب مع التكييف مع روح العصر التقني السريع الوتيرة والمتجه نحو الانتاج والابداع الفكري أوالتنموي في شتى حقول الحياة لن يخلق إقتصاداً تنمويا حقيقياً مستداماً يعظم من مكاسب الاقتصاد السياسي العالمي في إيجاد حلول واقعية تستقرأ بل وتتنبأ مايستجد من مشكلات وأزمات ترتبط بمراحل حياتية متقدمة للاجيال القادمة.

ما ننشده لشبابنا ولإطفالنا أن يتجه النظام السياسي العراقي الجديد إلى إعتماد نظام لبرالي –مدني – ديمقراطي حقيقي مسلح بخيارات وسياسات عملية توصل شعبنا في كل انحاء العراق إلى بر الامان والازدهار والرفاه الاجتماعي وإلى حكم دولة المؤسسات الحقيقية وليس دولة الاشخاص مهما علت مكانتهم الاجتماعية ، الاقتصادية - المالية والسياسية والثقافية. ترتيبا على ماتقدم ، لابد من جسر الفجوة المتسعة بين حكم القلة المتسيدة سياسياً واقتصادياً - مالياً والغالبية الساحقة من الشباب ومن الشرائح الأخرى " لاتملك شيئاً من حطام الدنيا" حيث وحتى وقت قريب لم يتم تنظيمهم وتعبئتهم بصورة توجه الانظار إليهم.

أما وقد اضحوا لاعباً مهما ورقما صعباً في أي تغيير سياسي مستقبلي يمكننا تصور حدوث تغييرات جذرية على مسرح السياسة العراقية عقب نجاح خطوات المصادقة على وزارة الاستاذ محمد توفيق علاوي بالشكل الدستوري السليم الذي يوفر أرضية صلبة لأنتخابات مبكرة لمجلس نيابي جديد يمهد لنظام سياسي جديد بعيداً جداً عن المحاصصة الحزبية الطائفية – العرقية والجهوية - المالية – الاقتصادية المقيتة.

مسألة من الصعب القطع بنهايات إيجابية لها في المستقبل القريب طالما تستمر التكتلات الحزبية بالسعي وراء مكاسبها وإمتيازاتها على حساب المصلحة الوطنية العراقية. علما بإن تغيير المعادلة في شقيها السياسي والاقتصادي يعتمد إلى حد بعيد أيضاً على الشق الامني وهو البعد الاكثر خطورة طالما يستمر ضاغطاً على النظام السياسي العراقي من خلال إنتشار عدد من المليشيات أوالعصابات التي لاتدين بالولاء للدولة العراقية محتفظة بقوة عسكرية بعيدة كل البعد عن الاختصاص القانوني للدولة العراقية.

إن أي زعزعة للامن وللاستقرار السياسي في العراق لن يخلق لنا محيطاً آمنا للبناء ـ للاستثمار وللتنمية الاقتصادية مع كل مايعنيه ذلك من سلبيات تطال مختلف قطاعات التنمية الانسانية المستدامة. إنطلاقاً مما تقدم فإن تحقق اية معدلات مرتفعة نسبيا للنمو الاقتصادي مصاحبة لتنفيذ خطط إصلاحية التنمية الاقتصادية ستنتج بدورها نتائج إيجابية منها مثلاً تخفيض نسب البطالة بين شرائح المجتمع العراقي إلى درجات متدنية (5-7%) عبر السنوات القليلة القادمة. نتيجة اخرى اعلنها رئيس الوزراء المكلف بتاسيس 100000 وحدة سكنية للفئات المحرومة ، مشروع مهم جدا إذا ماتحقق فعلياً كونه سيعجل في تصاعد الدورة الاقتصادية إلى درجات عبليا . من هنا، أهمية إنفتاح الاستثمار الاجنبي على العراق وفقاً لشروط مناسبة للحالة العراقية وفقا لحالة الاستقطاب للكفاءات العراقية بهدف بناء مشروعات تنموية- إعمارية – إنسانية دون تردد أو تلكؤ في تفيذها.

أكثر من ذلك، لابد من الاهتمام بتأسيس مدن تقنية متقدمة وأخرى تعتمد على الطاقة الخضراء حماية لكوكبنا الذي ليس لدينا بديلا عنه على الاقل للسنوات العشر القادمة (2030) . إن التحدث بعمق عن تأثيرات الاقتصاد السياسي مسألة مرتبطة بشكل وثيق مع تصاعد الاهتمام بحقوق الانسان وحرياته الاساسية التي إن ضمنت نسبيا فإنها تعني أهمية بحث مسألة الرخاء الاقتصادي – الاجتماعي وآليات تطورها وتنفيذها وفقا لاجندة مكانية وزمنية متعارف عليها وللموضوع صلة.

  كتب بتأريخ :  الخميس 20-02-2020     عدد القراء :  728       عدد التعليقات : 0